ذلك في علاقات المسلمين مع المعسكرات الأخرى . فأما في علاقات المسلمين بعضهم ببعض ، مهما اختلفت الديار - وفي ذلك الوقت كما في كل وقت كان هناك مسلمون في شتى الديار - فلا قتل ولا قتال . . لا قتل إلا في حد أو قصاص . . فإنه لا يوجد سبب يبلغ من ضخامته أن يفوق ما بين المسلم والمسلم من وشيجة العقيدة . ومن ثم لا يقتل المسلم المسلم أبدا . وقد ربطت بينهما هذه الرابطة الوثيقة . اللهم إلا أن يكون ذلك خطأ . . وللقتل الخطأ توضع التشريعات والأحكام . فأما القتل العمد فلا كفارة له . لأنه وراء الحسبان ! ووراء حدود الإسلام !
وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ . ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله - إلا أن يصدقوا - فإن كان من قوم عدو لكم - وهو مؤمن - فتحرير رقبة مؤمنة . وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة . فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين . توبة من الله . وكان الله عليما حكيمًا .
( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ، وغضب الله عليه ولعنه ، وأعد له عذابا عظيمًا ) . .
وهذه الأحكام تتناول أربع حالات : ثلاث منها من حالات القتل الخطأ - وهو الأمر المحتمل وقوعه بين المسلمين في دار واحدة - دار الإسلام - أو في ديار مختلفة بين شتى الأقوام - والحالة الرابعة حالة القتل العمد . وهي التي يستبعد السياق القرآني وقوعها ابتداء . فليس من شأنها أن تقع . إذ ليس في هذه الحياة الدنيا كلها ما يساوي دم مسلم يريقه مسلم عمدا . وليس في ملابسات هذه الحياة الدنيا كلها ما من شأنه أن يوهن من علاقة المسلم بالمسلم إلى حد أن يقتله عمدا . وهذه العلاقة التي أنشأها الإسلام بين المسلم والمسلم من المتانة والعمق والضخامة والغلاوة والإعزاز بحيث لا يفترض الإسلام أن تخدش هذا الخدش الخطير أبدا . . ومن ثم يبدأ حديثه عن أحكام القتل الخطأ :
( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ) . .
فهذا هو الاحتمال الوحيد في الحس الإسلامي . . وهو الاحتمال الحقيقي في الواقع . . فإن وجود مسلم إلى جوار مسلم مسألة كبيرة . كبيرة جدا . ونعمة عظيمة . عظيمة جدا . ومن العسير تصور أن يقدم مسلم على إزالة هذه النعمة عن نفسه ؛ والإقدام على هذه الكبيرة عن عمد وقصد . . إن هذا العنصر . . المسلم . . عنصر عزيز في هذه الأرض . . وأشد الناس شعورا بإعزاز هذا العنصر هو المسلم مثله . . فمن العسير أن يقدم على إعدامه بقتله . . وهذا أمر يعرفه أصحابه . يعرفونه في نفوسهم ومشاعرهم . وقد علمهم الله إياه بهذه العقيدة . وبهذه الوشيجة . وبهذه القرابة التي تجمعهم في رسول الله [ ص ] ثم ترتقي فتجمعهم في الله سبحانه الذي ألف بين قلوبهم . ذلك التأليف الرباني العجيب .
فأما إذا وقع القتل خطأ فهناك تلك الحالات الثلاث ، التي يبين السياق أحكامها هنا :
الحالة الأولى : أن يقع القتل على مؤمن أهله مؤمنون في دار الإسلام . ويجب في هذه الحالة تحرير رقبة مؤمنة ، ودية تسلم إلى أهله . . فأما تحرير الرقبة المؤمنة ، فهو تعويض للمجتمع المسلم عن قتل نفس مؤمنة باستحياء نفس مؤمنة . وكذلك هو تحرير الرقاب في حس الإسلام . وأما الدية فتسكين لثائرة النفوس ، وشراء لخواطر المفجوعين ، وتعويض لهم عن بعض ما فقدوا من نفع المقتول . . ومع هذا يلوح الإسلام لأهل القتيل بالعفو -إذا اطمأنت نفوسهم إليه - لأنه أقرب إلى جو التعاطف والتسامح في المجتمع المسلم .
ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ، ودية مسلمة إلى أهله - إلا أن يصدقوا . .
والحالة الثانية : أن يقع القتل على مؤمن وأهله محاربون للإسلام في دار الحرب . . وفي هذه الحالة يجب تحرير رقبة مؤمنة لتعويض النفس المؤمنة التي قتلت ، وفقدها الإسلام . ولكن لا يجوز أداء دية لقومه المحاربين ، يستعينون بها على قتال المسلمين ! ولا مكان هنا لاسترضاء أهل القتيل وكسب مودتهم ، فهم محاربون ، وهم عدو للمسلمين .
والحالة الثانية : أن يقع القتل على مؤمن قومه معاهدون - عهد هدنة أو عهد ذمة - ولم ينص على كون المقتول مؤمنا في هذه الحالة . مما جعل بعض المفسرين والفقهاء يرى النص على إطلاقه . ويرى الحكم بتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله - المعاهدين - ولو لم يكن مؤمنا . لأن عهدهم مع المؤمنين يجعل دماءهم مصونة كدماء المسلمين .
ولكن الذي يظهر لنا أن الكلام ابتداء منصب على قتل المؤمن . ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ) . . ثم بيان للحالات المتنوعة التي يكون فيها القتيل مؤمنا . وإذا كان قد نص في الحالة الثانية فقال : إن كان من قوم عدو لكم - وهو مؤمن فقد كان هذا الاحتراز مرة أخرى بسبب ملابسة أنه من قوم عدو . ويؤيد هذا الفهم النص على تحرير رقبة مؤمنة في هذه الحالة الثالثة . مما يوحي بأن القتيل مؤمن فأعتقت رقبة مؤمنة تعويضا عنه . وإلا لكفى عتق رقبة إطلاقا دون شرط الإيمان . .
وقد ورد أن النبى [ ص ] ودى بعض القتلى من المعاهدين : ولكن لم يرد عتق رقاب مؤمنة بعددهم . مما يدل على أن الواجب في هذه الحالة هو الدية . وأن هذا ثبت بعمل رسول الله [ ص ] لا بهذه الآية . وأن الحالات التي تتناولها هذه الآية كلها هي حالات وقوع القتل على مؤمن . سواء كان من قوم مؤمنين في دار الإسلام ، أو من قوم محاربين عدو للمسلمين في دار الحرب ، أو من قوم بينهم وبين المسلمين ميثاق . . ميثاق هدنة أو ذمة . . وهذا هو الأظهر في السياق .
ولما بين أقسامهم بياناً ظهر منه أن أحوالهم ملبسة ، وأمر بقتالهم مع الاجتهاد في تعرف{[22295]} أحوالهم ، وختم بالتسلط عليهم ، وكان ربما قتل{[22296]} من لا يستحق القتل بسبب الإلباس ؛ أتبع ذلك بقوله المراد {[22297]}به التحريم{[22298]} ، مخرجاً له في صورة النفي المؤكد بالكون لتغليظ الزجر عنه لما للنفوس عند الحظوظ من الدواعي إلى القتل :
{ وما كان لمؤمن } أي يحرم عليه { أن يقتل مؤمناً } أي في حال من الحالات { إلا خطأ } أي في حالة الخطأ بأن لا يقصد{[22299]} القتل ، أو لا يقصد الشخص ، أو يقصده بما لا يقصد به زهوق الروح ، أو{[22300]} لا يقصد ما هو ممنوع منه كمن يرمي إلى صف الكفار وفيهم مسلم ، أو بأن يكون غير مكلف ، فإن القتل على هذا الوجه ليس بحرام ، وهذا الذي ذكره في أقسام المنافقين إشارة إلى أنه ينبغي التثبت و {[22301]} والتحري في جميع أمر القتل متى احتمل أن يكون القاتل مؤمناً احتمالاً لا تقضي العادة بقربه ، فلزم من ذلك بيان حكم الخطأ ، ولام الاختصاص قد تطلق على ما لا مانع منه " فإنما{[22302]} هي لك أو لأخيك أو للذئب " وكأنه عبر به ليفيد بإيجاب الكفارة والدية غاية الزجر عن قتل المؤمن ، لأنه إذا كان هذا جزاء ما هو له فما الظن بما ليس له ! فقال تعالى :
{ ومن قتل مؤمناً } صغيراً كان أو كبيراً ، ذكراً كان أو أنثى ، ولعله عبَّر سبحانه وتعالى بالوصف تنبيهاً على أنه{[22303]} إن لم يكن كذلك{[22304]} في نفس الأمر{[22305]} لم يكن عليه شيء في نفس الأمر{[22306]} وإن ألزم به في الظاهر .
