وحين يستيقظ ضمير الإنسان ، ويتطلع إلى الكون من حوله ، فإذا هو مسخر له ، إما مباشرة ، وإما بموافقة ناموسه لحياة البشر وحوائجهم ؛ ويتأمل فيما حوله فإذا هو صديق له برحمة الله ، معين بقدرة الله الله ، ذلول له بتسخير الله . . حين يستيقظ ضمير الإنسان فيتطلع ويتأمل ويتدبر . لا بد يرتجف ويخشع ويسجد ويشكر ، ويتطلع دائما إلى ربه المنعم : حين يكون في الشدة ليبدله منها يسرا ، وحين يكون في الرخاء ليحفظ عليه النعماء .
والنموذج الكامل للإنسان الذاكر الشاكر هو أبو الأنبياء . إبراهيم . الذي يظلل سمته هذه السورة ، كما تظللها النعمة وما يتعلق بها من شكران أو كفران . . ومن ثم يأتي به السياق في مشهد خاشع ، يظلله الشكر ، وتشيع فيه الضراعة ، ويتجاوب فيه الدعاء ، في نغمة رخية متموجة ، ذاهبة في السماء .
( وإذ قال إبراهيم : رب اجعل هذا البلد آمنا ، واجنبني وبني أن نعبد الأصنام . رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ، فمن تبعني فإنه مني ؛ ومن عصاني فإنك غفور رحيم . ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ، ربنا ليقيموا الصلاة ، فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون . ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن ، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء . الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ، إن ربي لسميع الدعاء . رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ، ربنا وتقبل دعاء . ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ) . .
إن السياق يصور إبراهيم - عليه السلام - إلى جوار بيت الله الذي بناه في البلد الذي آل إلى قريش ، فإذا بها تكفر فيه بالله ، مرتكنة إلى البيت الذي بناه بانيه لعبادة الله ! فيصوره في هذا المشهد الضارع الخاشع الذاكر الشاكر ، ليرد الجاحدين إلى الاعتراف ، ويرد الكافرين إلى الشكر ، ويرد الغافلين إلى الذكر ، ويرد الشاردين من أبنائه إلى سيرة أبيهم لعلهم يقتدون بها ويهتدون .
( رب اجعل هذا البلد آمنا ) . .
فنعمة الأمن نعمة ماسة بالإنسان ، عظيمة الوقع في حسه ، متعلقة بحرصه على نفسه . والسياق يذكرها هنا ليذكر بها سكان ذلك البلد ، الذين يستطيلون بالنعمة ولا يشكرونها وقد استجاب الله دعاء أبيهم إبراهيم فجعل البلد آمنا ، ولكنهم هم سلكوا غير طريق إبراهيم ، فكفروا النعمة ، وجعلوا لله أندادا ، وصدوا عن سبيل الله . ولقد كانت دعوة أبيهم التالية لدعوة الأمن :
( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) . .
ويبدو في دعوة إبراهيم الثانية تسليم إبراهيم المطلق إلى ربه ، والتجاؤه إليه في أخص مشاعر قلبه . فهو يدعوه أن يجنبه عبادة الأصنام هو وبنيه ، يستعينه بهذا الدعاء ويستهديه . ثم ليبرز أن هذه نعمة أخرى من نعم الله . وإنها لنعمة أن يخرج القلب من ظلمات الشرك وجهالاته إلى نور الإيمان بالله وتوحيده . فيخرج من التيه والحيرة والضلال والشرود ، إلى المعرفة والطمأنينة والاستقرار والهدوء . ويخرج من الدينونة المذلة لشتى الأرباب ، إلى الدينونة الكريمة العزيزة لرب العباد . . إنها لنعمة يدعو إبراهيم ربه ليحفظها عليه ، فيجنبه هو وبنيه أن يعبد الأصنام .
ولما انقضى المأمور به من القول لكافر{[45121]} النعمة وشاكرها وسبب ذلك والدليل عليه ، وبان أنه خالق الموجودات كلها وربها ، فلا يصح أصلاً أن يكون شيء منها شريكاً . أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يذكرهم بأيام الله عند أبيهم إبراهيم عليه السلام للدلالة على تبديلهم النعمة ظلماً منهم وكفراً ، في أسلوب دال على البعث ، مشير إلى وجوب براءتهم من{[45122]} الأصنام حيث كان محط حالهم فيها{[45123]} تقليد الآباء وهو أعظم آبائهم ، وإلى ما سنه لهم من إقامتهم{[45124]} الصلاة وشكرهم لنعمه بالانفاق وغيره ، فقال ناعياً عليهم - مع{[45125]} المخالفة لصريح العقل وقاطع النقل عقوق أبيهم الأعظم ، عطفاً على { قل لعبادي{[45126]} الذين آمنوا } أو{[45127]} على { وإذ قال موسى لقومه } : { وإذ } أي واذكر لهم مذكراً بأيام الله خبر إبراهيم إذ{[45128]} { قال إبراهيم رب } أي أيها المحسن إليّ بإجابة دعائي في جعل القفر الذي وضعت{[45129]} به ولدي بلداً عظيماً .
ولما كان السياق لإخراج الرسل{[45130]} من محالهم ، وكان ذلك مفهماً لأن المحل الذي يقع الإخراج منه بلد يسكن فيه ، واتبعه سبحانه بأن المتعرضين{[45131]} بدلوا نعمة الله - بما أسكن فيه من الأمن بعد جعله له بلداً - بما أحدثوا فيه من الإخافة لخير أهله ، ومن الإنذار لمن أنعم عليهم بكل ما فيه من الخير ، كان الأنسب تعريفه فقال : { اجعل هذا البلد } أي{[45132]} الذي يريدون إخراج الرسول منه { آمناً } أي ذا أمن بأمان أهله ، وكأن هذا الدعاء{[45133]} صدر منه{[45134]} بعد أن سكن الناس مكة وصارت مدينة ، والذي في البقرة{[45135]} كان حيث وضع ابنه{[45136]} بها مع أمه وهي خالية عن ساكن ، فدعا أن يجعلها الله بلداً ، وأن يجعلها بعد ذلك موصوفة بالأمن ، وهو سكون النفس إلى زوال{[45137]} الضر .
ولما دعا بالأمن من فساد الأموال والأبدان ، أتبعه الدعاء بالأمن من{[45138]} فساد الأديان{[45139]} ، فقال : { واجنبني } أي اصرفني { وبني } أي لصلبي ، {[45140]} وأسقط البنات إشارة إلى الاستقلال ، وإنما هن تابعات دائماً{[45141]} { أن نعبد } أي عبادة مستمرة تكون موجبة للنار { الأصنام * } أي اجعلنا في جانب غير جانب عبادتها ، والصنم : المنحوت على خلقة البشر ، وما كان منحوتاً على غير خلقة البشر{[45142]} فهو وثن - قاله الطبري عن مجاهد{[45143]} ؛
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.