في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (183)

178

ولقد كان من الطبيعي أن يفرض الصوم على الأمة التي يفرض عليه الجهاد في سبيل الله ، لتقرير منهجه في الأرض ، وللقوامة به على البشرية ، وللشهادة على الناس . فالصوم هو مجال تقرير الإرادة العازمة الجازمة ، ومجال اتصال الإنسان بربه اتصال طاعة وانقياد ؛ كما أنه مجال الاستعلاء على ضرورات الجسد كلها ، واحتمال ضغطها وثقلها ، إيثارا لما عند الله من الرضى والمتاع .

وهذه كلها عناصر لازمة في إعداد النفوس لاحتمال مشقات الطريق المفروش بالعقبات والأشواك ؛ والذي تتناثر على جوانبه الرغاب والشهوات ؛ والذي تهتف بالسالكيه آلاف المغريات !

وذلك كله إلى جانب ما يتكشف على مدار الزمان من آثار نافعة للصوم في وظائف الأبدان . ومع أنني لا أميل إلى تعليق الفرائض والتوجيهات الإلهية في العبادات - بصفة خاصة - بما يظهر للعين من فوائد حسية ، إذ الحكمة الأصيلة فيها هي إعداد هذا الكائن البشري لدوره على الأرض ، وتهيئته للكمال المقدر له في حياة الآخرة . . مع هذا فإنني لا أحب أن أنفي ما تكشف عنه الملاحظة أو يكشف عنه العلم من فوائد لهذه الفرائض والتوجيهات ؛ وذلك ارتكانا إلى الملحوظ والمفهوم من مراعاة التدبير الإلهي لكيان هذا الإنسان جملة في كل ما يفرض عليه وما يوجه إليه . ولكن في غير تعليق لحكمة التكليف الإلهي بهذا الذي يكشف عنه العلم البشري . فمجال هذا العلم محدود لا يتسع ولا يرتقي إلى استيعاب حكمة الله في كل ما يروض به هذا الكائن البشري . أو كل ما يروض به هذا الكون بطبيعة الحال :

( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ، لعلكم تتقون ، أياما معدودات ، فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ؛ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ؛ فمن تطوع خيرا فهو خير له ؛ وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون . شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان . فمن شهد منكم الشهر فليصمه ، ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر . يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ، ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ) . .

إن الله - سبحانه - يعلم أن التكليف أمر تحتاج النفس البشرية فيه إلى عون ودفع واستجاشة لتنهض به وتستجيب له ؛ مهما يكن فيه من حكمة ونفع ، حتى تقتنع به وتراض عليه .

ومن ثم يبدأ التكليف بذلك النداء الحبيب إلى المؤمنين ، المذكر لهم بحقيقتهم الأصيلة ؛ ثم يقرر لهم - بعد ندائهم ذلك النداء - أن الصوم فريضة قديمة على المؤمنين بالله في كل دين ، وأن الغاية الأولى هي إعداد قلوبهم للتقوى والشفافية والحساسية والخشية من الله :

( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون )

وهكذا تبرز الغاية الكبيرة من الصوم . . إنها التقوى . . فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب وهي تؤدي هذه الفريضة ، طاعة لله ، وإيثارا لرضاه . والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية ، ولو تلك التي تهجس في البال ، والمخاطبون بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله ، ووزنها في ميزانه . فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم . وهذا الصوم أداة من أدواتها ، وطريق موصل إليها . ومن ثم يرفعها السياق أمام عيونهم هدفا وضيئا يتجهون إليه عن طريق الصيام . . ( لعلكم تتقون ) . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (183)

