النكت و العيون للماوردي - الماوردي  
{وَجَآءَهُۥ قَوۡمُهُۥ يُهۡرَعُونَ إِلَيۡهِ وَمِن قَبۡلُ كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطۡهَرُ لَكُمۡۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ فِي ضَيۡفِيٓۖ أَلَيۡسَ مِنكُمۡ رَجُلٞ رَّشِيدٞ} (78)

قوله عز وجل : { وجاءه قومُه يهرعون إليه } أي يسرعون ، والإهراع بين الهرولة والجمزى . قال الكسائي والفراء : لا يكون الإهراع إلا إسراعاً مع رعدة{[1379]} .

وكان سبب إسراعهم إليه أن امرأة لوط أعلمتهم بأضيافه وجَمالهم فأسرعوا إليه طلباً للفاحشة منهم .

{ ومن قبل كانوا يعملون السيئات } فيه وجهان :

أحدهما : من قبل إسراعهم إليه كان ينكحون الذكور ، قاله السدي .

الثاني : أنه كانت اللوطية في قوم لوط في النساء قبل الرجال بأربعين سنة ، قاله عمر بن أبي زائدة .

{ قال يا قوم هؤلاء بناتي هُنَّ أطهر لكم } قال لهم لوط ذلك ليفتدي أضيافه منهم .

{ هؤلاء بناتي } فيهن قولان :

أحدهما : أنه أراد نساء أمته ولم يرد بنات نفسه . قال مجاهد وكل نبي أبو أمّته وهم أولاده . وقال سعيد بن جبير : كان في بعض القرآن : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم .

الثاني : أنه أراد بنات نفسه وأولاد صلبه لأن أمره فيهن أنفذ من أمره في غيرهن ، وهو معنى قول حذيفة بن اليمان .

فإن قيل : كيف يزوجهم ببناته مع كفر قومه وإيمان بناته ؟

قيل : عن هذا ثلاثة أجوبة :

أحدها : أنه كان في شريعة لوط يجوز تزويج الكافر بالمؤمنة ، وكان هذا في صدر الإسلام جائزاً حتى نسخ ، قاله الحسن .

الثاني : أنه يزوجهم على شرط الإيمان كما هو مشروط بعقد النكاح .

الثالث : أنه قال ذلك ترغيباً في الحلال وتنبيهاً على المباح ودفعاً للبادرة من غير بذل نكاحهن ولا بخطبتهن ، قاله ابن أبي نجيح{[1380]} .

{ هن أطهر لكم } أي أحل لكم بالنكاح الصحيح .

{ فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي } فيه ثلاثة أوجه :

أحدها : لا تذلوني بعار الفضيحة ، ويكون الخزي بمعنى الذل . الثاني : لا تهلكوني بعواقب فسادكم ، ويكون الخزي بمعنى الهلاك . الثالث : أن معنى الخزي هاهنا الاستحياء ، يقال خزي الرجل إذا استحي ، قال الشاعر :

من البيض لا تخزى إذا الريح ألصقت *** بها مِرطها أو زايل الحلي جيدها

والضيف : الزائر المسترقد ، ينطلق على الواحد والجماعة ، قال الشاعر :

لا تعدمي الدهر شفار الجازر *** للضيف والضيف أحق زائر

{ أليس منكم رجلٌ رشيد } فيه وجهان : أحدهما : أي مؤمن ، قاله ابن عباس . الثاني : آمر بالمعروف وناهٍ عن المنكر ، قاله أبو مالك . ويعني : رجل رشيد ليدفع عن أضيافه ، وقال ذلك تعجباً من اجتماعهم على المنكر .


[1379]:قال مهلهل بن ربيعه: فجاءوا يهرعون وهم أسارى نقودهم على رغم الأنوف
[1380]:والأرجح من هذه الأقوال كلها أن لوطا عرض بناته عرضا غير جاد اعتمادا على أنهم يستحيون منه ويكفوا كما نقول لرجل يضرب آخر وأنت تحجزه عنه: دعه واضربني أنا، وقد أورد ذلك الفخر الرازي وأبو السعود والاصفهاني وغيرهم من المفسرين.