( ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها ؛ وكنا بكل شيء عالمين . ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك . وكنا لهم حافظين ) . .
وتدور حول سليمان روايات وتصورات وأقاويل ، معظمها مستمد من الإسرائيليات والتخيلات والأوهام . ولكن لا نضل في هذا التيه . فإننا نقف عند حدود النصوص القرآنية وليس وراءها أثر مستيقن في قصة سليمان بالذات .
والنص القرآني هنا يقرر تسخير الريح - وهي عاصفة - لسليمان ، تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها . وهي في الغالب الشام لسبق الإشارة إليها بهذه الصفة في قصة إبراهيم . . فكيف كان هذا التسخير ?
هنالك قصة بساط الريح الذي قيل : إن سليمان كان يجلس عليه وهو وحاشيته فيطير بهم إلى الشام في فترة وجيزة . وهي مسافة كانت تقطع في شهر على الجمال . ثم يعود كذلك . . وتستند هذه الرواية إلى ما ورد في سورة " سبأ " من قوله : ( ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر ) . .
ولكن القرآن لم يذكر شيئا عن بساط الريح ذاك ؛ ولم يرد ذكره كذلك في أي أثر مستيقن . فليس لنا ما نستند عليه لنقرر مسألة البساط .
والأسلم إذن أن نفسر تسخير الريح بتوجيهها - بأمر الله - إلى الأرض المباركة في دورة تستغرق شهرا طردا وعكسا . . كيف ? لقد قلنا : إن القدرة الإلهية الطليقة لا تسأل كيف ? فخلق النواميس وتوجيهها هو من اختصاص تلك القدرة الطليقة . والمعلوم للبشر من نواميس الوجود قليل . ولا يمتنع أن تكون هناك نواميس أخرى خفية على البشر تعمل ، وتظهر آثارها عندما يؤذن لها بالظهور : ( وكنا بكل شيء عالمين ) . . العلم المطلق لا كعلم البشر المحدود .
{ ولسليمان } وسخرنا له ولعل اللام فيه دون الأول لأن الخارق فيه عائد إلى سليمان نافع له ، وفي الأول أمر يظهر في الجبال والطير مع داود وبالإضافة إليه . { الريح عاصفة } شديدة الهبوب من حيث إنها تبعد بكرسيه في مدة يسيرة كما قال تعالى { غدوها شهر ورواحها شهر } وكانت رخاء في نفسها طيبة وقيل كانت رخاء تارة وعاصفة أخرى حسب إرادته { تجري بأمره } بمشيئته حال ثانية أو بدل من الأولى أو حال من ضميرها . { إلى الأرض التي باركنا فيها } إلى الشام رواحا بعد ما سارت به منه بكرة . { وكنا بكل شيء عالمين } فنجريه على ما تقتضيه الحكمة .
81 - وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ .
الريح العاصف : الشديدة الهبوب .
إلى الأرض التي باركنا فيها : هي أرض الشام .
أي : وسخرنا لسليمان الريح عاصفة ، وهذه من نعم الله على سليمان أن ذلل له الريح العاصفة أي : المدمرة ، التي تعصف بما تمر عليه وتدمره .
وقد وصف الله تعالى هذه الريح بأنها سهلة هينة مريحة ؛ في موضع آخر فقال : فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ . ( ص : 36 ) .
فهذه الريح قوية وعاصفة في حد ذاتها ؛ لكن إذا أمرها سليمان بأمر تحولت إلى طائعة سهلة منقادة لينة ورخاء ، أو أنها حينا عاصفة ، وحينا رخاء وهي مطيعة لسليمان ؛ وكان سليمان قد دعا الله قائلا :
قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ . ( ص : 35 – 39 ) .
أن الله ذلل الريح لسليمان عليه السلام ، فكان يتحرك مع جنوده وجيوشه وأتباعه ، ويأمر الريح أن تنقلهم إلى أي مكان يريد الذهاب إليه ، ثم يطلب من الريح أن تعيده إلى المكان الذي يريد أن يرجع إليه ؛ فتطيعه الريح وتجري بأمره .