{ خطأ } . ولما كان الخطأ مرفوعاً عن هذه الأمة ، فكان لذلك{[22307]} يظن أنه لا شيء على المخطىء ؛ بين أن الأمر{[22308]} في القتل ليس كذلك حفظاً{[22309]} للنفوس ، لأن الأمر فيها خطر جداً ، فقال - مغلظاً عليه حثاً على زيادة النظر والتحري عند فعل ما قد يقتل - : { فتحرير } أي فالواجب عليه تحرير { رقبة } أي نفس ، عبر بها عنها لأنها لا تعيش بدونها كاملة الرق { مؤمنة } ولو ببيع{[22310]} الدار أو البساتين{[22311]} ، سليمة عما يخل بالعمل ، وقدم التحرير هنا حثاً على رتق ما خرق من حجاب العبد ، وإيجاب ذلك في الخطأ إيجاب له في العمد بطريق الأولى{[22312]} ، وكأنه لم يذكره في العمد لأنه تخفيف في الجملة والسياق للتغليظ .
{ ودية مسلّمة } أي مؤداة بيسر وسهولة { إلى أهله } أي ورثته{[22313]} يقتسمونها كما يقسم الميراث { إلا أن يصدّقوا } أي يجب ذلك عليه في كل حال إلا في حال تصدقهم بالعفو عن القاتل بإبرائه من الدية ، فلا شيء عليه حينئذ ، وعبر بالصدقة ترغيباً { فإن كان } أي المقتول { من قوم } أي فيهم منعة{[22314]} { عدو لكم } أي محاربين { وهو } أي والحال أنه { مؤمن فتحرير } أي فالواجب على القاتل تحرير { رقبة مؤمنة } وكأنه عبر بذلك إشارة إلى التحري في جودة إسلامها ، وقد أسقط هذا حرمة نفسه بغير الكفارة بسكناه في دار الحرب التي هي دار الإباحة أو وقوعه في صفهم ، ولعده{[22315]} في عدادهم قال :
{ من } ومعناه{[22316]} - كما قال{[22317]} الشافعي وغيره تبعاً لابن عباس رضي الله تعالى عنهما - : في { وإن كان } أي{[22318]} المقتول { من قوم } أي كفرة أيضاً عدو لكم { بينكم وبينهم ميثاق } وهو كافر مثلهم { فدية } أي فالواجب فيه كالواجب في المؤمن المذكور قبله دية { مسلّمة إلى أهله } على حسب دينه ، إن كان كتابياً فثلث دية المسلم ، وإن كان مجوسياً فثلثا عشرها{[22319]} { وتحرير رقبة مؤمنة } وكأنه قدم الدية هنا إشارة إلى{[22320]} المبادرة بها حفظاً للعهد ، ولتأكيد أمر التحرير بكونه ختاماً كما كان افتتاحاً حثاً{[22321]} على الوفاء به ، لأنه أمانة {[22322]}لا طالب له{[22323]} إلا الله ؛ وقال الأصبهاني : إن سر ذلك أن إيجابه{[22324]} في المؤمن أولى من الدية ، وبالعكس ها هنا - انتهى .
