تأويلات أهل السنة للماتريدي - الماتريدي  
{فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ} (130)

الآية 130 : وقوله تعالى : { فاصبر على ما يقولون } يصبر رسوله على أذاهم بلسانهم من السب والنسبة إلى السحر والجنون والافتراء على الله تعالى ونحوه ، وإن كان وعده{[12498]} أنه يعصمه منهم حتى لا يقدروا على إتلافه وإهلاكه ، لأن في حفظ نفسه من الإتلاف والإهلاك آية من آيات رسالته ؛ إذ بعثه إلى الفراعنة والجبابرة الذين كانت همتهم وعادتهم قتل من يخالفهم في شيء وإهلاك من يستقبلهم بما يكرهون . فدل عجزهم عن إتلافه وإهلاكه وحفظ نفسه منهم أنه كان ذلك لآية في نفسه .

وأما أذاهم إياه باللسان فليس{[12499]} في حفظه عنه آية ، لأن ذلك ما{[12500]} كان آية . فهم وذلك مما لا يؤثر نقصا في نفسه أو شيئا . ألا ترى أنهم قالوا في الله ما لا يليق به من الولد وغيره ؟ فدل أنه ليس في حفظ نفسه عن أذاهم بلسانهم آية . إنما الآية في ما ذكرنا من حفظ نفسه من الإتلاف ، والله أعلم .

وقوله تعالى : { وسبح بحمد ربك } قال أهل التأويل : صل بأمر ربك . وتأويل قولهم هذا : صل بأمر ربك لأنه أمره أن يصلي له{[12501]} بقوله : { وأقم الصلاة } [ هود : 114 و . . ] وقوله : { وأقيموا الصلاة } [ البقرة : 43 و . . ] فيكون قوله : { وسبح } أي صل بأمر ربك الذي أمرك بقوله : { وأقم الصلاة } ولولا صرف أهل التأويل /336-أ/ التسبيح في هذه الآية إلى الصلاة ، وإلا يجوز أن يصرف إلى غيرها من الأذكار في كل وقت . لكن صرفوه إلى الصلاة ، لأن الصلاة تشتمل على معان قولا وفعلا ، وسائر الأذكار لا تشتمل إلا على معنى الذكر قولا . فهي أجمع وأشمل لذكره ، والله أعلم .

ثم قوله : { قبل طلوع الشمس } قبل صلاة الفجر { وقبل غروبها } صلاة العصر . وقال بعضهم : { وقبل غروبها } [ صلاة ] {[12502]} الظهر والعصر .

وقوله تعالى : { ومن أناء الليل } قيل : صلاة الفجر والعصر ، فهو على التكرار والإعادة تأكيدا كقوله { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين } [ البقرة : 238 ] [ ذكر الصلوات كلها ] {[12503]} ثم خص الصلاة [ الوسطى بالذكر لتأكيد المعنى ] {[12504]} وجائز أن يكون قوله { وأطراف النهار } تكرارا منه لصلاة الفجر والعصر [ لتأكيد المعنى ] {[12505]} وجائز أن يكون قوله { وأطراف النهار } ليس{[12506]} على إرادة وقت دون وقت ، ولكن يريد به الأوقات كلها . وعلى ذلك يخرج قول من قال في قوله : { وقبل غروبها } صلاة الظهر والعصر ، والله أعلم .

وقوله تعالى : { لعلك ترضى } بالنصب والرفع جميعا{[12507]} أي يرضيك ربك بما عملت ، أو يرضى بذلك .


[12498]:الهاء ساقطة من الأصل و م.
[12499]:الفاء ساقطة من الأصل.
[12500]:في الأصل و م: لو.
[12501]:من م، في الأصل: لله.
[12502]:ساقطة من الأصل و م.
[12503]:من م: ساقطة من الأصل.
[12504]:في الأصل: لمعنى، في م: بالذكر لمعنى.
[12505]:في الأصل و م: لمعنى.
[12506]:أدرج قبلها في الأصل و م: أنه.
[12507]:انظر معجم القراءات القرآنية ج4/120.