في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَلَعَلَّكَ تَارِكُۢ بَعۡضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَضَآئِقُۢ بِهِۦ صَدۡرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٞۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٌ} (12)

1

أولئك الجاهلون بحكمة الخلق وبسنن الكون - وهم أفراد من هذا الإنسان القاصر الغافل اليؤوس الكفور الفرح الفخور - الذين لا يدركون حكمة إرسال الرسل من البشر فيطلبون أن يكون الرسول ملكا أو أن يصاحبه ملك ؛ ولا يقدرون قيمة الرسالة فيطلبون أن يكون للرسول كنز ! . . أولئك المكذبون المعاندون الذين يلجون في التكذيب والعناد . . ما تراك صانعا معهم أيها الرسول ؟

( فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا : لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك . إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل ) . .

ولعل هنا تحمل معنى الاستفهام . وهو ليس استفهاما خالصا ، إنما يتلبس به أن المتوقع من النفس البشرية أن تضيق صدرا بهذا الجهل ، وبهذا التعنت ، وبهذه الاقتراحات السخيفة التي تكشف عن بعد كامل عن إدراك طبيعة الرسالة ووظيفتها . فهل سيضيق صدرك - يا محمد - وهل سيحملك هذا الضيق على أن تترك بعض ما أنزل إليك فلا تبلغه لهم ، كي لا يقابلوه بما اعتادوا أن يقابلوا به نظائره فيما أخبرتهم من قبل ؟

كلا . لن تترك بعض ما يوحى إليك ولن يضيق به صدرك من قولهم هذا :

( إنما أنت نذير ) . .

فواجبك كله أن تنذرهم - وأبرز صفة النذير هنا لأن المقام يستوجبها مع أمثال هؤلاء - فأد واجبك : ( والله على كل شيء وكيل ) . .

فهو الموكل بهم ، يصرفهم كيف يشاء وفق سنته ، ويحاسبهم بعد ذلك على ما يكسبون . ولست أنت موكلا بكفرهم أو إيمانهم . إنما أنت نذير .

وهذه الآية تشي بجو تلك الفترة الحرجة في تاريخ الدعوة ؛ وما كان يعتور صدر رسول الله [ ص ] من الضيق . كما تشي بثقل المواجهة للجاهلية المتمردة المعاندة ، في الوقت الذي هلك فيه العشير والنصير ؛ وغمرت الوحشة قلب رسول الله [ ص ] وغشى الكرب على قلوب المؤمنين القلائل في هذه الجاهلية المحيطة .

ومن بين كلمات الآية نحس جوا مكروبا تتنزل فيه هذه الكلمات الربانية بالبشاشة ، وتسكب فيه الطمأنينة ، وتريح الأعصاب والقلوب !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَلَعَلَّكَ تَارِكُۢ بَعۡضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَضَآئِقُۢ بِهِۦ صَدۡرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٞۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٌ} (12)

