في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ} (55)

33

لقد أرادوا صلب عيسى - عليه السلام - وقتله . وأراد الله أن يتوفاه ، وأن يرفعه إليه ، وأن يطره من مخالطة الذين كفروا والبقاء بينهم وهم رجس ودنس ، وأن يكرمه فيجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة . . وكان ما أراده الله . وأبطل الله مكر الماكرين :

( إذ قال الله : يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ، وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ) .

فأما كيف كانت وفاته ، وكيف كان رفعه . . فهي أمور غيبية تدخل في المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله . ولا طائل وراء البحث فيها . لا في عقيدة ولا في شريعة . والذين يجرون وراءها ، ويجعلونها مادة للجدل ، ينتهي بهم الحال إلى المراء ، وإلى التخليط ، وإلى التعقيد . دون ما جزم بحقيقة ، ودون ما راحة بال في أمر موكول إلى علم الله .

وأما أن الله جعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة . . فلا يصعب القول فيه . فالذين اتبعوه هم الذين يؤمنون بدين الله الصحيح . . الإسلام . . الذي عرف حقيقته كل نبي ، وجاء به كل رسول ، وآمن به كل من آمن حقا بدين الله . . وهؤلاء فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة في ميزان الله . . كما أنهم كذلك في واقع الحياة كلما واجهوا معسكر الكفر بحقيقة الإيمان ، وحقيقة الأتباع . . ودين الله واحد . وقد جاء به عيسى بن مريم كما جاء به من قبله ومن بعده كل رسول . والذين يتبعون محمدا [ ص ] هم في الوقت ذاته اتبعوا موكب الرسل كلهم . من لدن آدم - عليه السلام - إلى آخر الزمان .

وهذا المفهوم الشامل هو الذي يتفق مع سياق السورة ، ومع حقيقة الدين كما يركز عليها هذا السياق .

فأما نهاية المطاف للمؤمنين والكافرين ، فيقررها السياق في صدد إخبار الله لعيسى عليه السلام :

( ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ} (55)

فقال تعالى مخبراً عن ذلك على وجه مبشر له بأنه عاصمه من أن يقتلوه ومميته حتف{[17390]} أنفه : { إذ } أي مكر حين{[17391]} { قال الله } أي بما له من{[17392]} التفرد بصفات الكمال { يا عيسى إني متوفيك } وعبر عن ذلك بطريق الكناية الإيمائية فإن عصمته من قتل{[17393]} الكفار ملزومة للموت حتف{[17394]} الأنف ، وأما قول الزمخشري : أي مستوفي أجلك ومعناه : إني{[17395]} عاصمك من أن يقتلك الكفار ، ومؤخرك إلى أجل كتبته لك ، ومميتك حتف{[17396]} أنفك لا قتلاً بأيديهم - ليكون كناية تلويحية عن العصمة{[17397]} من القتل{[17398]} لأنها ملزومة لتأخيره إلى الأجل المكتوب والتأخير ملزوم للموت حتف{[17399]} الأنف - فلا ينبغي الاغترار به لأنه مبني على مذهب الاعتزال من أن القاتل قطع أجل المقتول المكتوب ، وكأن القاضي البيضاوي لم يتفطن له فترجم هذه العبارة بما يؤديها ؛ ويجوز أن{[17400]} يكون معنى متوفيك{[17401]} : آخذك إليّ من غير أن يصلوا منك إلى محجم دم{[17402]} ولا ما فوقه من عضو ولا نفس فلا تخش{[17403]} مكرهم .

قال في القاموس : أوفى{[17404]} فلاناً حقه : أعطاه وافياً ، كوفّاه ووافاه فاستوفاه{[17405]} وتوفاه{[17406]} .

ثم زاد{[17407]} سبحانه وتعالى في بشارته بالرفعة إلى محل كرامته وموطن ملائكته ومعدن النزاهة عن الأدناس فقال : { ورافعك } وزاد إعظام ذلك بقوله : { إليّ ومطهرك من الذين كفروا } .

