في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (75)

65

ثم يمضي السياق يصف حال أهل الكتاب ؛ ويبين ما في هذه الحال من نقائص ؛ ويقرر القيم الصحيحة التي يقوم عليها الإسلام دين المسلمين . ويبدأ فيعرض نموذجين من نماذج أهل الكتاب في التعامل والتعاقد :

( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما . ذلك بأنهم قالوا : ليس علينا في الأميين سبيل ، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون . بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين . إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ، ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ، ولا يزكيهم ، ولهم عذاب أليم ) . .

إنها خطة الإنصاف والحق وعدم البخس والغبن يجري عليها القرآن الكريم في وصف حال أهل الكتاب الذين كانوا يواجهون الجماعة المسلمة حينذاك ؛ والتي لعلها حال أهل الكتاب في جميع الأجيال . ذلك أن خصومة أهل الكتاب للإسلام والمسلمين ، ودسهم وكيدهم وتدبيرهم الماكر اللئيم ، وإرادتهم الشر بالجماعة المسلمة وبهذا الدين . . كل ذلك لا يجعل القرآن يبخس المحسنين منهم حقهم ، حتى في معرض الجدل والمواجهة . فهو هنا يقرر أن من أهل الكتاب ناسا أمناء ، لا يأكلون الحقوق مهما كانت ضخمة مغرية :

( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ) . .

ولكن منهم كذلك الخونة الطامعين المماطلين ، الذين لا يردون حقا - وإن صغر - إلا بالمطالبة والإلحاح والملازمة . ثم هم يفلسفون هذا الخلق الذميم ، بالكذب على الله عن علم وقصد :

( ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما . ذلك بأنهم قالوا : ليس علينا في الأميين سبيل . ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) . .

وهذه بالذات صفة يهود . فهم الذين يقولون هذا القول ؛ ويجعلون للأخلاق مقاييس متعددة . فالأمانة بين اليهودي واليهودي . أما غير اليهود ويسمونهم الأميين وكانوا يعنون بهم العرب [ وهم في الحقيقة يعنون كل من سوى اليهود ] فلا حرج على اليهودي في أكل أموالهم ، وغشهم وخداعهم ، والتدليس عليهم ، واستغلالهم بلا تحرج من وسيلة خسيسة ولا فعل ذميم !

ومن العجب أن يزعموا أن إلههم ودينهم يأمرهم بهذا . وهم يعلمون أن هذا كذب . وأن الله لا يأمر بالفحشاء . ولا يبيح لجماعة من الناس أن يأكلوا أموال جماعة من الناس سحتا وبهتانا ، وألا يرعوا معهم عهدا ولا ذمة ، وأن ينالوا منهم بلا تحرج ولا تذمم . ولكنها يهود ! يهود التي اتخذت من عداوة البشرية والحقد عليها ديدنا ودينا :

( ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (75)

فلما تقرر أن الأمر كله له ذكر دليل ذلك فيهم بأنه فضل فريقاً منهم فأعلاه ، ورذل فريقاً منهم{[17991]} فأرداه ، فلم يردهم الكتاب - وهم يتلونه - إلى الصواب ، فقال عاطفاً{[17992]} على ما مضى من مخازيهم{[17993]} مقرراً{[17994]} لكتمانهم للحق مع علمهم بأنه الحق بأن الخيانة ديدنهم في الأعيان الدنيوية والمعاني الدينية منبهاً على أنهم وإن شاركوا الناس في انقسامهم إلى أمين وخائن فهم يفارقونهم{[17995]} من حيث إن خائنهم يتدين{[17996]} بخيانته ويسندها - مروقاً من ربقة{[17997]} الحياء - إلى الله ، مادحاً للأمين منهم{[17998]} :

{ ومن أهل الكتاب } أي الموصوفين { من إن تأمنه بقنطار } أي من الذهب المذكور في الفريق الآتي { يؤده إليك } غير خائن فيه ، فلا تسوقوا الكل مساقاً واحداً في الخيانة{[17999]} { ومنهم من إن تأمنه بدينار } أي واحد { لا يؤده إليك } في زمن من الأزمان دناءة وخيانة { إلا ما } أي وقت ما{[18000]} { دمت عليه قائماً } تطالبه به غالباً له ، بما دلت{[18001]} عليه أداة الاستعلاء ، ثم استأنف علة{[18002]} الخيانة بقوله : { ذلك } أي الأمر البعيد من الكمال { بأنهم قالوا } كذباً على شرعهم { ليس علينا في الأميين } يعني من ليس له كتاب فليس على دينهم { سبيل } .

ولما كان ترتيب الإثم على شيء إثباتا ونفيا لا يعرف إلا من قبل الله سبحانه وتعالى قال مبينا أن هذا تضمن الكذب على الله تعالى سائقا له على وجه معرف بأنهم أجرأ الناس على الكذب : { ويقولون } أي على سبيل التجديد{[18003]} والاستمرار{[18004]} غير متحاشين{[18005]} { على الله } أي الملك الأعلى { الكذب } أي بهذه الدعوى وغيرها مجترئين{[18006]} عليه .

ولما كان الكذب من عظم{[18007]} القباحة بمكان يظن بسببه أنه لا يجترىء عليه ذو عقل فكيف على الله سبحانه وتعالى قال : { وهم يعلمون * } أي ذوو علم فيعلمون أنه كذب .


