في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ} (54)

33

ويمضي السياق إلى خاتمة القصة بين عيسى - عليه السلام - وبني إسرائيل :

( ومكروا ومكر الله ، والله خير الماكرين . إذ قال الله : يا عيسى إني متوفيك ، ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ، وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ؛ ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ، فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة ، وما لهم من ناصرين . وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ، والله لا يحب الظالمين ) . .

والمكر الذي مكره اليهود الذين لم يؤمنوا برسولهم - عيسى عليه السلام - مكر طويل عريض . فقد قذفوه عليه السلام وقذفوا الطاهرة أمه مع يوسف النجار خطيبها الذي لم يدخل بها كما تذكر الأناجيل . . وقد اتهموه بالكذب والشعوذة ؛ ووشوا به إلى الحاكم الروماني " بيلاطس " وادعوا أنه " مهيج " يدعو الجماهير للانتقاض على الحكومة ! وأنه مشعوذ يجدف ويفسد عقيدة الجماهير ! حتى سلم لهم بيلاطس بأن يتولوا عقابه بأيديهم ، لأنه لم يجرؤ - وهو وثني - على احتمال تبعة هذا الإثم مع رجل لم يجد عليه ريبة . . وهذا قليل من كثير . .

( ومكروا ومكر الله . والله خير الماكرين ) . .

والمشاكلة هنا في اللفظ هي وحدها التي تجمع بين تدبيرهم وتدبير الله . . والمكر التدبير . . ليسخر من مكرهم وكيدهم إذا كان الذي يواجهه هو تدبير الله . فأين هم من الله ؟ وأين مكرهم من تدبير الله ؟

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ} (54)

ولعله عقب ذلك بقوله : { ومكروا } المعطوف على قوله : { قال من أنصاري إلى الله{[17362]} } بالإضمار الصالح لشمول{[17363]} كل{[17364]} من تقدم له ذكر إشارة إلى أن التمالؤ{[17365]} عليه يصح أن ينسب إلى المجموع من حيث هو مجموع ، أما مكر اليهود{[17366]} فمشهور ، وأما الحواريون الاثنا عشر{[17367]} فنقض{[17368]} أحدهم وهو الذي تولى كبر الأمر وجر{[17369]} اليهود إليه ودلهم عليه - كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في سورة النساء ، و{[17370]}ترتيب المكر على الشرط يفهم أنهم لما علموا إحساسه بكفرهم خافوا {[17371]}غائلته فأعملوا{[17372]} الحيلة في قتله . والمكر - قال الحرالي - إعمال الخديعة والاحتيال في هدم بناء {[17373]}ظاهر كالدنيا ، والكيد أعمال الخدعة والاحتيال في هدم بناء{[17374]} باطن كالتدين والتخلق وغير ذلك ، فكان المكر خديعة{[17375]} حس والكيد خديعة معنى - انتهى . ثم إن مكرهم تلاشى واضمحل بقوله : { ومكر الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً .

ولما كان المقام لزيادة العظمة أظهر ولم يضمر لئلا يفهم الإضمار خصوصاً من جهة ما فقال : { والله } أي والحال أنه{[17376]} الذي له هذا الاسم الشريف{[17377]} فلم يشاركه{[17378]} فيه أحد بوجه { خير الماكرين * } بإرادته{[17379]} تأخير حربه{[17380]} لهم إلى وقت قضاه{[17381]} في الأزل فأمضاه ، وذلك عند مجيء الدجال بجيش اليهود فيكون أنصاره الذين{[17382]} سألهم ربه{[17383]} هذه الأمة تشريفاً لهم ، ثم بين ما فعله بهم من القضاء الذي هو على صورة المكر في كونه أذى{[17384]} يخفى على المقصود به بأنه{[17385]} رفعه إليه وشبه ذلك عليهم حتى ظنوا أنهم صلبوه{[17386]} وإنما صلبوا أحدهم ، ويقال : إنه الذي دلهم ، وأما هو عليه الصلاة والسلام فصانه عنده بعد رفعه إلى محل أوليائه وموطن قدسه لينزله في آخر الزمان لاستئصالهم بعد أن ضرب{[17387]} عليهم الذلة بعد قصدهم له بالأذى الذى طلبوا به {[17388]}العز إلى{[17389]} آخر الدهر فكان تدميرهم في تدبيرهم ، وذلك أخفى الكيد .


