في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (52)

40

ومن أظلم ممن يترك عبادة الله ووصية نبيه ليعبد عجلا جسدا ، وقد أنقذه الله ممن كانوا يقدسون العجول ! ومع هذا فقد عفا الله عنهم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (52)

ولما كان ذلك مقتضياً لأعظم السخط المقتضي من القادر للمعاجلة بالأخذ ذكرهم نعمة الإمهال بعده فقال مشيراً إلى عظم الذنب والنعمة بأداة التراخي : { ثم عفونا } . وقال{[2382]} الحرالي : ثم تجاوز الخطاب ما أصابهم من العقوبة على اتخاذهم إلى ذكر العفو{[2383]} تقريراً{[2384]} على تكرر تلافيهم{[2385]} حالاً بعد حال وقتاً بعد وقت ، كلما أحدثوا خطيئة تداركهم منه عفو ، وخصه باسم العفو لما ذكر ذنوبهم ، لأن المغفور له لا يذكر ذنبه ، فإن العفو رفع العقوبة دون رفع ذكرها ، والغفر إماتة ذكر الذنب مع رفع العقوبة - انتهى .

{ عنكم }{[2386]} ولم نعاجلكم بالأخذ ، وفي قوله تعالى { من بعد ذلك } أي الذنب العظيم إشعار بما أصابهم من العقوبة وخطاب لبقية المعفو عنهم ، لينتهي الأمر فيهم إلى غاية يترجّى معها لبقيتهم الشكر - قاله الحرالي . {[2387]}وكان الإشعار من جهة إدخال من ، على الظرفية{[2388]} ، فاقتضى مهلة بين العفو والذنب لم يشملها العفو بل كان فيها عقوبة ، كما اقتضى قوله : من بعده ، مهلة بين اتخاذهم العجل وأول ذهاب موسى عليه السلام للمناجاة ؛ ويجوز أن يكون أفرد حرف الخطاب إشارة إلى أنه لا يعلم جميع ما في دينهم من الشناعة إلا إمام أهل التوحيد النبي صلى الله عليه وسلم { لعلكم تشكرون * } {[2389]}أي ليكون{[2390]} حالكم حال من يتوقع منه الشكر .

قال الحرالي : وهو ظهور بركة الباطن على الظاهر ، يقال : دابة شكور ، إذا أنجح مأكلها بظهور سمنها ؛ وفيه إشعار بأن منهم من يشكر وفيهم{[2391]} من يتمادى بما في ترجي كلمة لعل ، من الإبهام المشعر بالقسمين والمهيىء لإمكان ظهور الفريقين حتى يظهر ذلك لميقاته ، لأن كل ما كان في حق الخلق تردداً فهو من الله سبحانه إبهام لمعلومه فيهم ؛ على ذلك تجري كلمة لعل{[2392]}وعسى{[2393]} ونحوها - انتهى .