وكان سره{[22325]} النظر إلى خير الدين{[22326]} في المؤمن ، {[22327]}وإلى{[22328]} حفظ العهد في الكافر { فمن لم يجد } أي الرقبة ولا{[22329]} ما يتوصل به إليها { فصيام } أي فالواجب عليه صيام { شهرين متتابعين } حتى لو أفطر يوماً واحداً{[22330]} بغير حيض أو {[22331]}نفاس وجب الاستئناف ، وعلل ذلك بقوله عادا للخطأ - بعد التعبير عنه باللام{[22332]} المقتضية أنه مباح - ذنباً{[22333]} تغليظاً للحث على مزيد الاحتياط : { توبة } أي أوجب ذلك عليكم لأجل قبول التوبة { من الله } أي الملك الأعظم الذي كل شيء في قبضته .
ولما كان الكفارات من المشقة على النفس بمكان ، رغب فيها{[22334]} سبحانه وتعالى بختم الآية بقوله : { وكان الله } أي المحيط بصفات الكمال { عليماً } أي بما يصلحكم في الدنيا والآخرة ، وبما يقع خطأ في نفس الأمر أو عمداً ، فلا يغتر أحد بنصب الأحكام بحسب الظاهر { حكيماً * } في {[22335]}نصبه{[22336]} الزواجر بالكفارات وغيرها ، فالزموا أوامره وباعدوا زواجره لتفوزوا بالعلم والحكمة .
قوله تعالى : ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ، وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) .
المعنى : لا ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ، أو لا يصح ولا يستقيم ولا يليق به أن يقتل مؤمنا ابتداء . والاستثناء هنا منقطع . ومعنى " إلا " لكن . وتقدير الجملة كما ذهب سيبويه وغيره هو : ليس لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة ، لكن إن قتله خطأ فعليه كذا وكذا{[805]} .
وقال صاحب الكشاف : والمعنى أن من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتة إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد بأن يرمي كافرا فيصيب مسلما أو يرمي شخصا على أنه كافر فإذا هو مسلم .
وقوله : ( وما كان ) لا يفيد النفي ، بل يفيد التحريم والنهي . ولو كان في ذلك نفي لانتفى بذلك حدوث القتل العمد مع أن ذلك حاصل وموجود . وضروب الخطأ كثيرة مردّها جميعا إلى عدم القصد . ومن جملة الخطأ أن يعمد المسلم إلى رمي المشركين ثم يصيب مسلما فيقتله ، أو أن يقصد بالرمي غرضا من الأغراض فيصيب مسلما ، أو أن يحمل على مستحق القتل فيرمي غيره وهو يظن أنه المستحق للقتل . ومثال ذلك كثير . والمعلوم أن المسلم مصون الدم إلا بإحدى ثلاث كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أن النبي ( ص ) قال : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والثيّب الزاني ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " حتى إنه ليس لأحد من الناس أن يحمل على واحد من هؤلاء الثلاثة ليقتله ، بل إن ذلك من شأن الدولة المسلمة فهي التي قد نيط بها تنفيذ العقوبات سواء في ذلك القصاص أو الحدود أو التعزير . وإذا كان لكل فرد أن يتصرف مندفعا ليقتل من يستحق القتل آل الأمر إلى فوضى وتسيّب .
وقتل المؤمن خطأ يجب فيه تحرير رقبة مؤمنة ثم الدية التي يتسلمها أهله . أما الرقبة فهي العبد فإنه إذا تحرر فهو كأنما تنبعث فيه الحياة المتحركة بعد موات وركود ناشئين عن مهانة العبودية أو هو بمثابة انعتاق لإنسان مؤمن لينتشر في الأرض حرا نشطا بعد استرقاق . ولا جرم أن يتضمن هذا الإعتاق تلافيا لنكسة يمنى بها المجتمع نتيجة لموت امرئ مؤمن وافتقاده من على وجه الأرض وفي ذلك من الخسارة على الأمة الإسلامية ما يوجب سدا لهذه الثغرة بتشريع الإعتاق وهو على سبيل الجبر لما حل به من كسر . وشرط الرقبة أن تكون مؤمنة ، إذ لا يجزئ الكافر وهو ظاهر الآية . أما أوصاف الرقبة وشروطها من أجل أن تجزئ وذلك من حيث الصغر والكبر أو من حيث السلامة والعيوب وغير ذلك فإن ذلك موضع خلاف العلماء .