ولما أباح{[7341]} سبحانه الأكل مما خلقه دليلاً على الوحدانية والرحمة العامة والخاصة ، وكان من طبع الإنسان الاستيثار ، وكان الاستيثار جارّاً إلى الفتن ، وأتبعه حكم المضطر ، وأشار إلى زجره عن العدوان بتقييده عنه في حال التلف ، فكان في ذلك زجر لغيره بطريق الأولى ، وأولاه الندب إلى التخلي عما دخل في اليد من متاع الدنيا للأصناف الستة ومن لافهم ، ثم الإيجاب بالزكاة تزهيداً في زهرة الحياة الدنيا ليجتث{[7342]} العدوان من أصله ، وقفى{[7343]} ذلك بحكم من قد يعدو ، ثم بما تبعه من التخلي عن المال في حضرة الموت فتدربت{[7344]} النفس في الزهد بما هو معقول المعنى بادىء بدء من التخلي{[7345]} عنه لمن ينتفع به ، أتبعه الأمر بالتخلي{[7346]} عنه لا لمحتاج إليه ، بل لله الذي أوجده لمجرد تزكية النفس وتطهيرها لتهيئها{[7347]} لما يقتضيه{[7348]} عليها صفة الصمدية من الحكمة ، هذا {[7349]}مع ما{[7350]} للقصاص والوصية{[7351]} من المناسبة للصوم ؛ من حيث إن في القصاص قتل النفس حساً ، وفي الصوم قتل الشهوة ، السبب للوطء السبب لإيجاد النفس حساً{[7352]} وفيه حياة الأجساد معنى وفي الصوم حياة الأرواح بطهارة القلوب وفراغها للتفكر{[7353]} وتهيئها لإفاضة الحكمة والخشية الداعية إلى{[7354]} التقوى وإماتة الشهوة ، وشهره{[7355]} شهر الصبر المستعان به على الشكر ، وفيه تذكير بالضّرّ{[7356]} الحاثّ على الإحسان إلى المضرور ، وهو مدعاة إلى التخلي من الدنيا والتحلي{[7357]} بأوصاف الملائكة ، ولذلك نزل فيه القرآن المتلقى{[7358]} من الملك{[7359]} ، فهو أنسب شيء لآية الوصية المأمور بها المتقون بالتخلي من الدنيا عند مقاربة الاجتماع بالملائكة ، وختمها بالمغفرة والرحمة إشارة إلى أن الصائم من أقرب الناس إليهما فقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا{[7360]} } فخاطب بما يتوجه{[7361]} بادئ بدء{[7362]} إلى أدنى الطبقات التي التزمت أمر الدين{[7363]} لأنه{[7364]} لم يكن لهم باعث{[7365]} حب وشوق{[7366]} يبعثهم{[7367]} على فعله من غير فرض بخلاف ما فوقهم من رتبة المؤمنين والمحسنين فإنهم كانوا يفعلون معالم الإسلام من غير إلزام ، فكانوا يصومون على قدر ما يجدون من الروح فيه - قاله{[7368]} الحرالي ، وقال : فلذلك{[7369]} لم ينادوا في{[7370]} القرآن نداء بعدٍ ولا ذكروا إلا ممدوحين ، والذين ينادون في القرآن هم الناس الذين انتبهوا لما أشار به بعضهم على بعض والذين آمنوا بما هم في محل الائتمار متقاصرين عن البدار{[7371]} ، فلذلك كل نداء في القرآن متوجه إلى هذين الصنفين إلا{[7372]} ما توجه للإنسان بوصف{[7373]} ذم في قليل من الآي - انتهى{[7374]} .

كتب } أي فرض بما استفاض في لسان الشرع وتأيد بأداة الاستعلاء { عليكم الصيام } و{[7375]}هو الإمساك عن المفطر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بالنية{[7376]} وقال الحرالي{[7377]} : فرض لما فيه من التهيؤ لعلم الحكمة وعلم ما لم تكونوا تعلمون وهو الثبات على تماسك عما من شأن الشيء أن يتصرف{[7378]} فيه ويكون شأنه كالشمس في وسط السماء ، يقال : صامت{[7379]} - إذا لم{[7380]} يظهر لها{[7381]} حركة لصعود ولا لنزول التي هي{[7382]} من شأنها ، وصامت الخيل - إذا لم تكن{[7383]} مركوضة ولا{[7384]} مركوبة ، فتماسك{[7385]} المرء عما{[7386]} شأنه فعله من حفظ بدنه بالتغذي وحفظ نسله بالنكاح وخوضه في زور القول وسوء الفعل هو صومه ، وفي الصوم{[7387]} خلاء من الطعام وانصراف عن حال الأنعام وانقطاع شهوات الفرج ، وتمامه الإعراض عن أشغال{[7388]} الدنيا والتوجه إلى الله والعكوف في بيته ليحصل بذلك نبوع الحكمة من القلب ، وجعل كتباً حتى لا يتقاصر عنه من كتب عليه إلا انشرم{[7389]} دينه كما ينشرم{[7390]} خرم{[7391]} القربة{[7392]} المكتوب {[7393]}فيها - انتهى{[7394]} .

