وفي اللحظة التي توجه فيها أيوب إلى ربه بهذه الثقة وبذلك الأدب كانت الاستجابة ، وكانت الرحمة ، وكانت نهاية الابتلاء : ( فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر ، وآتيناه أهله ومثلهم معهم ) . .
رفع عنه الضر في بدنه فإذا هو معافى صحيح . ورفع عنه الضر في أهله فعوضه عمن فقد منهم ، ورزقه مثلهم . وقيل هم أبناؤه فوهب الله له مثليهم . أو أنه وهب له أبناء وأحفادا .
( رحمة من عندنا ) فكل نعمة فهي رحمة من عند الله ومنة . ( وذكرى للعابدين ) . تذكرهم بالله وبلائه ، ورحمته في البلاء وبعد البلاء . وإن في بلاء أيوب لمثلا للبشرية كلها ؛ وإن في صبر أيوب لعبرة للبشرية كلها . وإنه لأفق للصبر والأدب وحسن العاقبة تتطلع إليه الأبصار .
والإشارة( للعابدين ) بمناسبة البلاء إشارة لها مغزاها . فالعابدون معرضون للابتلاء والبلاء . وتلك تكاليف العبادة وتكاليف العقيدة وتكاليف الإيمان . والأمر جد لا لعب . والعقيدة أمانة لا تسلم إلا للأمناء القادرين عليها ، المستعدين لتكاليفها وليست كلمة تقولها الشفاه ، ولا دعوى يدعيها من يشاء . ولا بد من الصبر ليجتاز العابدون البلاء . .
84 - فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ .
كان أيوب قد ابتلي في نفسه بالمرض ، وفي أولاده بالموت ، وفي ماله بالضياع ؛ امتحانا من الله تعالى ، وكانت له الأموال والأولاد والزوجة والعافية ، وكان دائم الصبر ، حيث قالت له زوجته مرة : لو دعوت الله حتى يذهب عنك البلاء ؟ ! فقال لزوجته : كم مكثنا في الصحة والعافية والنعمة ؟ قالت : ثمانين سنة ؛ قال أيوب : كم مكثنا في البلاء ؟ قالت : ثلاثا أو سبعا أو ثماني عشرة سنة ، فقال أيوب : أستحي أن أدعو الله ليرفع البلاء ؛ ولم أمكث في البأساء مثل ما مكثت في النعماء .
فلما كثر إلحاح زوجته عليه ؛ مد يديه إلى الله متضرعا ، طالبا أن يشمله الله برحمته ؛ فاستجاب الله دعاءه ؛ فكشف عنه الضر الذي نزل به اختبارا وابتلاء .
وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ .
استرد زوجته وولدت له من الأولاد بعدد من مات من أولاده ؛ ثم ضاعف الله له عدد أولاده .
رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ .
أي : تلطفا وتكرما وترحما من الله عليه ، حيث أكرمه في نفسه وأولاده وماله .
وتذكيرا للعباد الصالحين ؛ ألا ييئسوا من فضل الله ، وأن يتوقعوا من الامتحان بالبلاء ، والكشف بالرحمة والنعماء ؛ وقد ذكرت قصة أيوب في مواضع أخرى في القرآن الكريم ومن ذلك قوله تعالى : وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ . ( ص : 41 – 44 ) .
لقد جعل الله من أيوب نموذجا للصبر ؛ فقد امتحن في نفسه ، وفي أولاده وزوجته وأمواله ؛ ثم عوضه الله بالشفاء والعافية ، حيث اغتسل بالماء فبرئ ظاهره ، وشرب من الماء فبرئ باطنه ، ورزقه الله من الأولاد بعدد من مات منهم ، ثم ضاعف له عددا من الأولاد والأحفاد ؛ فقد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ، ويختبر بعض الناس بالنعماء قال تعالى : ليبلوني أأشكر أم أكفر . . . ( النمل : 40 ) .
وأمره الله أن يأخذ حزمة من الحشيش الأخضر ، الذي يختلط فيها الرطب باليابس ، وبها أكثر من 100 عود ، فيضرب بها زوجته مرة واحدة ، حتى لا يحنث في يمينه ؛ وكان قد أقسم إذا شفاه الله ليضربن زوجته 100 ضربة ، ثم وضع الحق سبحانه وساما يؤيد الصبر ، وصدق العبودية ، والرجوع إلى الله وعبادته ، والتبتل إليه واستمرار ذكره ؛ فقال تعالى : إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب .
وفي الحديث الشريف : ( أشدكم بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل )27 .
فتوسل إلى الله بالإخبار عن حال نفسه ، وأنه بلغ الضر منه كل مبلغ ، وبرحمة ربه الواسعة العامة فاستجاب الله له ، وقال له : { ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } فركض برجله فخرجت من ركضته عين ماء باردة فاغتسل منها وشرب ، فأذهب الله عنه ما به من الأذى ، { وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ } أي : رددنا عليه أهله وماله .
{ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ } بأن منحه الله العافية من الأهل والمال شيئا كثيرا ، { رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا } به ، حيث صبر ورضي ، فأثابه الله ثوابا عاجلا قبل ثواب الآخرة .
{ وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ } أي : جعلناه عبرة للعابدين ، الذين ينتفعون بالعبر ، فإذا رأوا ما أصابه من البلاء ، ثم ما أثابه الله بعد زواله ، ونظروا السبب ، وجدوه الصبر ، ولهذا أثنى الله عليه به في قوله : { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } فجعلوه أسوة وقدوة عندما يصيبهم الضر .
{ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ( 84 ) }
فاستجبنا له دعاءه ، ورفعنا عنه البلاء ، ورددنا عليه ما فقده من أهل وولد ومال مضاعفًا ، فَعَلْنا به ذلك رحمة منَّا ، وليكون قدوة لكل صابر على البلاء ، راجٍ رحمة ربه ، عابد له .
قوله : ( فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر ) استجاب الله دعاء أيوب ؛ إذ تضرع إليه متذللا متوسلا ؛ فكشف عنه ما أصابه من بلاء وهو قوله : ( وآتيناه أهله ومثلهم معهم ) يفيد ظاهر الآية أن لله رد على أيوب ما كان له من أهل ؛ إذ أحياهم له بأعيانهم وآتاه كذلك مثل أهله مع أهله من الأولاد والأتباع ( رحمة من عندنا وذكرى للعابدين ) ( رحمة ) منصوب على أنه مفعول لأجله ؛ أي كشفنا عنه ضُره وآتيناه ؛ ما آتيناه لرحمتنا ، إياه وليكون ذلك موعظة لغيره من العابدين فيصبروا مثل صبره ويؤجروا مثل أجره .