[17362]:زيد من ظ.
[17363]:من ظ ومد، والأصل: بشمول.
[17364]:سقط من ظ.
[17365]:من ظ ومد، وفي الأصل: التماكر.
[17366]:في ظ: الشهود.
[17367]:في ظ: الاثنى عشر.
[17368]:من مد، وفي الأصل: بتقض، وفي ظ: فيفض.
[17369]:ي ظ: الامم وحر.
[17370]:في ظ: الامم وحر.
[17371]:سقطت الواو من ظ.
[17372]:في ظ: غائلة مما عملوا.
[17373]:في ظ: غائلة مما عملوا.
[17374]:سقطت من ظ.
[17375]:سقطت من ظ.
[17376]:في مد: إن.
[17377]:سقط من ظ ومد.
[17378]:من مد، وفي الأصل وظ: فلم يشارك.
[17379]:من ظ ومد، وفي الأصل: بارادة.
[17380]:من ظ ومد، وفي الأصل: ضربة.
[17381]:من ظ ومد، وفي الأصل: قضاة.
[17382]:في ظ: سالوهم ربهم.
[17383]:في ظ: سالوهم ربهم..
[17384]:في ظ: أدنى
[17385]:في ظ: بان.
[17386]:من ظ ومد، وفي الأصل: طلبوه.
[17387]:في ظ: ضربت.
[17388]:في ظ: الغزالي.
[17389]:في ظ: الغزالي.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ} (54)

قوله : ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) المكر في اللغة : الاحتيال والخديعة أو السعي بالفساد في خفية ومداجاة ، أما مكر هؤلاء الكافرين الظالمين بعيسى عليه السلام فهو أنهم هموا بقتله ، وأما مكر الله تعالى بهم فإنه يحتمل عدة وجوه : منها : أن الله رفع عيسى إلى السماء فلم يمكنهم من إيصال الشر إليه ، وذلك تملأ الظالمون على قتله فنجاه الله من كيدهم وسوء تدبيرهم .

ومنها : أن الحواريين كانوا اثني عشر ، وكانوا مجتمعين في بيت فنافق رجل منهم ، ودل عليه اليهود ، فألقى الله عليه شبه عيسى ورفع إليه عيسى ، فأخذوا ذلك المنافق ثم قتلوه وصلبوه ظانين أنه عيسى عليه السلام ، فكان ذلك هو مكر الله بهم .

ومنها : أن الله سلط عليهم ملك فارس فقتلهم وسباهم ، فهذا هو مكر الله تعالى ، وقيل غير ذلك{[477]} .

ومما هو قمين ذكره هنا أن المكر هو المكر من حيث حقيقته ومعناه وما يفضي إليه من الويلات والشرور التي تحيق بالبشرية ، وبخاصة الفئة المؤمنة السائرة على منهج الله القويم ، وهو في الجملة يعني التمحل والتحيل والخداع سعيا لا فتعال الشر وإلحاقه بالآخرين ، ولا يحفز إلى ذلك إلا سوء القصد وفساد الطوية ، وما برح الزمان أو التاريخ يحدثنا عن وجوه الخداع والتمالؤ الخبيث الذي يقارفه الأشرار من الناس في حق الفئة المؤمنة الصالحة ، الفئة التي تمضي على صراط الله وتدعو إلى الحق على بصيرة ويقين .

ما برحت والسنون تحمل في طياتها أكدارا من صور الويلات والقواصم التي تلطخت بها أجبنة الطغاة المجرمين ، سواء كانوا من بني إسرائيل أو غيرهم ، لا جرم أن الأشرار والفجار والعتاة الظالمين كثيرون وهم تعج بهم جنبات الأرض عبر زمانها الطويل ، يستوي في ذلك الأشرار والفجار من اليهود أو الهنود أو الأوربيين أو العرب أو غيرهم من أصناف البشر . أولئك الذين كادوا للفئة المؤمنة كيدا وتواطأوا فيما بينهم – في الليل والنهار- لتدمير الإسلام وإزالة شوكة المسلمين أو اصطلامهم البتة إن استطاعوا .

لكن الأهم من ذلك كله أن الله لهؤلاء وأمثالهم من الأرجاس والمناكيد بالمرصاد ، لا جرم أن الله أكبر من كل كبير . فهو القاهر فوق عباده وهو خير الماكرين ، فإنه سبحانه وتعالى يحصي على هؤلاء الأشرار من شياطين البشر كل أفعالهم الشريرة وكل ما جنوه في حق المؤمنين من خداع وتضليل ومكر .

وهو في ذلك إنما يملي لهم ويستدرجهم إلى جحيم الذل والعار والهزيمة استدراجا حتى إذا حان الأجل ودقت ساعة النصر والغلبة للمؤمنين الصابرين من دعاة الإسلام ، سقط الظالمون في وهاد الخزي وباءوا بالانتكاس والإياس .

لا جرم أن ذلك مكر الله وأنه من تقديره وتدبيره ! وهو مقتضى قوله عز من قائل : ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) .


[477]:- - تفسير الرازي جـ 8 ص 70- 73 وتفسير الطبري – جـ 3 ص 200- 202 مختار الصحاح ص 161.