في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ} (160)

121

ولتقرير حقيقة التوكل على الله ، وإقامتها على أصولها الثابتة ، يمضي السياق فيقرر أن القوة الفاعلة في النصر والخذلان هي قوة الله ، فعندها يلتمس النصر ، ومنها تتقى الهزيمة ، وإليها يكون التوجه ، وعليها يكون التوكل ، بعد اتخاذ العدة ، ونفض الأيدي من العواقب ، وتعليقها بقدر الله :

( إن ينصركم الله فلا غالب لكم ، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ؟ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) . .

إن التصور الإسلامي يتسم بالتوازن المطلق بين تقرير الفاعلية المطلقة لقدر الله - سبحانه - وتحقق هذا القدر في الحياة الإنسانية من خلال نشاط الإنسان وفاعليته وعمله . . إن سنة الله تجري بترتيب النتائج على الأسباب . ولكن الأسباب ليست هي التي " تنشىء " النتائج . فالفاعل المؤثر هو الله . والله يرتب النتائج على الأسباب بقدره ومشيئته . . ومن ثم يطلب إلى الإنسان أن يؤدي واجبه ، وأن يبذل جهده ، وأن يفي بالتزاماته . وبقدر ما يوفي بذلك كله يرتب الله النتائج ويحققها . . وهكذا تظل النتائج والعواقب متعلقة بمشيئة الله وقدره . هو وحده الذي يأذن لها بالوجود حين يشاء ، وكيفما يشاء . . وهكذا يتوازن تصور المسلم وعمله . فهو يعمل ويبذل ما في طوقه ؛ وهو يتعلق في نتيجة عمله وجهده بقدر الله ومشيئته . ولا حتمية في تصوره بين النتائج والأسباب . فهو لا يحتم أمرا بعينه على الله !

وهنا في قضية النصر والخذلان ، بوصفهما نتيجتين للمعركة - أية معركة - يرد المسلمين إلى قدر الله ومشيئته ؛ ويعلقهم بإرادة الله وقدرته : إن ينصرهم الله فلا غالب لهم . وأن يخذلهم فلا ناصر لهم من بعده . . وهي الحقيقة الكلية المطلقة في هذا الوجود . حيث لا قوة إلا قوة الله ، ولا قدرة إلا قدرته ، ولا مشيئة إلا مشيئته . وعنها تصدر الأشياء والأحداث . . ولكن هذه الحقيقة الكلية المطلقة لا تعفي المسلمين من اتباع المنهج ، وطاعة التوجيه ، والنهوض بالتكاليف ، وبذلك الجهد ، والتوكل بعد هذا كله على الله :

( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) . .

وبذلك يخلص تصور المسلم من التماس شيء من عند غير الله ؛ ويتصل قلبه مباشرة بالقوة الفاعلة في هذا الوجود ؛ فينفض يده من كل الأشباح الزائفة والأسباب الباطلة للنصرة والحماية والالتجاء ؛ ويتوكل على الله وحده في أحداث النتائج ، وتحقيق المصاير ، وتدبير الأمر بحكمته ، وتقبل ما يجيء به قدر الله في اطمئنان أيا كان .

إنه التوازن العجيب ، الذي لا يعرفه القلب البشري إلا في الإسلام .

/خ179

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ} (160)

ولما كان التقدير ؛ فإذا فعلوا ما يحبه أعطاهم مُناهم مما عزموا عليه لأجله ؛ استأنف الإخبار بما يقبل بقلوبهم إليه{[19617]} ويقصر هممهم عليه ، بأن من نصره هو المنصور ، ومن خذله هو المخذول ، فقال تعالى : { إن ينصركم الله } أي الذي له جميع العظمة { فلا غالب لكم } أي إن كان نبيكم صلى الله عليه وسلم بينكم أو لا ، فما بالكم{[19618]} وهنتم لما صاح{[19619]} إبليس أن محمداً قد قتل ! وهلا فعلتم كما فعل سعد بن الربيع رضي الله تعالى عنه وكما فعل أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه حين قال : " موتوا على ما مات عليه نبيكم صلى الله عليه وسلم ! فهو أعذر لكم عند ربكم " { وإن يخذلكم } أي بإمكان العدو منكم { فمن ذا الذي ينصركم من بعده } أي من نبي أو{[19620]} غيره ، ولما كان التقدير : فعلى الله{[19621]} فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ، عطف عليه قوله : { وعلى الله } أي الملك الأعظم وحده ، لا على نبي ولا على قوة بعدد ولا بمال من غنيمة ولا غيرها { فليتوكل المؤمنون * } أي كلهم فيكون ذلك{[19622]} أمارة صحة إيمانهم .


[19617]:سقط من ظ.
[19618]:في ظ ومد: لكم.
[19619]:في ظ: صرح، وزيد بعده فيه: إن.
[19620]:من ظ ومد، وفي الأصل "و".
[19621]:من ظ ومد، وفي الأصل: ذلك.؟
[19622]:زيد من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ} (160)

قوله تعالى : ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) ذلك تحريض من الله للمؤمنين على أن يديموا التوكل على الله وليس على غيره ؛ فإن الأمر كله بيده الله . وهو جل وعلا يهب عباده النصر ، أو يكتب لهم الخذلان . وما من شيء يصدر في هذا الكون إلا بقدر محسوب وموزون . وعلى هذا إذا كتب الله لعباده النصر فلن يغلبهم أحد ، وإن أراد الله لهم غير ذلك من الهزيمة والخذلان فليس من أحد من آحاد هذه الدنيا يقوى على نصرهم بعد خذلان الله لهم . فما على المؤمنين بعد هذه الحقيقة الراسخة إلا أن يحسنوا التوكل على الله والاعتماد عليه اعتمادا تنشد به قلوبهم إلى الباري انشدادا . وذلك هو شأن المؤمنين الصادقين المخبتين فإنهم إنما يتوكلون على الله حق التوكل بعد أن يستنفدوا كل أسباب الكد والجد والعزم .