والإعتاق فيه التطهير للقاتل عما اقترفه من تقصير قد أدّى إلى هلاك امرئ مسلم وكان عليه أن يحتاط ويأخذ زمام الحرص كيلا يقع في خطورة القتل لكنه قد ترك الحرص والحر وأهمل الاحتياط والتنبيه الذي ينبغي أن يسبق القتل فقتل فلزمه بذلك أن يضطلع بالعتق جزاء بما فرّط وجبرا لما أحدث من زوال لكائن مسلم يعبد الله ويدين له في خضوع واستسلام .
أما الدية بكسر الدال . ومنه الفعل : ودى يدي . نقول وداه أي أعطى ديته{[806]} . فهي ما يعطي لولي القتيل عوضا عن دمه . وقوله : ( مسلّمة ) أي مؤداه ومدفوعة . وإيجابها في الآية ينطوي على إجمال غير مبيّن وتبيين ذلك تفصيلا إنما يؤخذ من السنّة النبوية . وبذلك فلا مندوحة عن السنّة وأقوال الفقهاء من المجتهدين من أجل الوقوف على نوعية ما يعطي للوليّ ليكون دية ثم إيجابها على العاقلة بدلا من القاتل نفسه . وهي تجب على العاقلة لا على سبيل العقاب لهم وإنما على سبيل المؤازرة والمواساة فقط .
وتفصيل ذلك أن الدية مقدّرة بمائة من الإبل كما ثبت في أخبار الرسول ( ص ) فقد روي في الموطأ أن رسول الله ( ص ) كتب كتابا لعمرو بن حزم في العقول ( الديات ) فكتب " أن في النفس مائة من الإبل " . وإذا لم يكن هناك إبل قدّرت الدية بالذهب وهي ألف دينار ، أو بالفضة إذا لم يتيسر الذهب وهي من الفضة اثنا عشر ألف درهم . وتلك خلاصة ما ذهب إليه الفقهاء في هذه المسألة استنادا إلى السنة الصحيحة والاستنباط السليم . وهو تقدير للدية في ضوء ما ثبت في الخبر الصحيح ، فقد أخرج النسائي عن عمرو بن حزم أن رسول الله ( ص ) كتب إلى أهل اليمن " وأن في النفس مائة من الإبل وعلى أهل الذهب ألف دينار " .
وكذلك أخرج أبو داود عن ابن عباس " أن رجلا من بني عدي قُتل فجعل النبي ( ص ) ديته اثني عشر ألفا " يعني من الدراهم . أما التقدير بالنقد في العصر الحديث فهو شأن يناط بأهل الخبرة من ذوي الاختصاص حتى يمكن الكشف عن كمية الدية على نحو محدد ومضبوط .
والدية في القتل الخطأ تجب على العاقلة وذلك ما قضى به الرسول ( ص ) وهو إجماع العلماء . والعاقلة معناها عصبته أي أقرباؤه من طريق الذكورة . وهي في اللغة من العقل بمعنى المنع والحبس . فالعاقلة هم الأقربون الذين يمنعون قريبهم من الاعتداء عليه أو التمكن منه . والعقل على لسان الفقهاء معناه الدية . وسميت الدية عقلا ؛ لأنها تعقل الدماء من أن تسفك{[807]} .
والمقدار من الدية الذي تلتزم بأدائه العاقلة ما جاوز الثلث ، فالثلث يؤديه القاتل نفسه والثلثان الآخران يقوم بدفعهما الأقربون وهم ما يعرفون بالعاقلة . وذلك قول المالكية والحنابلة وآخرين . فالعاقلة تحمل من الدية ما يبلغ الثلث أو أكثر . وما كان دون ذلك فيتحمله الجاني في ماله .