ولما كان لذوي الهمم العوال{[17408]} ، أشد التفات{[17409]} إلى ما يكون عليه خلائفهم بعدهم{[17410]} من الأحوال ، بشره سبحانه وتعالى في ذلك بما يسره{[17411]} فقال : { وجاعل الذين اتبعوك } أي ولو بالاسم { فوق الذين كفروا } أي ستروا ما يعرفون{[17412]} من نبوتك بما رأوا من الآيات التي أتيت{[17413]} بها مطابقة{[17414]} لما عندهم من البشائر بك { إلى يوم القيامة } وكذا كان ، لم يزل من اتسم {[17415]}بالنصرانية حقاً أو باطلاً فوق اليهود ، ولا يزالون كذلك{[17416]} إلى{[17417]} أن يعدموا{[17418]} فلا يبقى منهم أحد .

ولما كان البعث عاماً دل عليه بالالتفات{[17419]} إلى الخطاب فقال{[17420]} تكميلاً لما بشر به من النصرة : { ثم إليّ مرجعكم } أي المؤمن والكافر في الآخرة { فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون * } .


[17390]:في ظ: تدميرهم، وفي مد غير واضح.
[17391]:في ظ: حنق.
[17392]:من ظ ومد، وفي الأصل: خير.
[17393]:زيد بعده في الاصل: صفات، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[17394]:في ظ: قبل.
[17395]:في ظ: خنق.
[17396]:من ظ ومد، وفي الأصل: أي.
[17397]:في ظ: تلويحية.
[17398]:من ظ ومد، وفي الأصل: لمن يقتل.
[17399]:من ظ ومد، وفي الأصل: لمن يقتل.
[17400]:في ظ: أنه.
[17401]:من مد، وفي الأصل وظ: موفيك.
[17402]:سقط من ظ.
[17403]:في الأصل ومد: فلا تخشى، وفي ظ: فلا يخشى.
[17404]:من القاموس، وفي الأصل وظ: وفي، وفي مد: وفا.
[17405]:سقط من ظ.
[17406]:سقط من ظ.
[17407]:في ظ: بين.
[17408]:في ظ: التفاوت.
[17409]:في ظ: خلائفهم يعدهم
[17410]:في ظ: خلائفهم يعدهم
[17411]:من مد، وفي الأصل وفي ظ: بشره.
[17412]:في ظ: تعرفون.
[17413]:في ظ: أثبته، وفي مد: اتيته.
[17414]:في ظ ومد: مطابقة.
[17415]:من ظ ومد، وفي الأصل: اسم.
[17416]:في الأصول: لذلك.
[17417]:زيد من ظ.
[17418]:في ظ: أن تعدموا.
[17419]:في مد: بالتفات.
[17420]:سقط من مد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ} (55)

قوله تعالى : ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ) المراد بالوفاة هنا النوم . وذلك كقوله تعالى : ( هو الذي يتوفاكم بالليل ) وقوله تعالى : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ) فهي في منامها متوفاة لكنها لم تمت . وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام عقيب قيامه من النوم : " الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا " .

وعلى هذا فالمراد من قوله : ( متوفيك ) أني متوفيك من الدنيا وليس بوفاة موت . وبعبارة أخرى : قابضك ورافعك إلى السماء من غير موت ، مثل : توفيت مالي من فلان أي قبضته . ويحتج لذلك بالحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو قوله لليهود : " إن عيسى لم يمت ، وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة " {[478]} .

والقول الذي نجده صوابا في كيفية الوفاة هو أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة ولا نوم ، وذلك من شأن الله ومن تقديره ، فهو القادر على كل شيء ولا يعز عليه أن يفعل أي شيء يريد .

قوله : ( ومطهرك من الذين كفروا ) أي مخرجك من بينهم ليندرأ عنك سوء قصدهم وسوء جوارهم .

أما عن كيفية الرفع إلى السماء فقد ورد فيها أقوال عديدة متقاربة من جملتها ما ذكر عن ابن عباس أنه لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وهم اثنا عشر رجلا ( الحواريون ) من عين في البيت ثم قال لها : أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي ؟ فقام شاب من أحدثهم فقال : أنا . فقال عيسى : اجلس . ثم أعاد عليهم فقال الشاب : أنا . فقال عيسى : اجلس . ثم أعاد عليهم فقال : أنا . فقال عيسى : نعم أنت ذاك . فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام . ورفع الله تعالى عيسى من روزنة كانت في البيت إلى السماء . ثم جاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبيه فقتلوه ثم صلبوه ، فتفرقوا ثلاث فرق : قالت فرقة : كان فينا الله ما شاء ثم صعد إلى السماء . وهؤلاء اليعقوبية . وقالت فرقة : كان فينا ابن الله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه . وهؤلاء النسطورية . وقالت فرقة : كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه إليه . وهؤلاء المسلمون . فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه و سلم فقتلوا{[479]} .

