في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (100)

95

أما السياق القرآني فيمضي في معالجة النفوس البشرية ؛ التي تواجه مشاق الهجرة ومتاعبها ومخاوفها ؛ وتشفق من التعرض لها . وقد عالجها في الآيات السابقة بذلك المشهد المثير للاشمئزاز والخوف معا . فهو يعالجها بعد ذلك ببث عوامل الطمأنينة - سواء وصل المهاجر إلى وجهته أو مات في طريقه - في حالة الهجرة في سبيل الله ، وبضمان الله للمهاجر منذ ان يخرج من بيته مهاجرا في سبيله . ووعده بالسعة والمتنفس في الأرض والمنطلق ، فلا تضيق به الشعاب والفجاج :

( ومن يهاجر - في سبيل الله - يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة . ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله - ثم يدركه الموت - فقد وقع أجره على الله . وكان الله غفورا رحيما ) . .

إن المنهج الرباني القرآني يعالج في هذه الآية مخاوف النفس المتنوعة ؛ وهي تواجه مخاطر الهجرة ؛ في مثل تلك الظروف التي كانت قائمة ؛ والتي قد تتكرر بذاتها أو بما يشابهها من المخاوف في كل حين .

وهو يعالج هذه النفس في وضوح وفصاحة ؛ فلا يكتم عنها شيئا من المخاوف ؛ ولا يداري عنها شيئا من الأخطار - بما في ذلك خطر الموت - ولكنه يسكب فيها الطمأنينة بحقائق أخرى وبضمانة الله سبحانه وتعالى . .

فهو أولا يحدد الهجرة بأنها ( في سبيل الله ) . . وهذه هي الهجرة المعتبرة في الإسلام . فليست هجرة للثراء ، أو هجرة للنجاة من المتاعب ، أو هجرة للذائذ والشهوات ، أو هجرة لأي عرض من أعراض الحياة . ومن يهاجر هذه الهجرة - في سبيل الله - يجد في الأرض فسحة ومنطلقا فلا تضيق به الأرض ، ولا يعدم الحيلة والوسيلة . للنجاة وللرزق والحياة :

( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ) . .

وإنما هو ضعف النفس وحرصها وشحها ؛ يخيل إليها أن وسائل الحياة والرزق ، مرهونة بأرض ، ومقيدة بظروف ، ومرتبطة بملابسات لو فارقتها لم تجد للحياة سبيلا .

وهذا التصور الكاذب لحقيقة أسباب الرزق وأسباب الحياة والنجاة ؛ هو الذي يجعل النفوس تقبل الذل والضيم ، وتسكت على الفتنة في الدين ؛ ثم تتعرض لذلك المصير البائس . مصير الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم . والله يقرر الحقيقة الموعودة لمن يهاجر في سبيل الله . . إنه سيجد في أرض الله منطلقا وسيجد فيها سعة . وسيجد الله في كل مكان يذهب إليه ، يحييه ويرزقه وينجيه . .

ولكن الأجل قد يوافي في أثناء الرحلة والهجرة في سبيل الله . . والموت - كما تقدم في سياق السورة - لا علاقة له بالأسباب الظاهرة ؛ إنما هو حتم محتوم عندما يحين الأجل المرسوم . وسواء أقام أم هاجر ، فإن الأجل لا يستقدم ولا يستأخر .

غير أن النفس البشرية لها تصوراتها ولها تأثراتها بالملابسات الظاهرة . . والمنهج يراعي هذا ويعالجه . فيعطي ضمانة الله بوقوع الأجر على الله منذ الخطوة الأولى من البيت في الهجرة إلى الله ورسوله :

( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله - ثم يدركه الموت - فقد وقع أجره على الله )

أجره كله . أجر الهجرة والرحلة والوصول إلى دار الإسلام والحياة في دار الإسلام . . فماذا بعد ضمان الله من ضمان ؟

ومع ضمانة الأجر التلويح بالمغفرة للذنوب والرحمة في الحساب . وهذا فوق الصفقة الأولى .

وكان الله غفورا رحيمًا .

إنها صفقة رابحة دون شك . يقبض فيها المهاجر الثمن كله منذ الخطوة الأولى - خطوة الخروج من البيت مهاجرا إلى الله ورسوله - والموت هو الموت . في موعده الذي لا يتأخر . والذي لا علاقة له بهجرة أو إقامة . ولو أقام المهاجر ولم يخرج من بيته لجاءه الموت في موعده . ولخسر الصفقة الرابحة . فلا أجر ولا مغفرة ولا رحمة . بل هنالك الملائكة تتوفاه ظالما لنفسه !