واستدلوا لذلك بما روي عن ابن عباس مرفوعا أن النبي ( ص ) قال : " لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا اعترافا ولا صلحا ولا ما دون الثلث " .
أما الحنفية فقالوا : إنما تحمل العاقلة ما كان نصف عشر الدية فأكثر . واستدلوا بحديث ابن عباس مرفوعا أنه " لا تعقل العواقل عمدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما دون أرش الموضحة " وقالوا : أرش الموضحة ما بلغ نصف عشر بدل النفس . أما ما نقص عن نصف عشر الدية فهو في مال الجاني .
أما الشافعية فقالوا : تجب الدية على العاقلة مهما كان قدرها ، سواء كانت قليلة أم كثيرة . وحجتهم في ذلك أن النبي ( ص ) " قضى على العاقلة بالدية " وإطلاق ذلك يوجب الدية كلها على العاقلة{[808]} .
ولا تقدم الدية للولي دفعة واحدة فإن في ذلك مشقة وإرهاقا وإنما تقدم على دفعات من خلال ثلاث سنوات يقوم بأدائها من يعقل عن الجاني .
وإذا كان القتيل جنينا فثمّة تفصيل . فإن مات في بطن أمه وذلك أن تضرب أمه على بطنها فتلقيه حيا ثم يموت ففيه الدية كاملة كما لو كان كبيرا .
أما ما تعلم به حياته فقد اتفق العلماء على أنه يعتبر حيا فيما إذا ارتضع أو تنفّس بعد نزوله وكذلك إذا استهل صارخا أي جاء يبكي كعادة المولود لدى نزوله . فإن كانت الحالة كذلك فإن الدية تجب كاملة . لكن الشافعي وأبا حنيفة قد قالا بكفاية أدنى حركة لتدل على أنه حي . وخالف الإمام مالك في ذلك واشترط أن تقترن حياته لدى نزوله بطول الإقامة ليقضي فيه حينئذ بالدية كاملة . ذلك إذا ألقته أمه حيا ثم مات . أما إذا ألقته ميتا بسبب ضرب أو غيره فإن فيه غرة وهي عشر دية الأم . وذلك لما رواه المغيرة بن شعبة أن امرأتين لزوجين من الأنصار قد تغايرتا فضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها فاختصم إلى النبي ( ص ) الرجلان فقالا : ندي من لا صاح ولا أكل ولا شرب ولا استهل فمثل ذلك يطلّ . أي كيف ندفع دية لمخلوق ليس كالأحياء من حيث الصياح أو الأكل أو الشرب ولم يستهل فإن من كان كذلك يطلّ أي يهدر دمه فقال النبي ( ص ) مستنكرا : " أسجع كسجع الأعراب " فقضى فيه غرة وجعلها على عاقلة المرأة . فإن كانت دية المرأة على العاقلة فإن غرة الجنين على العاقلة كذلك من باب القياس .
وإن ماتت الأم وبقي الجنين في بطنها فلا شيء فيه . وكذلك إذا خرج من بطنها ميتا بعد موتها فلا شيء فيه أيضا ، وذلك موضع اتفاق العلماء وقيل إجماعهم . وخالف داود الظاهري في هذا وقال : إذا خرج الجنين ميتا بعد موت أمه فإن فيه الغرّة يستوي ذلك أن تلقيه الأم قبل موتها أو بعده ما دامت قد ضربت على بطنها وهي حية فالحكم هنا منوط بحياتها عند الضرب . وما أجمع عليه العلماء هو الصحيح ويعزز ذلك القياس وهو أنه لو ضربت الأم على بطنها وهي حية فماتت وهي حامل من غير أن ينزل الجنين فإنه لا شيء فيه . فالحكم نفسه إذا سقط الجنين بعد موتها .