كما كتب } أي فرض ، فالتشبيه في مطلق الفرض{[7395]} { على الذين } وكأنه أريد أهل الكتابين فقط{[7396]} وأثبت{[7397]} الحال{[7398]} فقال : { من قبلكم } فيه إشعار بأنه مما نقضوا فيه العهد فكتموه حرصاً على ضلال العرب ، ولما كان في التأسي{[7399]} إعلاء للهمة القاصرة وإسعار{[7400]} وإغلاء للقلوب الفاترة لأن الشيء الشاق إذا عم سهل{[7401]} تحمله قال : { لعلكم تتقون * } أي تجعلون بينكم وبين إسخاط الله وقاية بالمسارعة إليه والمواظبة عليه ، رجاء لرضى ربكم وخوفاً ممن{[7402]} سبق من قبلكم ، لتكون{[7403]} التقوى لكم صفة راسخة فتكونوا{[7404]} ممن جعلت الكتاب هدى لهم ، فإن الصوم يكسر الشهوة فيقمع الهوى فيروع{[7405]} عن موافقة{[7406]} السوء . قال الحرالي{[7407]} : وفي إشعاره تصنيف{[7408]} المأخوذين بذلك صنفين : من يثمر{[7409]} له صومه على وجه الشدة تقوى{[7410]} ، {[7411]}ومن لا يثمر له ذلك{[7412]} .


