في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَجَآءَهُۥ قَوۡمُهُۥ يُهۡرَعُونَ إِلَيۡهِ وَمِن قَبۡلُ كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطۡهَرُ لَكُمۡۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ فِي ضَيۡفِيٓۖ أَلَيۡسَ مِنكُمۡ رَجُلٞ رَّشِيدٞ} (78)

69

( وجاءه قومه يهرعون إليه ) .

أي يسرعون في حالة تشبه الحمى .

( ومن قبل كانوا يعملون السيئات ) . .

وكان هذا ما ساء الرجل بضيوفه ، وما ضيق بهم ذرعه ، وما دعاه إلى توقع يوم عصيب !

ورأى لوط ما يشبه الحمى في أجساد قومه المندفعين إلى داره ، يهددونه في ضيفه وكرامته . فحاول أن يوقظ فيهم الفطرة السليمة ، ويوجههم إلى الجنس الآخر الذي خلقه الله للرجال ، وعنده منه في داره بناته ، فهن حاضرات ، حاضرات اللحظة إذا شاء الرجال المحمومون تم الزواج على الفور ، وسكنت الفورة المحمومة والشهوة المجنونة !

( قال : يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم . فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي . أليس منكم رجل رشيد ؟ ) .

( هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ) . .

أطهر بكل معاني الطهر . النفسي والحسي . فهن يلبين الفطرة النظيفة ، ويثرن مشاعر كذلك نظيفة . نظافة فطرية ونظافة أخلاقية ودينية . ثم هن أطهر حسيا . حيث أعدت القدرة الخالقة للحياة الناشئة مكمنا كذلك طاهرا نظيفا .

( فاتقوا الله ) . .

قالها يلمس نفوسهم من هذا الجانب بعد أن لمسها من ناحية الفطرة .

( ولا تخزون في ضيفي ) . .

قالها كذلك يلمس نخوتهم وتقاليد البدو في إكرام الضيف إطلاقا .

( أليس منكم رجل رشيد ؟ ) . .

فالقضية قضية رشد وسفه إلى جوار أنها قضية فطرة ودين ومروءة . . ولكن هذا كله لم يلمس الفطرة المنحرفة المريضة ، ولا القلوب الميتة الآسنة ، ولا العقول المريضة المأفونة . وظلت الفورة المريضة الشاذة في اندفاعها المحموم :

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَجَآءَهُۥ قَوۡمُهُۥ يُهۡرَعُونَ إِلَيۡهِ وَمِن قَبۡلُ كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطۡهَرُ لَكُمۡۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ فِي ضَيۡفِيٓۖ أَلَيۡسَ مِنكُمۡ رَجُلٞ رَّشِيدٞ} (78)

{ وجاءه قومه } أي الذين فيهم قوة المحاولة { يهرعون } أي كأنهم يحملهم على ذلك حامل لا يستطيعون دفعه { إليه } أي في غاية الإسراع فعل الطامع الخائف فوت ما يطلبه ، فهو يضطرب{[39801]} لذلك ، أو لأجل الرعب من لوط عليه السلام أو من الملائكة عليهم السلام .

ولما كان وجدانهم - فكيف عصيانهم - لم يستغرق زمن القبل ، أدخل{[39802]} الجار فقال : { ومن قبل } أي قبل هذا المجيء { كانوا } أي جبلة وطبعاً { يعملون } أي مع الاستمرار { السيئات } أي الفواحش التي تسوء غاية المساءة فضربوا{[39803]} بها ومرنوا عليها حتى زال عندهم استقباحها ، فهو يعرف ما يريدون ، وكأنهم كانوا لا يدعون مليحاً{[39804]} ولا غيره من الغرباء ، فلذلك لم يذكر أن الرسل عليهم السلام كانوا على هيئة{[39805]} المرد الحسان ، ولا قيد الذكران في قصتهم في موضع من المواضع بالمرودية{[39806]} . فكأنه قيل : فما قال لهم ؟ فقيل{[39807]} : { قال يا قوم } مستعطفاً لهم { هؤلاء بناتي } حادياً لهم إلى الحياء والكرم .

ولما كان كأنه قيل : ما نفعل بهن ؟ قال : { هن } ولما كان في مقام المدافعة{[39808]} باللين ، قال إرخاء للعنان في تسليم طهارة ما يفعلونه على زعمهم مشيراً بلطافة إلى خبث ما يريدونه : { أطهر لكم } وليس المراد من هذا حقيقته ، بل تنبيه القوم على أنهم لا يصلون إليهم إلا إن وصلوا إلى بناته لأن الخزي فيهما{[39809]} على حد سواء أو{[39810]} في الضيف أعظم ، ومثل هذا أن يشفع الإنسان فيمن يضرب ، فإذا عظم الأمر ألقى{[39811]} نفسه عليه فصورته أنه فعله ليقيه الضرب بنفسه ، ومعناه احترامه باحترامه ، وعلى هذا يدل قوله في الآية الأخرى { إن كنتم فاعلين } وهنا قوله : { فاتقوا الله } أي الملك الأعظم في هذا الأمر الذي تريدونه { ولا تخزون } أي توقعوا بي الفضيحة التي فيها الذل والهوان{[39812]} والعار { في ضيفي } إذ لا يشك ذو مسكة من أمره في أن التقوى إذا حصلت منعت من الأمرين ، وأن الخزي على تقدير عدمها في البنات أعظم لأنه عار لازم للزوم البنات للأب ، وكل هذا دليل على أنه لا يشك أنهم آدميون ولم يلم بخاطره أنهم ملائكة ، فهو تنبيه للكفار على أنه لا ينتفع بإنزال الملائكة إلا البار الراشد التابع للحق ؛ ثم أنكر أشد الإنكار حالهم في أنهم لا يكون منهم رشيد حثاً على الإقلاع عن الغي ولزوم سبيل الرشد{[39813]} فقال : { أليس منكم رجل } أي كامل الرجولية { رشيد* } كامل الرشد{[39814]} ليكفكم عن هذا القبيح{[39815]} ،


