ولم يكن بد من التطهير القاسي ؛ فهذه الطبيعة المنهارة الخاوية لا تقومها إلا كفارة صارمة ، وتأديب عنيف . عنيف في طريقته وفي حقيقته :
( وإذ قال موسى لقومه : يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ، فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم . ذلكم خير لكم عند بارئكم ) . .
أقتلوا أنفسكم . ليقتل الطائع منكم العاصي . ليطهره ويطهر نفسه . . هكذا وردت الروايات عن تلك الكفارة العنيفة . . وإنه لتكليف مرهق شاق ، أن يقتل الأخ أخاه ، فكأنما يقتل نفسه برضاه . ولكنه كذلك كان تربية لتلك الطبيعة المنهارة الخوارة ، التي لا تتماسك عن شر ، ولا تتناهى عن نكر . ولو تناهوا عن المنكر في غيبة نبيهم ما عبدوا العجل . وإذ لم يتناهوا بالكلام فليتناهوا بالحسام ؛ وليؤدوا الضريبة الفادحة الثقيلة التي تنفعهم وتربيهم !
ولهذا الختم تلاه بما هداهم به بما ألزمهم من النقمة الزاجرة عن مثل ذلك من قتل الأنفس فقال{[2409]} : { وإذ } .
قال الحرالي : لما تكمل إقبال الخطاب عليهم مرات بما تقدم من ندائهم والعطف على ما في صلته صرف الحق وجه الخطاب عنهم إلى ذكر خطاب نبيه صلى الله عليه وسلم لهم ، فإن الله يخاطب العباد بإسقاط الواسطة بينه وبينهم ترفيعاً لأقدارهم لديه ، فيرفع من شاء فيجيبه بما شاء ، ويوقف من شاء فيجعل بينه وبينه{[2410]} في الخطاب واسطة من نبيه ، فلما قررهم بما مضى من التذكير{[2411]} على ما واجههم به الحق تعالى ذكر في هذه الآية تقريرهم على ما خاطبهم به نبيهم{[2412]} حين أعرض الحق عن خطابهم بما أصابوه من قبيح خطيئتهم – انتهى
. فقال { وإذ قال موسى لقومه }{[2413]} العابد للعجل والساكت عنه ، والقوم قال الحرالي اسم من لهم منة في القيام بما هم مذكورون به ، ولذلك يقابل بلفظ النساء{[2414]} لضعفهن فيما يحاولنه ؛ وفيه تخويف لهذه الأمة أن يصيبهم مثل ما أصابهم في خطاب ربهم فيعرض عنهم - انتهى .
{ يا قوم } وأكد لعراقتهم في الجهل بعظيم ما ارتكبوه وتهاونهم به لما أشربوا في قلوبهم من الهوى فقال{[2415]} { إنكم ظلمتم أنفسكم } ظلماً تستحقون به العقوبة .
{ باتخاذكم العجل } أي الهاً من دون الله ، فجعلتم أنفسكم متذللة لمن لا يملك لها شيئاً ولمن هي أشرف منه ، فأنزلتموها من رتبة عزها{[2416]} بخضوعها لمولاها الذي لا يذل من والاه ولا يعز من عاداه إلى ذلها بخضوعها لمن هو دونكم أنتم ، هذا هو أسوأ الظلم ، فإن المرء لا يصلح أن يتذلل ويتعبد لمثله فكيف لمن{[2417]} دونه من حيوان ! فكيف بما يشبه بالحيوان من جماد الذهب الذي هو من المعادن وهو أخفض المواليد رتبة حين لم تبلغها حياتها أن تبدو فوق الأرض كالنبات من النجم والشجر و{[2418]}لما فيه من الانتفاع بما يكون{[2419]} من الحب والثمر الذي يُنتفع به غذاء ودواء والمعادن لا ينتفع بها إلا آلات ونقوداً{[2420]} منفعتها إخراجها لا إثباتها - {[2421]}قاله الحرالي{[2422]} : { فتوبوا إلى بارئكم }{[2423]} الذي فطركم من قبل أن تتخذوا العجل{[2424]} بريئين من العيب مع إحكام الخلق{[2425]} على الأشكال المختلفة . وقال الحرالي : البارىء اسم قائم بمعنى البرء وهو إصلاح{[2426]} المواد للتصوير ، كالذي يقطع الجلد والثوب ليجعله{[2427]} خفاً وقميصاً ، وكالذي يطحن القمح ويعجن الطين ليجعله خبزاً وفخاراً{[2428]} و - نحو ذلك ، ومعناه التدقيق للشيء بحسب التهيؤ لصورته - انتهى .