[7341]:زيد في ظ: الله
[7342]:من م، ووقع في الأصل: ليحث، وفي مد: ليحثت، وفي ظ: ليجبث – مصحفا.
[7343]:من م ومد وظ، وفي الأصل: وقع.
[7344]:من م ومد وظ، وفي الأصل: فقد رتب.
[7345]:من م ومد وظ، وفي الأصل: التجلي.
[7346]:من م ومد وظ، وفي الأصل: التجلي.
[7347]:في الأصل: ليتهتها، وفي ظ: لتهييها وفي مد: لتهتها – كذا.
[7348]:في الأصل: يقتضيه، وفي م نقيضه، وفي مد: نقيضه وفي ظ: تقيضه.
[7349]:من مد وفي بقية الأصول: ما مع.
[7350]:من مد وفي بقية الأصول: ما مع.
[7351]:من م وظ ومد وفي الأصل: الصوم.
[7352]:زيدت من مد وظ.
[7353]:من م ومد وظ، ووقع في الأصل: للتنكرة – مصحفا.
[7354]:من م وظ ومد، وزفي الأصل: في .
[7355]:من م وفي مد وظ: شهرة وفي الأصل: شهوة.
[7356]:من م ومد وظ، وفي الأصل: بالصبر.
[7357]:من مد، وفي ظ: التخلي، وفي الأصل: التخلي.
[7358]:من م وظ ومد، وفي الأصل: التلقي.
[7359]:في ظ: الملائكة.
[7360]:مناسبة لهذه الآية لما قبلها أنه أخبر تعالى أولا بكتب القصاص وهو إتلاف النفوس وهو من أشق التكاليف فيجب على القاتل إسلام نفسه للقتل، ثم أخبر ثانيا بكتب الوصية وهو إخراج المال الذي هو عديل الروح، ثم انتقل ثالثا إلى كتب الصيام هو منهك للبدن مضعف له مانع وقاطع ما ألفه الإنسان من الغذاء بالنهار، فابتدأ بالأشق ثم بالأشق بعده ثم بالشاق، فهذا انتقال فيما كتبه الله على عباده في هذه الآية، وكان فيما قبل ذلك قد ذكر أركان الإسلام ثلاثة: الإيمان والصلاة والزكاة ، فأتى بهذا الركن الرابع وهو الصوم - البحر المحيط 2 / 28
[7361]:من م ومد وظ، وفي الأصل: بادني بد.
[7362]:من م ومد وظ، وفي الأصل: بادني بد.
[7363]:زيد من م وظ ومد.
[7364]:في ظ: لأنهم.
[7365]:من م وظ ومد وفي الأصل: باحث.
[7366]:من م ومد وظ، وفي الأصل: شرق – كذا.
[7367]:في م ومد: ببعثهم.
[7368]:من مد وظ، وفي الأصل: قال.
[7369]:من م، وفي بقية الأصول: كذلك.
[7370]:من م وظ ومد، وفي الأصل: إلى.
[7371]:من م ومد وظ، وفي الأصل: البزار.
[7372]:من مد وظ، وفي الأصل وم: إلى.
[7373]:في مد: يوجه.
[7374]:ليس في ظ.
[7375]:ليس في مد.
[7376]:ليس في م.
[7377]:وقال أبو حيان الأندلسي: الصيام والصوم مصدران لصام، والعرب تسمى كل ممسك صائما ومنه الصوم في الكلام "إني نذرت للرحمن صوما" أي سكوتا في الكلام، وصامت الريح أمسكت عن الهبوب، والدابة أمسكت عن الأكل والجرى، وقال النابغة الذبياني: خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما أي ممسكة عن الجري تسمى الدابة التي لا تدور الصائمة...وقالوا: صام النهار ثبت حرء في وقت الظهيرة واشتد...ومصام النجوم إمساكها عن السير ومنه كأن الثريا علقت في مصامها.
[7378]:من م ومد وظ، وفي الأصل: يتصدق.
[7379]:في م: صاحب.
[7380]:في م: تظهرها.
[7381]:في م: تظهرها.
[7382]:زيد من مد.
[7383]:في ظ: لم تلزم.
[7384]:زيد من م ومد.
[7385]:وقع في الأصل: فيماشك – مصحفا، والتصحيح من م ومد وظ.
[7386]:زيد في مد وظ: من.
[7387]:في الأصل: العدم، والتصحيح من م ومد وظ.
[7388]:من م، وفي مد وظ: اشتغال، وفي الأصل: انتقال – كذا.
[7389]:شرم الشيء يشرمه شرما شقه، وانشرم الجلد انشق – قطر المحيط 1 / 1034.
[7390]:في م: بتشرم.
[7391]:في م ومد وظ: خرز.
[7392]:من م ومد وظ، وفي الأصل: القرية.
[7393]:في م: المكتوم.
[7394]:ليس في ظ.
[7395]:في م وظ ومد: الفرضية.
[7396]:ليس في م ومد وظ.
[7397]:في م ومد وظ: فأثبت.
[7398]:في م ومد وظ: الجار وفي البحر المحيط 2 / 29: الظاهر أن هذا المجرور في موضع الصفة لمصدر محذوف أو في موضع الحال على مذهب سيبويه على ما سبق أي كتبا مثل ما كتب....ظاهره عموم الذين من قبلنا من الأنبياء وأممهم من آدم إلى زماننا، وقال علي: أولهم آدم، فلم يفترضها عليكم يعني أن الصوم عبادة قديمة أصلية ما أخلى الله امة من افتراضها عليهم فلم يفترضها عليكم خاصة، وقيل: الذين من قبلنا النصارى...وقيل كذا كان صوم اليهود فيكون المراد بالذين من قبلنا اليهود والنصارى.
[7399]:من مد وظ، وفي الأصل: الناس.
[7400]:من م ومد، وفي الأصل وظ: إشعار.
[7401]:في الأصل: سهلة والتصحيح من بقية الأصول.
[7402]:من مد وظ، وفي الأصل وم: من.
[7403]:في م ومد: لكم لتكون وفي ظ: لكم ليكون وفي الأصل: لم تكون.
[7404]:في م ومد، فيكونوا.
[7405]:من م وظ ومد، وفي الأصل: فيرفع.
[7406]:في م وظ: موافقه وفي مد: مواقعة.
[7407]:قال أبو حيان الأندلسي: قال الراغب: للصوم فائدتان: رياضة الإنسان نفسه عما تدعو إليه من الشهوات، والاقتداء بالملأ الأعلى على قدر الوسع – انتهى. وحكمة التشبيه أن الصوم عبادة شاقة فإذا ذكر أنه كان مفروضا على من تقدم من الأمم سهلت هذه العبادة "نتقون" الظاهر تعلق 'لعل' بكتب، أي سبب فرضية الصوم وهو رجاء حصول التقوى لكم، فقيل: المعنى تدخلون في زمرة المتقين لن الصوم شعارهم، وقيل تجعلون بينكم وبين النار وقاية بترك المعاصي فغن الصوم شعارهم، وقيل: تجعلون بينكم وبين النار وقاية بترك المعاصي فإن الصوم لإضعاف الشهوة وردعها كما قال عليه السلام: فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء.
[7408]:من م ومد وفي الأصل وظ: نصف.
[7409]:من م ومد وظ: وفي الأصل: مثمر.
[7410]:ليس في م.
[7411]:ليست في م.
[7412]:ليست في م.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (183)

قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ) .

الصوم في اللغة الإمساك عن الطعام والشراب والكلام{[212]} . وهو في الشرع الإمساك عن الطعام والشراب والجماع بنية الطاعة لله ، وذلك ابتداء من طلوع الفجر إلى غروب الشمس . وعرفه ابن قدامة بقوله : الصوم عبارة عن الإمساك عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص{[213]} .

على أن الصيام عظيم الفائدة للإنسان بما يحقق له المنفعة في جسده ونفسه ، أما في مجال الجسد فإنه مناسبة زمنية فريدة ترتاح فيها المعدة من دوام الانهماك الشاغل في عملية الطعام ومعالجته . وفي ذلك من الجهد ما يقود في كثير من الأحيان إلى عديد من الأمراض . والنبي ( ص ) يبين للإنسان المؤمن أن الصوم طريق الصحة والعافية للأبدان رغم ما تشعر به النفس من لسعة الجوع وحرارة العطش أو انكسار وعناء يؤثران في ظاهر الإنسان ، لا في جوهره وحقيقته . فقال عليه الصلاة والسلام في ذلك : " صوموا تصحوا " {[214]} وغير ذلك من فوائد للأبدان يحققها الصوم . وهي فوائد كثيرة تتحدث عنها أقلام المتخصصين من أهل الطب .

وأما في مجال النفس فلا جرم أن يكون الصوم نافعا . وتتجلى هذه المنفعة فيما نحسه من واقع الصوم ، سواء كان ذلك في اشتداد العزم وتقوية الإرادة ، أو في إطفاء لهيب الشهوة ؛ كيلا تحتدم وتجنح . ومعلوم أن الطعام يمد الشهوات بطاقة التحرك والاشتداد والفوران ، خصوصا شهوة الجنس فإنها يغذوها الإكثار من الطعام بطاقة مندفعة تظل في استعار فائر حتى تجد متنفسها بأي أسلوب ، لكن الصيام يخفف كثيرا من سورة هذه الشهوة الخطيرة حتى تأخذ في البرود والرقود والانكسار ، وحينئذ يحس الإنسان روعة التحرر من غلواء الشهوة . وفي ذلك قد نبه النبي ( ص ) إلى أهمية الصيام ، وأنه خير سبيل للشباب العزاب ؛ كيما تهجع شهواتهم أو ترقد ، فقال : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " .

وبالصوم تقوى الإرادة ويشتد العزم . وفي ذلك إكساب لنفس المؤمن إذ يزداد بالصوم قوة في الطبع والهمة فيكون في الحياة ثابتا صابرا متجلدا . ولا جرم أن الإرادة بالنسبة للإنسان من المذاخير الهامة التي تختزنها طبيعة الإنسان . فإنه بالإرادة يمضي في الحياة قدما دون أن تتعثر نفسه بمصاعب الطريق . وإذا منيت إرادة الإنسان بالضعف والخور بات الإنسان مخذولا ومسلوب العزم ليعيش مع المهزومين والخالفين . وليس شيء كالصوم في تقوية الإرادة وشحذ الهمة والعزم وتمكين النفس من دوام التشبث بالصبر وقوة الاحتمال .

ومن أجلى صور الفوائد للصوم أنه يهذب النفس الصائمة . ويأتي في طليعة التهذيب أن الصوم يُنمّي في النفس المؤمنة الصائمة حقيقة الوازع المرهف أو الإحساس الكبير المتواصل بصحوة الضمير ويقظة الحس الوجداني الذي يربط العبد المؤمن الصائم بربه .