[39801]:في ظ: يضرب.
[39802]:في ظ: إدخال.
[39803]:في ظ: فضروبها، وفي مد: فضروابها.
[39804]:في ظ: ملتجا، وفي من: ملتجيا.
[39805]:في ظ: هيئات.
[39806]:سقط من ظ ومد.
[39807]:في ظ: فقال.
[39808]:من ظ ومد، وفي الأصل: المرافعة.
[39809]:في ظ: فيها.
[39810]:في ظ "و".
[39811]:من ظ ومد، وفي الأصل: الذي.
[39812]:في ظ: الأهوان.
[39813]:في ظ: الرشاد.
[39814]:تقدم ما بين الرقمين في الأصل على "فقال" والترتيب من ظ ومد.
[39815]:تقدم ما بين الرقمين في الأصل على "فقال" والترتيب من ظ ومد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَجَآءَهُۥ قَوۡمُهُۥ يُهۡرَعُونَ إِلَيۡهِ وَمِن قَبۡلُ كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطۡهَرُ لَكُمۡۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ فِي ضَيۡفِيٓۖ أَلَيۡسَ مِنكُمۡ رَجُلٞ رَّشِيدٞ} (78)

قوله : { وجاءه قومه يهرعون إليه } { يهرعون إليه } ، في موضع نصب على الحال و { يهرعون } أي يسرعون ، من الإهراع وهو الإسراع . والمراد : أن هؤلاء المقبوحين المناكيد من قوم لوط جاءوا يستحثون إلى لوط كأنهم يحث بعضهم بعضا{[2143]} ، وكان سبب إسراعهم ما روي أن امرأة لوط الكافرة ، لما رأت الأضياف وجمالهم وهيئتهم خرجت حتى أتت مجالس قومها فقالت لهم : إن لوطا قد أضاف الليلة فتنة ما رؤي مثلهم جمالا ؛ فحينئذ جاءوا يهرعون إليه . ويذكر أن الرسل لما وصلوا إلى بلد لوط وجدوا لوطا في حرث له . وقيل : وجدوا ابنته تسقي ماء من نهر سدوم ، فسألوها الدلالة على من يضيفهم ، ورأت هيئتهم فخافت عليهم من قوم لوط . وقالت لهم : مكانكم ! وذهبت إلى أبيها فأخبرته فخرج إليهم ، فقالوا : نريد أن تضيفنا الليلة . فقال لهم : أو ما سمعتم بعمل هؤلاء القوم ؟ فقالوا : وما عملهم ؟ فقال : أشهد بالله غنهم لشر قوم في الأرض{[2144]} .

قوله : { ومن قبل كانوا يعلمون السيئات } يعني قبل أن يأتوا مسرعين إلى لوط كانوا يفعلون فاحشة اللواط . أو أنهم من قبل مجيئهم إليه كان دأبهم اللواط حتى مرنوا على هذه الفاحشة فلم يستقبحوها . من أجل ذلك جاءوا إليه يهرعون مجاهرين وقحين لا يصدهم عن هذه الرذيلة النكراء مروءة ولا حياء .

قوله : { قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم } { هؤلاء } ، في موضع رفع مبتدأ . و { بناتي } ، عطف بيان . { هن } ، ضمير فصل . و { أطهر } ، مرفوع ؛ لأنه خبر للمبتدأ{[2145]} والمقصود بقوله : { أطهر لكم } أنهن أحل . وهو يعني بذلك نساء أمته ، أو جملة النساء ؛ فكل نبي أب لأمته ؛ فهو بذلك قد دعاهم إلى النكاح وليس السفاح ؛ أي أن النكاح أطهر لكم مما تبتغونه من الفاحشة المرذولة بإتيانكم الرجال في أدبارهم . وقيل : أراد لوط في هذا اليوم العصيب أن يفدي أضيافه ببناته فيزوجهم إياهن وكان تزويج المسلمات من الكفار في ذلك الوقت جائزا كما حصل في ابتداء أمة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فقد زوج الرسول صلى الله عليه وسلم ابنته من عتبة بن أبي لهب ، وأبي العاص بن الربيع وهما كافران . وكان ذلك قبل الوحي . وقيل : كان للقوم الذين جاءوا سيدان مطاعان فأراد لوط أن يزوجهما ابنته طمعا في انصرافهم ودفع أذاهم عن الضيفان .

قوله : { فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي } أي خافوا الله واحذروا عقابه مما تبتغون من مرذول الفاحشة ، ولا تهينوني وتفضحوني من الخزي في ضيفي . والضيف : واحد وجمع . وقد يجمع على الأضياف والضيوف والضيفان . والمرأة ضيف ، وضيفه{[2146]} .

قوله : { أليس منكم رجل رشيد } { رشيد } بمعنى مرشد . والمعنى : اليس فيكم رجل مرشد يقول الحق وينهي عن الفساد ، ويرد هؤلاء المتوقحين الأوباش فيدفعهم عن أضيافي ؟ !


[2143]:مختار الصحاح ص 694.
[2144]:تفسير القرطبي جـ 9 ص 75.
[2145]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 24، 25.
[2146]:مختار الصحاح ص 386 والبيان لابن الأنباري جـ 2 ص 25.