وشتان بين صفقة وصفقة ! وشتان بين مصير ومصير !

ويخلص لنا من هذه الآيات التي استعرضناها من هذا الدرس - إلى هذا الموضع - عدة اعتبارات ، نجملها قبل أن نعبر إلى بقية الدرس وبقية ما فيه من موضوعات .

يخلص لنا منها مدى كراهية الإسلام للقعود عن الجهاد في سبيل الله ؛ والقعود عن الانضمام للصف المسلم المجاهد . . اللهم إلا من عذرهم الله من أولي الضرر ، ومن العاجزين عن الهجرة لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (100)

ولما رهب من ترك الهجرة ، رغب فيها بما يسلي{[22453]} عما قد يوسوس به الشيطان من أنه لو فارق رفاهية الوطن وقع في شدة الغربة ، وأنه{[22454]} ربما تجشم المشقة فاخترم{[22455]} قبل بلوغ القصد ، فقال تعالى : { ومن يهاجر } أي يوقع الهجرة لكل ما أمر الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بهجرته { في سبيل الله } أي الذي لا أعظم من ملكه ولا أوضح من سبيله ولا أوسع { يجد في الأرض } أي في{[22456]} ذات الطول والعرض { مراغماً } أي مهرباً ومذهباً ومضطرباً{[22457]} يكون موضعاً للمراغمة ، يغضب الأعداء به ويرغم أنوفهم بسبب ما يحصل له من الرفق وحسن الحال ، فيخجل {[22458]}مما جروه{[22459]} من سوء معاملتهم له ؛ من الرغم وهو الذل والهوان ، وأصله : لصوق الأنف بالرغام وهو التراب ، تقول : راغمت{[22460]} فلاناً ، أي هجرته وهو يكره مفارقتك لذلة تلحقه بذلك .

ولما كان ذلك الموضع وإن كان واحداً فإنه لكبره ذو أجزاء عديدة ، وصف بما يقتضي العدد فقال { كثيراً } .

ولما كانت المراغمة لذة الروح ، فكانت أعز من لذة البدن فقدمها ؛ أتبعها قوله : { وسعة } أي في الرزق ، كما{[22461]} قال صلى الله عليه وسلم " صوموا تصحوا{[22462]} وسافروا تغنموا{[22463]} " أخرجه الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه " واغزوا ، وهاجروا تفلحوا " .

ولما كان ربما مات المهاجر قبل وصوله إلى النبي صلى الله عليه وسلم فظن أنه لم يدرك الهجرة مع تجشمه لفراق{[22464]} بلده قال : { ومن يخرج من بيته } أي فضلاً عن بلده { مهاجراً إلى الله } أي رضى الملك الذي له الكمال كله { ورسوله } أي ليكون عنده { ثم يدركه الموت } أي بعد خروجه من بيته ولو قبل الفصول{[22465]} من بلده { فقد وقع أجره } أي في هجرته بحسب الوعد فضلاً ، لا بحسب الاستحقاق عدلاً { على الله } أي الذي له تمام الإحاطة فلا ينقصه شيء ، وكذا كل من نوى خيراً ولم يدركه " لا حسد إلا في اثنتين " فهو موفيه إياه توفية ما يلتزمه الكريم منكم .

ولما كان بعضهم{[22466]} ربما قصر به عن البلوغ توانيه في سيره أو عن خروجه من بلده فظن أن هجرته هذه لم تجبُر تقصيره قال : { وكان الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { غفوراً } أي لتقصير إن كان { رحيماً * } يكرم{[22467]} بعد المغفرة بأنواع الكرامات .


[22453]:من مد، وفي الأصل وظ: يسعى ـ كذا.
[22454]:في ظ: إنما.
[22455]:في ظ: واحترم.
[22456]:ليس في مد.
[22457]:في ظ: مطربا ـ كذا.
[22458]:من مد، وفي الأصل: مهاجرون، وفي ظ: مهاجروه ـ كذا.
[22459]:من مد، وفي الأصل: مهاجرون، وفي ظ: مهاجروه ـ كذا.
[22460]:من مد، وفي الأصل وظ: راغب.
[22461]:سقط من ظ.
[22462]:رواه الإمام أحمد في مسند أبي هريرة رضي الله عنه 2/ 380 بما نصه "سافروا تصحوا واغزوا تستغنوا".
[22463]:في ظ: نفضوا ـ كذا، والعبارة من هنا إلى "واغزوا تغنموا" ساقطة منه.
[22464]:في ظ: بفراق.
[22465]:في ظ: الوصول.
[22466]:في ظ: بعضكم.
[22467]:من ظ ومد، وفي الأصل: تكرم.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (100)

قوله تعالى : ( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مرغما كثيرا وسعة من يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما ) .

