الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ} (117)

قوله : { وَمَن يَدْعُ } : شرطٌ . وفي جوابِه وجهان أصحُّهما : أنه قوله " فإنما حِسابُه " وعلى هذا ففي الجملة المتقدمة وهي قولُه : { لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ } وجهان ، أحدُهما : أنها صفةٌ ل " إلهاً " وهو صفةٌ لازمةٌ . أي : لا يكون الإِلَهُ المَدْعُوُّ من دون اللهِ إلاَّ كذا ، فليس لها مفهومٌ لفسادِ المعنى . ومثلُه

{ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [ الأنعام : 38 ] لا يُفْهم أنَّ ثَمَّ إلَهاً آخرَ مَدْعُوَّاً من دونِ اللهِ له برهان ، وأن ثَمَّ طائراً يطير بغير جناحيه . الثاني : أنها جملةٌ اعتراضٍ بين الشرطِ وجوابِه . وإلى الوجهين أشار الزمخشري بقولِه : " وهي صفةٌ لازمةٌ كقوله : " يَطير بجناحيه " ، جيء بها للتوكيد لا أَنْ يكونَ في الآلهة ما يجوز أَنْ يقومَ عليه بُرْهانٌ . ويجوز أَنْ يكونَ اعتراضاً بين الشرطِ والجزاءِ كقولك : " مَنْ أحسن إلى زيدٍ لا أحقَّ بالإِحسان منه فاللهُ مُثيبُه " .

الثاني : من الوجهين الأولين : أنَّ جوابَ الشرطِ " قولُه لا بُرْهانَ له به " كأنه فَرَّ مِنْ مفهومِ الصفةِ لِما يلزمُ مِنْ فسادِه فَوَقَعَ في شيءٍ لا يجوزُ إلاَّ في ضرورةِ شعرٍ ، وهو حَذْفُ فاءِ الجزاءِ من الجملةِ الاسميةِ ، كقوله :

مَنْ يَفْعَلِ الحسناتِ اللهُ يَشْكُرُها *** . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

البيت . وقد تقدَّم تخريجُ كونِ " لا برهانَ له " على الصفةِ . ولا إشكال ؛ لأنها صفةٌ لازمةٌ ، أو على أنها جملةٌ اعتراضٍ .

قوله : { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ } الجمهور على كسرِ الهمزةِ على الاستئنافِ المُفيد للعلمِ . وقرأ الحسنُ وقتادةُ " أنه " بالفتح . وخَرَّجَه الزمخشري على أَنْ يكنَ خبر " حِسابُه " قال : ومعناه : حسابُه عدمُ الفلاحِ . والأصلُ : حسابُه أنه لا يُفلح هو ، فوضع " الكافرون " في موضع الضمير ، لأن مَنْ يَدْعُ في معنى الجمع وكذلك " حِسابُه أنه لا يُفلح " في معنى : حسابهم أنهم لا يُفْلحون " انتهى . ويجوزُ أَنْ يكونَ ذلك على حَذْفِ حرفِ العلةِ أي [ ل ] أنَّه لا يُفْلح . وقرأ الحسن " لا يَفْلح " بفتح الياءِ واللام ، مضارعَ فَلَح بمعنى أفلح ، فَعَل وأَفْعَل فيه بمعنىً . والله أعلم ، وهو يقول الحقَّ ويَهْدي السبيلَ .