وكان ملك سليمان في بلاد الشام ؛ فقد حكم داود عليه السلام فلسطين 70 سنة ، وحكمها سليمان 70 سنة ، وبعد ذلك دب الخلاف بين أبناء سليمان وتقسموا الملك ثم دالت دولتهم .
أما العرب المسلمون فقد فتحوا فلسطين وبيت المقدس سنة 15 ه ومكثوا فيها أكثر من ألف عام ؛ ولم يخرجوا من بيت المقدس إلا أيام الحروب الصليبية ؛ ثم عادوا إليه بقيادة صلاح الدين الأيوبي ، وظلوا هناك إلى أن كانت حرب سنة 1967م فأخرجوا من ديارهم بغير حق .
وأملنا في الله أن يعودوا إلى بيت المقدس بفضل الله .
ونعود إلى تقرير معنى الآية فنقول :
سخرنا لسليمان الريح قوية ؛ تسير بأمره وتنقله هو وأتباعه في الصباح وتعود بهم في المساء ؛ حيث ترجع بهم إلى أرض الشام التي بارك الله فيها ؛ بوجود الأنبياء والزروع والثمار ؛ ووجود بيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين .
أي : أن علمنا ممتد إلى كل كبيرة وصغيرة ، ونعرف الحكمة فيما نفعل ، ونعرف أن سليمان أهل لهذه النعمة ؛ فنحن لنا حكمة في ابتلاء الناس بالخير أو بالشر ؛ كما قال سبحانه : ونبلوكم بالشر والخير فتنة . . . ( الأنبياء : 35 ) .
{ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ } أي : سخرناها { عَاصِفَةً } أي : سريعة في مرورها ، { تَجْرِي بِأَمْرِهِ } حيث دبرت امتثلت أمره ، غدوها شهر ورواحها شهر { إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا } وهي أرض الشام ، حيث كان مقره ، فيذهب على الريح شرقا وغربا ، ويكون مأواها ورجوعها إلى الأرض المباركة ، { وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ } قد أحاط علمنا بجميع الأشياء ، وعلمنا من داود وسليمان ، ما أوصلناهما به إلى ما ذكرنا .
{ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ( 81 ) }
وسخَّرنا لسليمان الريح شديدة الهبوب تحمله ومَن معه ، تجري بأمره إلى أرض " بيت المقدس " ب " الشام " التي باركنا فيها بالخيرات الكثيرة ، وقد أحاط علمنا بجميع الأشياء .
قوله : ( ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها ) أي سخرنا لسليمان الريح عاصفة ، يعني شديدة الهبوب . و ( عاصفة ) منصوب على الحال . ووصفت الريح في موضع آخر بالرخاء ؛ أي اللين . وذلك لأن الريح كانت تجري باختيار سليمان نظرا للوقت الذي يريد فيه سليمان أحد الوصفين وهو الهبوب العاصف ، أو اللين الطيب . وقيل : كان الرخاء في البداية ، والعصف بعد ذلك . وذلك على عادة المسافر يبدأ مبطئا ، ثم يأخذ في الإسراع . والمراد بالأرض التي بارك فيها ، بلاد الشام ، لكثرة ثمارها وخيراتها ومياهها . وقد ذكر المفسرون أنه كان لسليمان بساط من خشب يوضع عليه كل ما يحتاج إليه من أمور المملكة والخيل والجمال والخيام والجند ، ثم يأمر الريح أن تحمله وترفعه وتسير به ، وتظله الطير تقيه الحر إلى حيث يشاء من الأرض . ذلك مما سخره الله لهذا النبي الكريم ومما امتن به على بني إسرائيل من المزايا والنعم .
قوله : ( وكنا بكل شيء عالمين ) أي أن الله محيط علمه بالأشياء يجريها على ما يقتضيه علمه .