ولما استثنى سبحانه من الجارين مع الطبع الطائشين {[38904]}في الهوى{[38905]} من تحلى برزانة{[38906]} الصبر الناشىء عن وقار العلم المثمر لصالح العمل ، وكان صلى الله عليه وسلم رأس الصابرين ، وكان ما مضى من أقوالهم وأفعالهم مثل قولهم { ما يحبسه } وتثنيهم صدورهم أسباباً لضيق صدره صلى الله عليه وسلم ، فربما كانت مظنة لرجائهم تركه صلى الله عليه وسلم بعض ما يوحى إليه من عيب آلهتهم وتضليل آبائهم وتسفيه أحلامهم ، وغير ذلك مما يشق عليهم طمعاً في إقبالهم أو خوفاً من إدبارهم فإنهم كانوا يقولون : ما نراه يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكرنا به من الشر ، قال تعالى مسبباً عن ذلك ناهياً في{[38907]} صيغة الخبر : { فلعلك تارك{[38908]} } أي إشفاقاً أو طمعاً { بعض ما } ولما كان الموحى قد صار معلوماً لهم وإن نازعوا فيه بنى للمفعول قوله : { يوحى إليك } كالإنذار وتسفيه أحلام آبائهم { وضآئق به } أي بذلك البعض { صدرك } مخافة ردهم له{[38909]} إذا بلغته لهم ؛ ثم {[38910]}علل ذلك{[38911]} بقوله : { أن } أي مخافة أو لأجل أن { يقولوا } تعنتاً ومغالبة إذ لو كانوا مسترشدين لكفتهم آية واحدة { لولا } أي هلا ولم لا { أنزل عليه كنز } يستغني به ويتفرغ لما يريد ، وبنوه للمفعول لأن المقصود مطلق حصوله{[38912]} وكانوا يتهاونون بالقرآن لعلمهم أنه الآية العظمى فكانوا لا يعدونه آية عناداً ومكابرة { أو جاء معه ملك } أي ليؤيد{[38913]} كلامه وليشهد{[38914]} له ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يضيق صدره بمثل أقوالهم هذه ويثقل عليه أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه فحركه الله بهذا لأداء الرسالة كائناً فيها ما كان ، فكان المعنى : فإذا تقرر أن الإنسان مطبوع على نحو هذا من {[38915]}التقلبات ، فلا تكن{[38916]} موضع رجائهم في أن تكون{[38917]} تاركاً ما يغيظهم مما نأمرك{[38918]} به ، بل كن{[38919]} من الصابرين ؛ قال أهل السير : فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه{[38920]} قومه ولم يردوا عليه حتى ذكر آلهتهم وعابها ، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا خلافه إلا من عصمه{[38921]} الله ؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ائتنا بكتاب ليس فيه سب آلهتنا .

ولما أفهم هذا{[38922]} السياق الإنكار لما يفتر عن الإنذار ، كان كأنه قيل له{[38923]} : هذا{[38924]} الرجاء المرجو منكر{[38925]} ، والمقصود الأعظم من الرسالة النذارة لأنها هي الشاقة على النفوس ، وأما البشارة{[38926]} فكل من قام يقدر على إبلاغها فلذا قال : { إنما أنت نذير } فبلغهم ما أرسلت به فيقولون لك ما يقدره الله لهم فلا يهمنك فليس عليك إلا البلاغ{[38927]} وما أنت عليهم بوكيل تتوصل{[38928]} إلى ردهم إلى الطاعة بالقهر{[38929]} والغلبة بل الوكيل الله الفاعل لما يشاء{[38930]} { والله } أي الذي له الإحاطة الكاملة .

ولما كان السياق لإحاطته سبحانه ، قدم قوله : { على كل شيء } منهم ومن غيرهم ومن قبولهم وردهم ومن حفظك منهم ومن غيره { وكيل* } فهو يدبر الأمور على ما يعلمه من الحكم ، فإن شاء جاء بما سألوا وإن لم يشأ لم يأت به ولا اعتراض عليه{[38931]} فتوكل عليه في كل أمر وإن صعب ، ولعله اقتصر على النذارة لأن المقام يقتضيها من أجل أنهم أهل لها{[38932]} وأنها هي التي يطمعون في تركها بإطماعهم في المؤالفة بالإعراض عما يوجب المخالفة ؛ والصدر : مسكن القلب ، يشبه به رئيس القوم والعالي المجلس لشرف منزلته على غيره من الناس ؛ والكنز : المدفون ، وقد صار في الدين صفة{[38933]} ذم لكل مال{[38934]} لم يخرج منه الواجب من الزكاة وإن لم يكن مدفوناً ، والآية من الاحتباك : نفي أولاً قدرته صلى الله عليه وسلم على الإتيان بما سألوا دليلاً على قدرة مرسله على ذلك وغيره ثانياً . وأثبت الوكالة ثانياً دليلاً على نفيها أولاً{[38935]} .