ولما كانت توبتهم بقتل أقاربهم وإن كانوا آباء أو أبناء عبر عنهم بالنفس لذلك وإشارة إلى خبث ما ارتكبوا{[2429]} فقال { فاقتلوا أنفسكم } أي التي أوجدها فقادتكم إلى غيره . قال الحرالي : والقتل{[2430]} قصل الحيوان قبل انتهاء قوته بمنزلة قصل الزرع قبل استحصاده - انتهى . ولما كان ما أمرهم به أمراً لا يكاد يسمح به عظّم الرغبة فيه بقوله { ذلكم } أي الأمر العظيم {[2431]}وهو القتل{[2432]} .
{ خير لكم } والخير ، قال الحرالي : ما يصلح في الاختيار من محسوس الأشياء وما هو الأصلح وما هو الأخير ، وربما استعملت منه خيرٌ محذوفة فيقال : هو خير في نفسه ، أي مما يختار ، ويقال : هذا{[2433]} خير من هذا ، أي أخير منه أي أصلح في الاختيار ، وكذلك لفظ شر في مقابله وهما مشعران بمتوسط من الأشياء لا يختار لأجل زيادة صلاح ولا يطرح لأجل أذى ولا مضرة { عند } كلمة تفهم اختصاص ما أضيفت إليه بوجه مّا عام{[2434]} وأخص منه لدن ، فلدن خاصتها وعند عامتها ، كالذي يملك الشيء فهو عنده وإن لم يكن في حضرته - انتهى .
{ بارئكم } أي القادر على إعدامكم كما قدر على إيجادكم ، وفي التعبير بالبارىء ترغيب لهم في طاعته بالتذكير بالإحسان وترهيب بإيقاع الهوان .
ولما كان التقدير ففعلتم التوبة المأمور بها بأن قتل بعضكم بعضاً{[2435]} بتوفيقه لكم سبحانه مع ما فيه من عظم{[2436]} المشقة عطف عليه قوله { فتاب عليكم } أي مع عظم جرمكم ، ولولا توبته عليكم ما تبتم ؛ ثم علل ذلك بقوله { إنه } أي لأنه { هو التواب الرحيم } أي ما زال هذا صفة له لا لاستحقاق منكم عليه{[2437]} قال الحرالي : وفي إظهار هو مفصولة من ضمير وصلها إثبات معنى الرحمة لله ثبتاً لا يتبدل ولا يتغير إلا أنه من وراء غيب ما شاء الله من أدب وامتحان وعقاب ، فلذلك ختمه باسمه الرحيم ، لأن الختم أبدى إظهار للمعنى الأخفى من مضمون ما فيه الختم - انتهى .
قوله تعالى : ( وإذ قال موسى لقومه إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا الى باريكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير عند باريكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ( إذ تفيد الظرفية الزمانية ، وأصل موسى موشا ، كما قيل وهما كلمتان تعني أولاهما ماء وتعني الأخرى شجر فقد سمي موسى بذلك لأنه كان مخبوءا في تابوت يطفو على سطح الماء ومن حوله أشجار وقد بقي كذلك حتى ألقاه قوم فرعون الذين التقطوه ليكون لهم عدوا وحزنا .
أما القوم فهم جماعة الرجال ليس فيهم امرأة ، والواحد رجل ، والجمع أقوام وقد سموا بذلك لقيامهم بالعظائم والمهمات ، وقد تدخل النساء في القوم ، فإن من المعلوم أن قوم كل نبي يتألف من الرجال والنساء ، وينطبق على القوم كل من التذكير والتأنيث ، فنقول : جاء القوم وجاءت القوم ، وقوله : ( يا قوم ) أصلها قومي حذفت الياء للتخفيف ، وهي يجوز إبقاؤها في غير القرآن .
