وكل دعوى بألوهية أحد مع الله ، فهي دعوى ليس معها برهان . لا من الدلائل الكونية ، ولا من منطق الفطرة ، ولا من حجة العقل . وحساب مدعيها عند ربه ، والعاقبة معروفة : ( إنه لا يفلح الكافرون ) . . سنة نافذة لا تتخلف ، كما أن الفلاح للمؤمنين طرف من الناموس الكبير .
وكل ما يراه الناس على الكافرين من نعمة ومتاع ، وقوة وسلطان ، في بعض الأحيان ، فليس فلاحا في ميزان القيم الحقيقية . إنما هو فتنة واستدراج ، ينتهي بالوبال في الدنيا . فإن ذهب بعضهم ناجين في الدنيا ، فهناك في الآخرة يتم الحساب . والآخرة هي الشوط الأخير في مراحل النشأة ، وليست شيئا منفصلا في تقدير الله وتدبيره . ومن ثم هي ضرورة لا بد منها في النظرة البعيدة .
ولما كان التقدير : فمن دعا الله وحده فأولئك هم المفلحون الوارثون في الدارين ، عطف عليه قوله : { ومن يدع مع الله } أي الملك الذي كفوء له لإحاطته بجميع صفات الكمال { إلهاً } ولما كانوا لتعنتهم ينسبون الداعي له سبحانه باسمين أو أكثر إلى الشرك ، قيد بقوله : { آخر } ثم أيقظ من سنة الغفلة ، ونبه على الاجتهاد والنظر في أيام المهلة ، بقول لا أعدل منه ولا أنصف فقال : { لا برهان له } ولما كان المراد ما يسمى برهاناً ولو على أدنى الوجوه الكافية ، عبر بالباء سلوكاً لغاية الإنصاف دون " على " المفهمة للاستعلاء بغاية البيان فقال : { به } أي بسبب دعائه فإنه إذا اجتهد في إقامة برهان على ذلك لم يجد ، بل وجد البراهين كلها قائمة على نفي ذلك ، داعية إلى الفلاح باعتقاد التوحيد والصلاح ، هذا المراد ، لا أنه يجوز أن يقوم على شيء غيره برهان { فإنما حسابه } أي جزاؤه الذي لا تمكن زيادته ولا نقصه { عند ربه } الذي رباه ، ولم يربه أحد سواه ، وغمره بالإحسان ، ولم يحسن إليه أحد غيره ، الذي هو أعلم بسريرته وعلانيته منه نفسه ، فلا يخفى عليه شيء من أمره .
ولما أفهم كون حسابه عند هذا المحسن أحد أمرين : إما الصفح بدوام الإحسان ، وإما الخسران بسبب الكفران ، قال على طريق الجواب لمن يسأل عن ذلك : { إنه لا يفلح } ووضع { الكافرون* } موضع ضميره تنبيهاً على كفره وتعميماً للحكم ، فصار أول السورة وآخرها مفهماً لأن الفلاح مختص به المؤمنون .
قوله تعالى : { ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون ( 117 ) وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين ( 118 ) } ذلك وعيد من الله لمن يعبد معه إلها آخر ( لا برهان له به ) جملة معترضة ؛ أي ليس له في ذلك دليل ولا حجة إلا ركوب الهوى ، وتقليد الآباء والأجداد في سفاهتهم وجهالتهم ( فإنما حسابه عند ربه ) جواب الشرط ؛ أي يحاسبه الله على كفره ويجازيه من أليم الجزاء ما هو كفاء .
قوله : ( إنه لا يفلح الكافرون ) الهاء ضمير الشأن أي أن المشركين الذين اتخذوا أندادا من دون الله ، والذين جحدوا رسالة ربهم فإن مصيرهم إلى التعس وخسران الدار الآخرة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.