وقد اتفق العلماء على أن الجنين إذا سقط حيا ثم مات فإنه تجب فيه الكفارة ( عتق رقبة ) والدية . أما إذا سقط الجنين ميتا فهل تجب فيه كفارة ؟ ذلك موضع خلاف . فقد ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن فيه الغرّة مع الكفارة . وخالفهما الإمام مالك إذ استحسن الكفارة استحسانا دون وجوب . وقال الحنفية : لا كفارة في الجنين ؛ لأن الشرع إنما أوجب الكفارة في النفس المطلقة .
وفي ميراث الغرّة عن الجنين خلاف . فقد قيل إنها ( الغرّة ) موروثة عن الجنين بمعنى أن الجنين قد توفي عن مال الغرة فأصبح هذا المال من نصيب ورثة الجنين على النحو المبين في كتاب الله وسنة نبيه ( ص ) . وذلك قول المالكية والشافعية والحنابلة .
وفي قول آخر بأن الغرّة من نصيب الأم وحدها . وتوجيه ذلك أن الجنين بمثابة عضو من أعضاء أمه ، وإسقاطه يعتبر من باب الجناية الواقعة عليها ( الأم ) فاستحقّت بذلك الغرّة بدلا عما أصابها وهو قول أبي حنيفة ، وقيل غير ذلك{[809]} .
قوله : ( إلا أن يصدقوا ) أصلها يتصدقوا من التصدّق وهو الإعطاء . ومعنى ذلك أن يبرئ أولياء القتيل خصمهم القاتل مما لهم في ذمته من دية . والأصل في ذلك أن الدية حق للأولياء الورثة فلهم حق التنازل عن هذا الحق وإبراء من وجب في ذمته شيء من هذا الحق . لكن الكفارة لا حق لأحد في التنازل عنها ؛ لأنها حق الله وليست حقا للعباد . فالقاتل خطأ تظل ذمته مشغولة بحق من حقوق الله ، وتلك هي الكفارة وهي تحرير رقبة مؤمنة ، ولا تبرأ هذه الذمة بعفو من الأولياء أو إبرائهم وإنما بالتحرير . وهو إذا ما حرر رقبة مؤمنة فإنه يتدارك ليقيم مؤمنا عتيقا مقام مؤمن آخر قد تسبب في قتله وقطعه من جماعة المؤمنين الذين يعبدون الله .
قوله : ( فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ) إذا كان القتيل خطأ من قوم كافرين يعادون المسلمين فإن فيه الإعتاق فقط ولا دية هنا ؛ وذلك لأن في الدية تقوية للأعداء على المسلمين . وأضاف بعضهم وجها آخر وهو ضعف حرمة هذا المؤمن الذي رضي البقاء في حومة الكافرين ولم يعمل على تخليص نفسه من إيذائهم وفتنتهم له . والله سبحانه يقول : ( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من وليتهم من شيء حتى يهاجروا ) .
قوله : ( وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين . . . ) .
ثمة قولان في حقيقة القتيل : فهل المقصود به أنه مؤمن من أولي ميثاق مع المسلمين ، أم أنه ذمي أو معاهد من قوم أولي ميثاق ؟ ويأخذ بكل من هذين القولين فريق من العلماء ، لكن الذي يترجح للمحقق القول الأول وهو أن الذي يقتل خطأ وهو مؤمن إن كان من قوم أولي ميثاق أو معاهدين فقد وجب فيه شيئان أولهما : الدية تدفع لورثة القتيل ويضطلع بأدائها عاقلة القاتل . ثانيهما : تحرير رقبة مؤمنة ، وهو إعتاقها مثلما بينا سابقا . ووجه هذا القول الراجح أنه لو كان المقصود بالقتيل أن يكون ذميا من أولي ميثاق لما لزم وجوب الكفارة على القاتل وهو تحرير رقبة . ذلك أن تحرير الرقبة كما أوضحنا في حينه يشكّل عملية تعويض لإنسان بإنسان . فثمة إنسان عابد لله قد مات ثم حرّر إنسان عابد آخر من رق العبودية ليقوم مقامه . وذلك هو المعنى المفهوم في عملية التحرير .