[2382]:وقال أبو حيان: وقال قوم: لا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا في الذنب، فإن كان العفو هنا بمعنى الترك والتسهيل فيكون "عنكم" عام اللفظ خاص المعنى لأن العفو إنما كان عمى بقى منهم، وإن كان بمعنى المحو كان عاما لفظا ومعنى، فإنه تعالى تاب على من قتل وعلى من بقي، قال تعالى: "فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم" وروى أن الله أوحى إلى موسى بعد قتلهم أنفسهم أني قبلت توبتهم، فمن قتل فهو شهيد، ومن لم يقتل فقد تبت عليه وغفرت له.
[2383]:العبارة من هنا إلى "باسم العفو" ليست في ظ.
[2384]:في مد: تقريرا.
[2385]:في م ومد: تلاقيهم.
[2386]:زيد في مد: أي.
[2387]:العبارة من هنا إلى "النبي صلى الله عليه وسلم" ليست في ظ.
[2388]:في م ومد: الظرف.
[2389]:تثنون عليه تعالى بإسدائه نعمه إليكم وتظهرون النعمة بالثناء، وقالوا: الشكر باللسان وهو الحديث بنعمة المنعم والثناء عليه بذلك، وبالقلب وهو اعتقاد حق المنعم عليه، وبالعمل "اعملوا آل داود شكرا" ومعنى "لعلكم تشكرون" أي عفوا الله عنكم، لأن العفو يقتضي الشكر – قاله الجمهور. وذكر أبو حيان أقوالا – إلى أن قال: قال القشيري: سرعة العفو عن عظيم الجرم دالة على حقارة المعفو عنه، يشهد لذلك "من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين" وهؤلاء بنو إسرائيل عبدوا العجل فقال تعالى "ثم عفونا عنكم من بعد ذلك" وقال لهذه الأمة. "ومن يعمل مثقال ذرة شرا بره" انتهى كلامه. وناسب ترجي الشكر إثر ذلك العفو لأن العفو عن مثل هذه الزلة العظيمة التي هي اتخاذ العجل إلا ها هو من أعظم إسداء النعم، فلذلك قال "بعبكم تشكرون" البحر المحيط 1 / 202 وفي التفسير المظهري: قال البغوي: حكى عن موسى قال: إلاهي أنعمت علي النعم السوابغ وأمرتني بالشكر وإنما شكري إياك نعمة منك، قال الله تعالى: يا موسى تعلمت العلم الذي لا يفوقه علم، حسبي من عبدي أن يعلم أن ما به من نعمة فهو مني. وقال داود: سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن شكره شكرا كما جعل اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة – انتهى كلامه.
[2390]:في م: لتكون.
[2391]:في م: منهم.
[2392]:ليس في ظ.
[2393]:ليس في ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (52)

وقوله : ( ثم عفونا عنكم من بعد ذلك ) العفو معناه المحو والإسقاط ، نقول عفا الله عنك أي محا ذنوبك ، وعفوت عنك الحق أي أسقطته عنك ، نقول عافاه الله أي محا عنه الأسقام وتأتي عفا أيضا بمعنى كثر ، نقول عفا الشيء أي كثر وزاد ، وفي الآية الكريمة ( حتى عفوا ) أي كثروا وفي الحديث الشريف ، " أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى " أي اتركوها لكي تكثر وتطول .

والفرق بين المغفرة والعفو ، أن الأولى تكون من غير ذنوب قارفها العبد ، لكن العفو يمكن أن يكون بعد مقارفة العبد للذنوب ، وعلى هذا فقد عفا الله عن بني إسرائيل بعد أن ارتكبوا أسوأ جريرة وهي عبادتهم للعجل ، وكان ذلك بعد أن أرهقهم الله بتكليف يؤدونه ليكون لهم عند الله توبة عوضا عن إفراطهم في اتخاذهم العجل إلها ، فكان التكليف أن يقتلوا جميعا فيضرب رقاب بعض على نحو ما سنبينه في موضعه من هذه السورة إن شاء الله .

قوله : ( لعلكم تشكرون ) كاف للمخاطب في ( لعلكم ) في محل نصب اسم لعل والميم للجمع ، والجملة الفعلية في قوله : ( تشكرون ) في محل رفع خبر لعل ، والشكر هو الاعتراف بالنعمة عن طريق القول والفعل ، أما القول فهو دوام النطق والإقرار بنعمة الله بوساطة اللسان ، والفعل يتحقق بأداء الطاعات وتجنب المعاصي ، ونقيض الشكر الكفر وهو الجحود ونكران النعمة والجميل ، وفي الحديث " لا يشكر الله من لا يشكر الناس " ومن الشكر الشكران ونقيضه الكفران .

لقد عفا الله عن بني إسرائيل ما اقترفوه من جريمة الإشراك بعد أن أرهقهم بعذاب الاقتتال عسى أن يكون ذلك باعثا لهم على الفيئة إلى الله والاعتراف بأنعمه التي أسبغها عليهم فيكونوا بذلك له من الشاكرين .