[38904]:في ظ: بالهوى.
[38905]:في ظ: بالهوى.
[38906]:من ظ، وفي الأصل: برازته.
[38907]:في ظ: عن.
[38908]:في ظ: باخع.
[38909]:في ظ: به.
[38910]:في ظ: عللوا.
[38911]:في ظ: عللوا.
[38912]:زيد من ظ.
[38913]:من ظ، وفي الأصل: ليوثر.
[38914]:في ظ: يشهد.
[38915]:في ظ: التقلبات فلا يكن.
[38916]:في ظ: التقلبات فلا يكن.
[38917]:من ظ، وفي الأصل: يكون.
[38918]:من ظ، وفي الأصل: يأمرك.
[38919]:زيد من ظ.
[38920]:زيد من ظ.
[38921]:في ظ: عصم.
[38922]:سقط من ظ.
[38923]:زيد من ظ.
[38924]:سقط من ظ.
[38925]:في ظ: منكم.
[38926]:من ظ، وفي الأصل: النذارة.
[38927]:زيد من ظ.
[38928]:من ظ، وفي الأصل: يتوسل.
[38929]:في ظ: والقهر.
[38930]:من ظ والقرآن الكريم، وليس في الأصل.
[38931]:زيد من ظ.
[38932]:في ظ: إنما.
[38933]:من ظ، وفي الأصل: صنعة.
[38934]:في ظ: ما.
[38935]:زيد من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَلَعَلَّكَ تَارِكُۢ بَعۡضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَضَآئِقُۢ بِهِۦ صَدۡرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٞۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٌ} (12)

قوله تعالى : { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل 12 أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين 13 فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون } روي عن ابن عباس أن رؤساء مكة المشركين قالوا : يا محمد اجعل لنا جبال مكة ذهبا إن كنت رسولا . وقال آخرون : ائتنا بالملائكة يشهدون بنبوتك ، قال لهم : لا أقدر على ذلك فنزلت الآية{[2060]} ، وفيها يثبت الله رسوله بالقول الثابت ويسري{[2061]} عنه ما يناله من الأسف والهم ، مما يراه من إعراض المشركين وتكذيبهم وهو قوله سبحانه : { فلعلك تارك بعض ما يوحى غليك } أي لعلك يا محمد لعظيم ما تجده من تكذيب المشركين وفرط كراهتهم وجحدوهم وتنعتهم تارك بعض ما انزله الله عليك من الآيات مما أمرك الله بتلاوته عليهم وتبليغهم إياه مما فيه تسفيه لآلهتهم ودعوتهم للإيمان بالله وحده ، وخلع ما يعبدونه من دونه من أوثان وأنداد . وقيل : إن هذا خارج مخرج الاستفهام ؛ أي هل أنت تارك ما فيه سب آلهتهم كما طلبوا منك ؟ .

وقيل : إن ذلك في معنى النفي والاستبعاد ؛ أي ليس ذلك كائنا منك بل إنك تبلغهم كل ما أنزل إليك من ربك سواء شاء المشركون أم أبوا ، رضوا أم سخطوا . وذلك أن المشركين سألوه أن يأتيهم بكتاب ليس فيه سب آلهتهم فيتبعوه ، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يدع سب آلهتهم فنزلت الآية .

قوله : { وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك } { وضائق } معطوف على { تارك } و { صدرك } فاعل لاسم الفاعل { وضائق } ولم يقل ضيق صدرك ؛ لأن ( ضيق ) صفة مشبهة فيها معنى اللزوم .

والمعنى : لعلك ضائق صدرك بما أوحاه الله إليك من الكتاب فلا تبلغه إياهم { أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز } أي لئلا يقولوا هلا أنزل عليه كنز . والكنز هو المال المدفون{[2062]} { أو جاء معه ملك } مصدق له فيما جاء به .

قوله : { إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل } أي بلغهم ما أوحي إليك ؛ فما عليك إلا أن تنذرهم فتخوفهم عقاب الله وتحذرهم من بطشه الشديد ، وليس أن تأتيهم بما يسألونه من مقترحات { والله على كل شيء وكيل } الله بيده تدبير كل شيء وهو حفيظ لما يقولونه ويفعلونه .


[2060]:تفسير الرازي جـ 17 ص 200.
[2061]:يسري: سرا الشيء عنه روا وسرواة: نزعه وألقاه. سرا عنه ثوبه ودرعه. وسرا اللم عن فؤاده؛ أي كشفه. سري الشيء عنه؛ إذا أذهبه، وسري عن فلان؛ إذا زال ما به من هم، وانسرى الهم عنه: انكشف. انظر المعجم الوسيط جـ 1 ص 428.
[2062]:القاموس المحيط جـ 2 ص 196 والمعجم الوسيط جـ 2 ص 800.