البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ} (35)

جنب مخففاً ، وأجنب رباعياً لغة نجد ، وجنب مشدداً لغة الحجاز ، والمعنى : منع ، وأصله من الجانب .

{ وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام .

رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم } : مناسبة هذه الآية لما قبلها : أنه تعالى لما ذكر التعجيب من الذين بدلوا نعمة الله كفراً ، وجعلوا لله أنداداً وهم قريش ومن تابعهم من العرب الذين اتخذوا آلهة من دون الله ، وكان من نعم الله عليهم إسكانه إياهم حرمه ، أردف ذلك بذكر أصلهم إبراهيم ، وأنه صلوات الله عليه دعا الله تعالى أن يجعل مكة آمنة ، ودعا بأنْ يجنب بنيه عبادة الأصنام ، وأنه أسكنه وذريته في بيته ليعبدوه وحده بالعبادة التي هي أشرف العبادة وهي الصلاة ، لينظروا في دين أبيهم ، وأنه مخالف لما ارتكبوه من عبادة الأصنام ، فيزدجروا ويرجعوا عنها .

وتقدم الكلام على قوله هنا هذا البلد معرفاً ، وفي البقرة منكراً .

وقال الزمخشري : هنا سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون ، وفي الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن ، كأنه قال : هو بلد مخوف ، فاجعله آمناً انتهى .

ودعا إبراهيم أولاً بما هو على طاعة الله تعالى ، وهو كون محل العابد أمناً لا يخاف فيه ، إذ يتمكن من عبادة الله تعالى ، ثم دعا ثانياً بأن يجنب هو وبنوه من عبادة الأصنام .

ومعنى واجنبني وبني : أدمني وإياهم على اجتناب عبادة الأصنام .

وأراد بقوله : وبنىَّ أولاده ، من صلبه الأقرباء .

وأجابه الله تعالى فجعل الحرم آمناً ، ولم يعبد أحد من بنيه الأقرباء لصلبه صنماً .

قال سفيان بن عيينة : وقد سئل ، كيف عبدت العرب الأصنام ؟ قال : ما عبد أحد من ولد إسماعيل صنماً وكانوا ثمانية ، إنما كانت لهم حجارة ينصبوها ويقولون : حجر ، فحيث ما نصبوا حجراً فهو بمعنى البيت ، فكانوا يدورن بذلك الحجر ويسمونه الدوار انتهى .

قال ابن عطية : وهذا الدعاء من الخليل عليه السلام يقتضي إفراط خوفه على نفسه ، ومن حصل في رتبته فكيف يخاف أن يعبد صنماً ؟ لكن هذه الآية ينبغي أن يقتدي بها في الخوف وطلب الخاتمة .