قوله : ( وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ) .

المراد بالذين اتبعوه هم الذين على دينه من عقيدة التوحيد الكامل ، العقيدة الصحيحة السليمة المبرأة من كل أوضار الشرك ؛ لا جرم أن أتباعه على هذه الملة السديدة من التوحيد الخالص هم المسلمون وحدهم ، سواء كانوا في زمن المسيح . وهم الذين اتبعوه بحث على أنه عبد الله ورسوله ، وليس شيئا غير ذلك مما تهرف به ألسن المبطلين والمضللين أو كانوا من المسلمين بعد ظهور محمد صلى الله عليه و سلم . إن هؤلاء المسلمين هم جاعلهم الله فوق الكافرين جميعا على تعدد مللهم وعقائدهم الفاسدة ، عقائد الشرك والضلال والانحراف .

على أن المراد بالفوقية هنا يحتمل وجهين : أحدهما : الفوقية المادية : وهي فوقية العزة والسلطان ، الفوقية التي يظللها قوة الإعداد والعتاد والقدرة على قتال الضالين المفسدين في الأرض .

ثانيهما : الفوقية الاعتبارية : وهي القائمة على قوة الحجة والبرهان وسطوع الدلائل التي تشكف عن وجه الحق واليقين . والمسلمون في ميزان الله دوما هم الأعلون ، وهم الجديرون بريادة البشرية ليسوسوا الناس بالحق والعدل والقسطاس المستقيم .

حتى إذا قامت القيامة صار الناس جميعا إلى الله ، سواء فيهم أتباع عيسى من أهل التوحيد الخالص ، أو الذين كذبوه أو أشركوا به . وإذ ذاك يقضي الله بين هؤلاء فيما كانوا قد اختلفوا فيه ، إذ تفرقوا في حقيقة عيسى طرائق قددا ، فأما الذين جحدوا نبوة عيسى عليه السلام أو خالفوا ملته السليمة المبنية على الإقرار لله بالعبودية أو قالوا فيه من الأباطيل الظالمة المفتراة ما لم ينزل الله به من سلطان فلسوف يعذبهم الله عذابا شديدا في الدنيا . وذلك بإخضاعهم لسلطان الإسلام وظهور الغلبة والاستعلاء للمسلمين عليهم . فما يجترئون على قتال المسلمين إلا كتب الله النصر لعباده المؤمنين المخلصين وهم المسلمون الصادقون ماداموا غير مختلفين ولا متفرقين . ومادامت تجمعهم العقيدة الإسلامية الراسخة وتشدهم كلمة الإسلام وحقيقة الإخلاص الكامل لله دون سواه . وإذا ما تحول المسلمون عن هذه الحقائق الراسخة إلى حيث التهاون والضعف والاستكانة أو التشبث بمذاهب غير إسلامية كالاشتراكية والفرعونية والقومية والإقليمية ونحو ذلك فلا جرم أن تحيق بالمسلمين الهزائم والأهوال وأن تدور عليهم دوائر القهر والإذلال .

وأما في الآخرة فإن مردهم إلى النار وبئس القرار ، هنالك يجد الظالمون المضلون من عذاب التحريق والاصطلاء ما لا طاقة لهم باحتماله أو الاصطبار عليه . نسأل الله الغفران والرحمة .

وخلافا لأولئك الظالمين الذين باءوا بعذاب الله في كلتا الدارين ، يمتدح الله عباده المسلمين الصادقين الذين آمنوا بعيسى المسيح ، وصدقوه تمام التصديق ، وأقروا له بكل تعاليمه التي بنيت على التوحيد الخالص وعلى تفرد الله وحده بالإلهية من غير شريك له في ذلك البتة ، لا جرم أن هؤلاء سينالهم تكريم من الله وسيحظون من الأجر الأوفى ما هم به خليقون .

ذلك كله مقتضى قوله تعالى : ( فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ) .


[478]:-- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 366.
[479]:- تفسير القرطبي جـ 4 ص 100 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 366.