ذلك تحريض من الله على الهجرة والخروج من أرض الفتنة إلى حيث الأمن وسلامة الدين والنفس وحيث العبادة والتحدّث في أمر الإسلام لتثبيته ونشره في الآفاق . وفي التحريض وعد من الله سبحانه بأن من يهاجر سوف يجد في الأرض مراغما كبيرا . وجاء في معنى المراغم بأنها التحوّل من أرض إلى أرض أو المتزحزح عما يؤدي أو الذهاب في الأرض . وقيل المبتغى للعيش وفي قول آخر مستنبط من الكلمة اشتقاقا وهو أن المراغم من الإرغام في غلبة وقهر . وكأن المؤمن المهاجر قد غمس أنوف المشركين في الرغام ( التراب ) حينما وجد مندوحة عن موطن قهرهم لحصوله بالهجرة على المنعة والتحصين{[818]} .

قوله : ( وسعة ) بمعنى الزرق والغنى بعد القلّة والضيق . وفي ذلك طمأنة للمؤمن الذي تحيط به الفتنة وسوء العذاب فيخرج مهاجرا في سبيل الله إلى حيث الأمن والسلامة . إنها طمأنة له كيلا يضطرب أو يتزعزع فيتثاقل إلى البقاء والاستدامة في أرض الضلال والإغواء خشية منه على الرزق أو هربا من عواقب الضيق والفاقة تحيق به إذا ما هاجر . فمن خلال هاتيك الظنون والهواجس التي قد تساور المسلم ينشر الله وعده بأن من يهاجر في سبيله سوف يجد في الأرض من الفضل والسعة ما يمكنه من العيش في هناءة وارتياح ، وأنه لن يكون في عداد الهائمين المضيعين . فالله ضمين لعباده الأتقياء الصابرين أن يدرأ عنهم كل أشكال العوادي والبوائق .

قوله : ( ومن يخرج من بيته مهاجرا . . . ) جاء في سبب نزولها جملة أقوال لعلّ أقواها ما ورد في ضمرة بن جندب فقد خرج من مكة مهاجرا إلى رسول الله ( ص ) فمات في الطريق قبل أن يصل . وقيل غير ذلك{[819]} .

وتدل الآية على أن من يخرج من بيته مهاجرا في سبيل الله لا في سبيل مغنم أو دنيا ، ثم مات في الطريق ( فقد وقع أجره على الله ) أي حصل له عند الله من الثواب ما يساوي ثواب من هاجر . والحساب في ذلك أصلا يدور مع النية وهي أساس القبول والرضوان من الله جل وعلا ، وهي المثابة التي توزن في ضوئها أفعال العباد وأقوالهم فينالون أجورهم كاملة غير منقوصة . وثمة حديث عظيم نظل نعرض له باستمرار لأهميته وخطورته وهو ما ثبت في كتب الصحاح والمسانيد والسنن جميعا بإسناد عن عمر بن الخطاب عن النبي ( ص ) أنه قال : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " .

ولذلك فإن من يحمل بين جوانحه قصدا للخير أو نية في التصرف الصالح فإن أجره محسوب ولو لم يتمكن من تحقيق ذلك بالفعل . وقد أخرج الإمام أحمد رضي الله عنه بإسناده عن عبد الله بن عتيك قال : سمعت رسول الله ( ص ) يقول : " من خرج من بيته مجاهدا في سبيل الله ، ثم قال : وأين المجاهدون في سبيل الله ، فخرّ عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله ، أو لدغته دابة فمات فقد وقع أجره على الله ، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله " .

وفي حديث آخر أخرجه الحافظ أبو يعلى بإسناده عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( ص ) : " من خرج حاجا فمات كتب له أجر الحاجّ إلى يوم القيامة ، ومن خرج متعمرا فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة ، ومن خرج غازيا في سبيل الله فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة " {[820]} .


[818]:- تفسير النسفي جـ 1 ص 246 وتفسير البيضاوي ص 124
[819]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 119.
[820]:- تفسير الطبري جـ 5 ص 147-154 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 541- 543.