[17991]:سقط من ظ ومد.
[17992]:في مد: عطفا.
[17993]:من مد، وفي الأصل وظ: محاربهم.
[17994]:في مد: مكررا.
[17995]:من مد، وفي الأصل وظ: يفارقونه.
[17996]:في ظ: يبدين.
[17997]:من مد، وفي الأصل: ريعة، وفي ظ: ريقة.
[17998]:من ظ ومد، وفي الأصل: فقال.
[17999]:من ظ ، وفي الأصل: الجناية، وسقط من مد.
[18000]:سقط من ظ.
[18001]:زيد بعده في الأصل: له، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[18002]:من ظ ومد، وفي الأصل: على.
[18003]:في الأصل ومد: التحذير، وفي ظ: التحديد.
[18004]:زيد بعده في الأصل: على ، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[18005]:في ظ: متحاثين.
[18006]:من ظ ومد، وفي الأصل: محترمين.
[18007]:في ظ ومد: عظمة.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (75)

قوله تعالى : ( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين ) .

ذلك إخبار من الله عن أهل الكتاب وهم اليهود من بني إسرائيل ، بأن منهم أهل أمانة يؤدونها ولا يخونونها ، ومنهم الخائن أمانته الفاجر في يمينه . وجملة ذلك أن أهل الكتاب فيهم الأمين الذي يؤدي أمانته وإن كانت كثيرة ، وفيهم الخائن الذي لا يؤدي أمانته وإن كانت حقيرة ، ومن كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين بالأولى ، ومن كان خائنا في القليل فهو في الكثير خائن بالأولى .

أما وجه إخبار الله نبيه صلى الله عليه و سلم بذلك فهو تحذير المسلمين من ائتمانهم على أموالهم وتخويفهم من الاغترار بهم لاستحال كثير منهم أموال المؤمنين .

والمؤمنون لا يستطيعون التمييز بين الخائن والأمين من أهل الكتاب ، ومعلوم أن أهل الخيانة فيهم أكثر من أهل الأمانة لخروج الكلام على الغالب فلزم اجتناب جميعهم{[496]} .

قوله : ( لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ) المراد بالقيام هنا : الإلحاح والخصومة والتقاضي والمطالبة : ومعنى الآية أن هذا الخائن لهو من الشح وفساد النفس واستمراء الحرام أنك إن تأمنه على دينار واحد لا يؤده إليك إلا بالمطالبة والملازمة والخصومة والتقاضي لاستخلاص الحق منه . وإذا كان هذا صنيعه في الدينار فإن ما فوقه أولى أن لا يؤديه إليك .

قوله : ( ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ) ( الأميين ) جمع ومفرده الأمي ، وهو من لا يكتب أو من على خلقة الأمة لم يتعلم الكتاب وهو باق عل جبلته ، والأمي منسوب إلى الأم ؛ لأنها أصل الشيء فمن لا يكتب فقد بقي على أصله في أن لا يكتب{[497]} .

وذلك إخبار عن اليهود كانوا إذا بايعوا من على غير ملتهم من العرب أو عاملوهم فإنهم لا يجدون حرجا أو غضاضة في دينهم أن يظلموهم أو يجحدوا حقهم أو يكذبوا عليهم من أجل أن يأكلوا أموالهم بغير حق . وذلك مقتضى قوله تعالى عنهم : ( ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ) أي ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب ( سبيل ) أي حرج أو إثم . وذلك شطط فاضح وغاية في الإفراط المتعصب من غير تبصر ولا يقين ولا ضمير بما يبيح للمتعصبين الغلاة أن يعتدوا على غيرهم من أولي الأديان الأخرى بمختلف صور العدوان ما بين تقتيل وتهجير وتنكيل وأكل للأموال بالباطل .

قوله : ( ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) أي أن هذه المقالة منهم كانت محض افتراء واختلاق ، بل إن ذلك غاية في الإفك والضلالة وهي قولهم : لا جناح علينا في أكل أموال غير اليهود ، لا جرم أن ذلك بهتان وكذب لا يتورع عن مقارفته من هان عليه دينه فعاث فيه تحريفا وتزييفا ، وهانت عليه التوراة فألبسها التزوير والتشويه والخلط ، كل ذلك ( وهم يعلمون ) أي لما قالوا : إن جواز الخيانة مع المخالف مذكور في التوراة كانوا كاذبين في ذلك وكانوا عالمين بأنهم كاذبون فيه ، بل كانوا عالمين أن الخيانة محرمة وإن الخائن آثم .

ولئن كانت هذه الخليقة هي ديدن يهود وطبيعتهم في التعامل والتقاضي مع الآخرين فلا جرم أن لا يكون هؤلاء خليقين بثقة غيرهم من الناس ، ليسوا خليقين بالتصديق في عهد ولا عقد ولا ميثاق . ولا خليقين بالائتمان على الأموال والأنفس والأوطان ، فضلا عن عدم ائتمانهم على القيم والأخلاق والعقائد .

أما المسلمون فلا جرم أنهم موضع الثقة والائتمان الكاملين على البشرية في أديانها وعقائدها وأوطانها وأموالها البشرية بكل دياناتها السماوية المعتبرة .

المسلمون مؤتمنون على رعاية الإنسان ليظل آمنا مطمئنا على نفسه وماله وعرضه ودينه ، سواء كان من اليهود أو النصارى أو المجوس . وأولئك في ظل الإسلام سالمون مكرمون ، وليس لأحد من الناس- مسلما أو غير مسلم- أن يعتدي عليهم أو يمسهم بسوء أو أذى ماداموا أهل ذمام وعهد ولهم حق المواطنة الكاملة .

سأل رجل ابن عباس فقال : إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة . قال ابن عباس : فتقولون ماذا ؟ قال : نقول : ليس علينا بذلك بأس . قال : هذا كما قال أهل الكتاب : ( ليس علينا في الأميين سبيل ) إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم .


[496]:- تفسير الطبري جـ 3 ص 225 وفتح القدير للشوكاني جـ 1 ص 353.
[497]:- القاموس المحيط جـ 4 ص 77 وتفسير الرازي جـ 8 ص 113.