ولتقرير حقيقة التوكل على الله ، وإقامتها على أصولها الثابتة ، يمضي السياق فيقرر أن القوة الفاعلة في النصر والخذلان هي قوة الله ، فعندها يلتمس النصر ، ومنها تتقى الهزيمة ، وإليها يكون التوجه ، وعليها يكون التوكل ، بعد اتخاذ العدة ، ونفض الأيدي من العواقب ، وتعليقها بقدر الله :
( إن ينصركم الله فلا غالب لكم ، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ؟ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) . .
إن التصور الإسلامي يتسم بالتوازن المطلق بين تقرير الفاعلية المطلقة لقدر الله - سبحانه - وتحقق هذا القدر في الحياة الإنسانية من خلال نشاط الإنسان وفاعليته وعمله . . إن سنة الله تجري بترتيب النتائج على الأسباب . ولكن الأسباب ليست هي التي " تنشىء " النتائج . فالفاعل المؤثر هو الله . والله يرتب النتائج على الأسباب بقدره ومشيئته . . ومن ثم يطلب إلى الإنسان أن يؤدي واجبه ، وأن يبذل جهده ، وأن يفي بالتزاماته . وبقدر ما يوفي بذلك كله يرتب الله النتائج ويحققها . . وهكذا تظل النتائج والعواقب متعلقة بمشيئة الله وقدره . هو وحده الذي يأذن لها بالوجود حين يشاء ، وكيفما يشاء . . وهكذا يتوازن تصور المسلم وعمله . فهو يعمل ويبذل ما في طوقه ؛ وهو يتعلق في نتيجة عمله وجهده بقدر الله ومشيئته . ولا حتمية في تصوره بين النتائج والأسباب . فهو لا يحتم أمرا بعينه على الله !
وهنا في قضية النصر والخذلان ، بوصفهما نتيجتين للمعركة - أية معركة - يرد المسلمين إلى قدر الله ومشيئته ؛ ويعلقهم بإرادة الله وقدرته : إن ينصرهم الله فلا غالب لهم . وأن يخذلهم فلا ناصر لهم من بعده . . وهي الحقيقة الكلية المطلقة في هذا الوجود . حيث لا قوة إلا قوة الله ، ولا قدرة إلا قدرته ، ولا مشيئة إلا مشيئته . وعنها تصدر الأشياء والأحداث . . ولكن هذه الحقيقة الكلية المطلقة لا تعفي المسلمين من اتباع المنهج ، وطاعة التوجيه ، والنهوض بالتكاليف ، وبذلك الجهد ، والتوكل بعد هذا كله على الله :
( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) . .
وبذلك يخلص تصور المسلم من التماس شيء من عند غير الله ؛ ويتصل قلبه مباشرة بالقوة الفاعلة في هذا الوجود ؛ فينفض يده من كل الأشباح الزائفة والأسباب الباطلة للنصرة والحماية والالتجاء ؛ ويتوكل على الله وحده في أحداث النتائج ، وتحقيق المصاير ، وتدبير الأمر بحكمته ، وتقبل ما يجيء به قدر الله في اطمئنان أيا كان .
إنه التوازن العجيب ، الذي لا يعرفه القلب البشري إلا في الإسلام .
ولما كان التقدير ؛ فإذا فعلوا ما يحبه أعطاهم مُناهم مما عزموا عليه لأجله ؛ استأنف الإخبار بما يقبل بقلوبهم إليه{[19617]} ويقصر هممهم عليه ، بأن من نصره هو المنصور ، ومن خذله هو المخذول ، فقال تعالى : { إن ينصركم الله } أي الذي له جميع العظمة { فلا غالب لكم } أي إن كان نبيكم صلى الله عليه وسلم بينكم أو لا ، فما بالكم{[19618]} وهنتم لما صاح{[19619]} إبليس أن محمداً قد قتل ! وهلا فعلتم كما فعل سعد بن الربيع رضي الله تعالى عنه وكما فعل أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه حين قال : " موتوا على ما مات عليه نبيكم صلى الله عليه وسلم ! فهو أعذر لكم عند ربكم " { وإن يخذلكم } أي بإمكان العدو منكم { فمن ذا الذي ينصركم من بعده } أي من نبي أو{[19620]} غيره ، ولما كان التقدير : فعلى الله{[19621]} فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ، عطف عليه قوله : { وعلى الله } أي الملك الأعظم وحده ، لا على نبي ولا على قوة بعدد ولا بمال من غنيمة ولا غيرها { فليتوكل المؤمنون * } أي كلهم فيكون ذلك{[19622]} أمارة صحة إيمانهم .
قوله تعالى : ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) ذلك تحريض من الله للمؤمنين على أن يديموا التوكل على الله وليس على غيره ؛ فإن الأمر كله بيده الله . وهو جل وعلا يهب عباده النصر ، أو يكتب لهم الخذلان . وما من شيء يصدر في هذا الكون إلا بقدر محسوب وموزون . وعلى هذا إذا كتب الله لعباده النصر فلن يغلبهم أحد ، وإن أراد الله لهم غير ذلك من الهزيمة والخذلان فليس من أحد من آحاد هذه الدنيا يقوى على نصرهم بعد خذلان الله لهم . فما على المؤمنين بعد هذه الحقيقة الراسخة إلا أن يحسنوا التوكل على الله والاعتماد عليه اعتمادا تنشد به قلوبهم إلى الباري انشدادا . وذلك هو شأن المؤمنين الصادقين المخبتين فإنهم إنما يتوكلون على الله حق التوكل بعد أن يستنفدوا كل أسباب الكد والجد والعزم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.