قوله : ( إنكم ظلمتم أنفسكم ) ذلك تأكيد على أنهم أوقعوا أنفسهم في الظلم وهو في اللغة وضع الشيء في غير موضعه كما بينا سابقا ، والظلم كثيرا ما يرد في القرآن بمعنى الشرك ، وهو ما سقط فيه بنو إسرائيل عندما اتخذوا العجل لهم معبودا من دون الله ، فهم بذلك قد ظلموا أنفسهم وأوردوها سوء المورد وهو الشرك بسبب اتخاذهم العجل إلها ، وهم من أجل ذلك قد استحقوا من الله العذاب ليتوب عليهم بعد ذلك . فما كان لجريمتهم النكراء هذه أن تمر بغير حساب في هذه الدنيا ، وما كان الله ليتوب عليهم قبل أن يجهدهم بعظيم البلاء وهو بلاء لا جرم أن يكون شديدا . وهو ما يشير إليه قوله سبحانه : ( فتوبوا الى باريكم فاقتلوا أنفسكم ) والبارىء هو المبدع للشيء المخترع له ، أو المحدث الي يصنع الشيء على غير مثال سبق ، أما الخالق فهو من الخلق ويعني التقدير ، فالخالق هو المقدر الذي ينقل الشيء من حال إلى حال .
أمر الله بني إسرئايل الذين كانوا مع موسى أن يعلنوا توبتهم بالقتل ، وذلك لقوله تعالى : ( فاقتلوا أنفسكم ) وقد جاء في كيفية ذلك بضع أقوال للمفسرين نقتضب اثنين منها ، أما الأول فهو أنهم وقفوا صفين متقابلين فقتل بعشهم بعضا ، من غير تمييز ، وقد ظلوا على تلك الحال من الاقتتال حتى سقط منهم خلق كثير ثم تاب الله عليهم من بعد ذلك .
وأما القول الثاني : فهو أن الذين عبدوا العجل وقفوا صفا ثم دخل الذين لم يعبدوه ومعهم السلاح ، فمالوا عليهم ضربا بالسيوف والخناجر والسكاكين الى أن قتلوا منهم أناسي كثيرا ، لكن الراجح في تقديرنا هو القول الأول وهو ما ذهب إليه كثير من المفسرين ، وهو أنهم اقتتلوا فيما بينهم فجعل بعضهم يضرب رقاب بعض أو أحدهم يقتل الذي يليه كائنا من كان حتى أوحي إليهم أن يكفوا عن الاقتتال ، كذلك كانت توبة بني إسرائيل إذا ما اقترفوا مثل هذه الكبيرة النكراء .
قوله : ( ذلكم خير لكم عند باريكم فتاب عليكم ) اسم الإشارة في محل رفع مبتدأ والميم للجمع ، و( خير ) خبر مرفوع والإشارة في قوله : ( ذلكم ) تعود إلى إعلان التوبة الحقيقية من اليهود وهي على الكيفية المبينة من اقتتالهم فيما بينهم ، إذ يقتل بعضهم بعضا دون تمييز أو تردد ، وفي هذه التوبة العملية القاسية ما يشهد لهم عند الله بالتوبة وهو سبحانه البارىء الذي خلق الوجود والخلائق من العدم والذي يقبل التوبة عن عباده .
وقوله : ( فتاب عليكم ) ذلك إعلان من الله لهم بالتوبة بعد أن نفذوا عملية الاقتتال بغير موارية أو تملص وهي عملية لا ريب أن تكون ثقيلة كؤودا تمكن قوم موسى من مجوزتها فاستحقوا من الله التوبة والغفران ، وهو سبحانه الذي يغفر الذنوب جميعا والذي يتجاوز عن مساءات المسيئين مهما تكن من الفداحة والكثرة ، ( إنه هو التواب الرحيم ) . {[64]}