وما يمضي الصائم في صومه حتى يحس بروعة الصلة الشعورية المتينة التي تربطه بربه والتي لا تقع عليها أبصار الناس أو مشاهداتهم . وإنما هي صلة ذاتية تتوطد في دخيلة الصائم وهو يحجب عن نفسه الطعام والشراب والملذات في غير ما استكراه أو اصطناع ، ولكن عن رغبة وافية فياضة وعن توجه مطمئن طائع إلى الله وحده .

ومن أجل ذلك فقد استخلص الله الصوم بالذات من بين العبادات ليكون له سبحانه ؛ لما فيه من سرية مستورة لا يطلع عليها أحد سوى الله . فقد ثبت في الحديث الشريف عن النبي ( ص ) أنه قال مخبرا عن رب العزة جل وعلا : " يقول الله تبارك وتعالى : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به " .

وما يجده الصائم لدى الإفطار من أمن النفس وسكينتها فإنه أمر محسوب . وذلك فيض من رحمة الله يسكبها في قلوب الصائمين وهم يحسون بكامل الراحة والرضى والحبور ساعة الإفطار ، أن وفقهم الله لتمام الصيام بعد أن أمسكوا بخطام الشهوة واستحوذوا على زمام النفس فكانوا من الناجحين في هذا الامتحان القاسي . وفي ذلك يقول النبي ( ص ) : " للصائم فرحتان : فرحة عند فطره ، وفرحة عند لقاء ربه " .

ويخاطب الله في الآية عباده المؤمنين أنه فرض عليهم الصيام كما فرضه على الأمم من قبلهم ، وقوله : ( كما كتب ) الكاف في محل نصب صفة لمصدر محذوف تقديره " كتابا " أي كتب كتابا كما . وقيل في محل نصب على الحال من الصيام{[215]} .

وقد جاء في كيفية صيام الذين من قبل هذه الأمة أقوال كثيرة . فقد قيل : كانوا يصومون أياما ثلاثة ويوم عاشوراء من كل شهر . وقيل : كانوا يصومون خمسين يوما في كل عام . وقيل غير ذلك مما لا نستطيع أن نركن إليه ، لكن المهم في الآية أن الله جلت قدرته فرض الصيام على هذه الأمة مثلما فرضه على الأمم السابقة .

وبذلك لم تكن هذه الأمة وحدها مكلفة بالصيام .

كذلك فإن المقصود بزمن الصوم الذي ذكرته الآية هو شهر رمضان بقوله بعد ذلك ( شهر رمضان ) مع أن فريقا من العلماء قالوا : إن المقصود هو صيام ثلاثة أيام من كل شهر . وفي تقديرنا أن هذا القول مرجوح فإن المقصود هو الشهر الكريم المعروف والذي بينته الآية{[216]} .

وقوله : ( لعلكم تتقون ) الترجي هنا في حق الصائمين . فهم يصومون راجين أن يكونوا بالصيام من المتقين .

أما قوله : ( تتقون ) فيحتمل وجهين : أحدهما : أنكم بالصيام تكبحون جماح الشهوة ، وتخففون من حدتها واشتدادها . وثانيهما : أنكم بالصيام تجتنبون المحرمات ، وتنتهون عن المعاصي ، وتكونون قد أديتم فريضة عظيمة كتبها الله عليكم ؛ فيرضى عنكم ويجعلكم من المؤمنين العالمين المتقين . وكلا المعنيين متقاربان حتى يجدر الأخذ بعموم الدلالة لهذه العبارة . فالمتقون هم الممتثلون لأوامر الله المبادرون بالطاعة له سبحانه ، سواء في ذلك تنفيذ ما كلف به وأمر أو تجنب ما نهى عنه وزجر .


[212]:- القاموس المحيط جـ 4 ص 143 ومختار الصحاح ص 374.
[213]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 213 المغني جـ 3 ص 85 وتفسير الطبري جـ2 ص 75.
[214]:- رواه أحمد والطبراني بسندهما أبي هريرة مرفوعا.
[215]:- البيان للأنباري جـ 1 ص 142
[216]:- تفسير الطبري جـ 2 ص 76.