وتجب الدية للقتيل خطأ في أحوال كثيرة منها : أن يقود احدهما الآخر فيسقط في حفرة أو بئر ثم يقع أحدهما على الآخر فيقتله . أو يسقط أحد الناس من أعلى على آخر في الأسفل فيموت الساقط أو الذي أسقط عليه . أو اثنان تصادما فمات أحدهما لشدة الصدمة . أو الفارسان يصطدمان فيموتان كلاهما أو يموت أحدهما . أو السفينة التي تجنح إلى الغرق بفعل القيادة السيئة ونتيجة للإهمال . أو السيارة تصدم أحد المارّة فإن كان ذلك عمدا ففيه القصاص ، وإن كان خطأ ففيه الدية والكفّارة . وغير ذلك كثير من الأمثلة والنماذج على القتل الخطأ مما ليس موضعه هنا{[810]} .
قوله : ( فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ) الذي لا يملك الرقبة وليس له مال يشتريها به وجب عليه أن يصوم شهرين على التتابع بغير انقطاع إلا لعذر شرعي مقبول كالحيض والنفاس والمرض . أما السفر فهو موضع خلاف من حيث كونه عذرا مشروعا . وغير ذلك من المعاذير لا تبرر قطع الصوم فلو صام شهرا ثم أفطر وجب عليه الاستئناف .
وثمة رأي بأن المقصود بغير الموجود هنا الدية مع الكفارة . وذلك قول ضعيف ومرجوح ؛ لأن الدية في القتل الخطأ إنما تجب على العاقلة فلا يلزم منه إذن وجوب الصيام لشهرين متتابعين ما دامت الدية على العاقلة لا القاتل . وبذلك فإن المقصود بغير الموجود هو تحرير الرقبة فقط{[811]} .
قوله : ( توبة من الله وكان الله عليما حكيما ) كذلك يتوب القاتل خطأ إذا لم يجد الكفارة وهي عتق رقبة ، وذلك أن شهرين متتابعين بغير انقطاع جزاء لإهماله وعدم تحرّره . وقوله : ( توبة ) منصوب على المفعول المطلق ، أو المفعول لأجله . ( وكان الله ) في الأزل الممتد والأبد الأبيد المديد . وهو سبحانه عالم بما يصلح عليه حال الناس من تشريع وحكم . أو من أوامر وزواجر . وهو كذلك له الكلمة البالغة فيما أوجب من تكليف أو فيما يصدر عنه من أمر ونهي فإنه في ذلك كله أحكم الحاكمين وأعلم العالمين .
وترد مسألة في باب الخطأ في القتل وهي ما لو قتل جماعة واحدا خطأ . فهل تجب الكفارة عليهم مجتمعين أم أنها واجبة على كل واحد منهم بمفرده . جاء في ذلك قولان ظاهران . أولهما : أن الكفارة تجب على كل واحد من هؤلاء الذين قتلوا خطأ وذلك ما ذهب إليه الحسن البصري والنخعي ومالك والشافعي وابن حنبل والحنفية . ثانيهما : أن القاتلين مجتمعين تجب عليهم كفارة واحدة فقط ، وهو قول طائفة من العلماء . إلا أن القول الأول هو الراجح لسببين : الأول : أن إيجاب الكفّارة على كل واحد من القاتلين لهو أوقع في نفس القاتل وأشد تأثيرا فيه بدلا عما اقترفه من تقصير وعدم تحفّظ واهتمام . لكن اشتراك الجميع في كفّارة واحدة أمر تتبسط به الكفارة كثيرا كيلا يبقى تأثير بعدها في نفس الجاني وهو المقصود من الكفارة . الثاني : أن كل واحد من القاتلين قد أسهم بنفسه في عملية القتل وشارك فيها مع الآخرين . وأن كل واحد منهم لو لم يقم بدوره في عملية القتل لما وقع القتل نفسه . وذلك يستوجب لزوم الكفارة على كل واحد من القاتلين{[812]} .