ويمضي السياق يصور وسوسة الشيطان للمشركين وإغراءهم بهذا الخروج الذي نالهم منه ما نالهم من الذل والخيبة والخسار والانكسار :
( وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ، وقال : لا غالب لكم اليوم من الناس ، وإني جار لكم . فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه ، وقال : إني بريء منكم ، إني أرى ما لا ترون ، إني أخاف الله ، والله شديد العقاب ) . .
ولقد وردت في هذه الآية والحادث الذي تشير إليه عدة آثار ؛ ليس من بينها حديث عن رسول الله [ ص ] إلا ما رواه مالك في الموطأ : حدثنا أحمد بن الفرج ، قال : حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون ، قال : حدثنا مالك ، عن إبراهيم بن أبي عبلة ، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز : أن رسول الله [ ص ] قال : " ما رئي إبليس يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة ، وذلك مما يرى من تنزيل الرحمة والعفو عن الذنوب ، إلا ما رأى يوم بدر " ! قالوا : يا رسول الله وما رأى يوم بدر ? قال : " أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة " . .
وفي هذا الأثر عبد الملك بن عبدالعزيز بن الماجشون ، وهو ضعيف الحديث ، والخبر مرسل . فأما سائر الآثار فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - من طريق علي بن أبي طلحة وطريق ابن جريج . وعن عروة بن الزبير من طريق ابن إسحاق . وعن قتادة من طريق سعيد بن جبير . وعن الحسن وعن محمد بن كعب . وهذه أمثلة منها من رواية ابن جرير الطبري :
حدثني المثنى ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه راية ، في صورة رجل من بني مدلج ، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم . فقال الشيطان للمشركين : " لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم " . . فلما اصطف الناس أخذ رسول الله [ ص ] قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين ، فولوا مدبرين . وأقبل جبير إلى إبليس ، فلما رآه ، وكانت يده في يد رجل من المشركين ، انتزع إبليس يده فولى مدبراً هو وشيعته ، فقال الرجل : يا سراقة ، تزعم أنك لنا جار ? قال : ( إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب )وذلك حين رأى الملائكة .
حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة قال : قال ابن إسحاق : حدثني يزيد بن رومان . عن عروة بن الزبير قال : لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر - يعني من الحرب - فكاد ذلك أن يثنيهم . فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي ، وكان من أشراف كنانة ، فقال :
أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه . فخرجوا سراعاً .
حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ( وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم )إلى قوله : ( شديد العقاب ) قال : ذكر لنا أنه رأى جبريل تنزل معه الملائكة فزعم عدو الله أنه لا يد له بالملائكة ، وقال : ( إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله ) . . وكذب والله عدو الله ، ما به مخافة الله ، ولكن علم أن لا قوة له ولا منعة له ، وتلك عادة عدو الله لمن أطاعه واستقاد له ، حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم شر مسلم ، وتبرأ منهم عند ذلك .
ونحن - على منهجنا في هذه الظلال - لا نتعرض لهذه الأمور الغيبية بتفصيل لم يرد به نص قرآني أو حديث نبوي صحيح متواتر . فهي من أمور لاعتقاد التي لا يلتزم فيها إلا بنص هذه درجته . ولكننا في الوقت ذاته لا نقف موقف الإنكار والرفض . .
وفي هذا الحديث نص قرآني يثبت منه أن الشيطان زين للمشركين أعمالهم ، وشجعهم على الخروج بإعلان إجارته لهم ونصرته إياهم ؛ وأنه بعد ذلك - لما تراءى الجمعان أي بريء منكم إني رأى أحدهما الآخر - ( نكص على عقبيه وقال : إني أرى ما لا ترون ، إني أخاف الله ، والله شديد العقاب ) . . فخذلهم وتركهم يلاقون مصيرهم وحدهم ، ولم يوف بعهده معهم . .
ولكننا لا نعلم الكيفية التي زين لهم بها أعمالهم ، والتي قال لهم بها : لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم . والتي نكص بها كذلك وقال ما قاله بعد ذلك . .
الكيفية فقط هي التي لا نجزم بها . ذلك أن أمر الشيطان كله غيب ؛ ولا سبيل لنا إلى الجزم بشيء في أمره إلا في حدود النص المسلم . والنص هنا لا يذكر الكيفية إنما يثبت الحادث . .
فإلى هنا ينتهي اجتهادنا . ولا نميل إلى المنهج الذي تتخذه مدرسة الشيخ محمد عبده في التفسير من محاولة تأويل كل أمر غيبي من هذا القبيل تأويلا معينا ينفي الحركة الحسية عن هذه العوالم . وذلك كقول الشيخ رشيد رضا في تفسير الآية :
( وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم ، وقال : لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ) . . أي واذكر أيها الرسول للمؤمنين ، إذ زين الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوسته ، وقال لهم بما ألقاه في هواجسهم : لا غالب لكم اليوم من الناس ، لا أتباع محمد الضعفاء ولا غيرهم من قبائل العرب ، فأنتم أعز نفرا وأكثر نفيرا وأعظم بأسا ، وإني مع هذا - أو والحال أني - جار لكم . قال البيضاوي في تفسيره : وأوهمهم أن اتباعهم إياه ، فيما يظنون أنها قربات ، مجير لهم ، حتى قالوا : اللهم انصر أهدى الفئتين وأفضل الدينين " .
( فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه ) . . أي فلما قرب كل من الفريقين المتقاتلين من الآخر ، وصار بحيث يراه ويعرف حاله ، وقبل أن يلقاه في المعركة ويصطلي نار القتال معه ، نكص : أي رجع القهقرى ، وتولى إلى الوراء وهو جهة العقبين [ أي مؤخري الرجلين ] وأخطأ من قال من المفسرين : إن المراد بالترائي التلاقي - والمراد : أنه كف عن تزيينه لهم وتغريره إياهم ، فخرج الكلام مخرج التمثيل بتشبيه وسوسته بما ذكر بحال المقبل على الشيء ؛ وتركها بحال من ينكص عنه ويوليه دبره . ثم زاد على هذا ما يدل على براءته منهم ، وتركه إياهم وشأنهم وهو [ وقال : إني بريء منكم ، إني أرى ما لا ترون ، إني أخاف الله ] أي تبرأ منهم وخاف عليهم ، وأيس من حالهم لما رأى إمداد الله المسلمين بالملائكة [ والله شديد العقاب ] يجوزأن يكون هذا من كلامه ويجوز أن يكون مستأنفاً " .
. . . " أقول : معنى هذا أن جند الشيطان الخبيث كانوا منبثين في المشركين يوسوسون لهم بملابستهم لأرواحهم الخبيثة ما يغريهم ويغرهم ؛ كما كان الملائكة منبثين في المؤمنين يلهمونهم بملابستهم لأرواحهم الطيبة ما يثبتون به قلوبهم ويزيدهم ثقة بوعد الله بنصرهم . . . " .
وهذا الميل الظاهر إلى تفسير أفعال الملائكة بأنها مجرد ملابسة لأرواح المؤمنين ؛ وقد جزم في موضع آخر بأن الملائكة لم تقاتل يوم بدر على الرغم من قول الله تعالى : ( فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان )- وتفسير فعل الشيطان بأنه مجرد ملابسة لأرواح المشركين . . هو منهج تلك المدرسة بجملتها . . ومثله تفسير " الطير الأبابيل " بأنها ميكروبات الجدري ! في تفسير الشيخ محمد عبده لجزء عم . . هذا كله مبالغة في تأويل هذه النصوص المتعلقة بأمور غيبية ؛ حيث لا ضرورة لهذا التأويل ، لأنه ليس هناك ما يمنع من الدلالة الصريحة للألفاظ فيها . . وكل ما ينبغي هو الوقوف وراء النصوص بلا تفصيلات لا تدل عليها دلالة صريحة . . وهو المنهج الذي اتخذناه فعلاً . .
ولما كان بين لهم فساد أعمالهم لفساد نياتهم تنفيراً منها ، زاد في التنفير بالإشارة إلى الأمر بدوام تذكرها بعاطف على غير معطوف عليه مذكور فقال ؛ { وإذ } فعلم أن التقدير قطعاً : اذكروا ذلك واذكروا إذ ، وزاد في التنفير بذكر العدو المبين والتنبيه على أن كل ما يأمر به إنما هو خيال لا حقيقة له كما{[35093]} كان ما سول لهم في{[35094]} هذا الأمر فقال : { زين لهم الشيطان } أي العدو المحترق البعيد من الخير { أعمالهم } التي أتقنوها بزعمهم في معاداة النبي صلى الله عليه وسلم{[35095]} ، وذلك أنه تبدى لهم في صورة{[35096]} سراقة بن مالك بن جعشم الكناني حين خافوا من قومه بني كنانة أن يخلفوهم في أهليهم{[35097]} بسوء لما كان بينهم مما يوجب ذلك ، فكاد ذلك أن يثبطهم عن المسير { وقال } غارّاً لهم في أنفسهم { لا غالب لكم } والجار خبر { لا } وإلاّ لا انتصب اسمها لكونه يكون إذ ذاك شبيهاً بالمضاف { اليوم من الناس } وغارّاً لهم فيمن خلفوه بقوله : { وإني جار لكم } من أن تخلفكم كنانة بشيء تكرهونه ، وسار معهم إلى بدر{[35098]} ينشطهم و{[35099]} ينشدهم ويسلطهم{[35100]} بهذا القول الظاهر إلى ما{[35101]} يوسوس لهم به في الصدور { فلما تراءت الفئتان } أي رأت كل فئة الأخرى ورأى جبريل عليه السلام في{[35102]} جنود الله{[35103]} { نكص } أي رجع يمشي القهقرى وبطل كيده وآثار وسوسته { على عقبيه } أي إلى ورائه{[35104]} ، فقالوا أين أي{[35105]} سراق ؟ ولا يظنونه إلا سراقة ، فمر ولم يجبهم ولا عرج عليهم { وقال } أي بلسان الحال أو القال وهو يسمعونه أو لا يسمعونه { إني بريء منكم } ثم علل براءته منهم بقوله : { إني أرى } أي بعين بصري { ما لا ترون } أي من الملائكة والغضب الذي هو{[35106]} نازل بكم ، فقال له الحارث بن هشام وكانت يده في يده : {[35107]}والله{[35108]} ما نرى إلا جواسيس يثرب ! فاستأنف قوله مؤكداً لإنكارهم لذلك : { إني أخاف الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً أن يهلكني معكم بالمعاجلة بالعقاب { والله } أي الملك الأعظم { شديد العقاب* } فكانوا يقولون : انهزم بنا سراقة ، فقال ؛ بلغني أنكم تقولون كذا ! والله ما علمت بمسيركم هذا{[35109]} إلا عندما بلغني انهزامكم فكانوا يكذبونه حتى أسلموا فعلموا أن الذي غرهم الشيطان ، وذلك مشهور في السير ، وهو أولى من أن يحمل على مجرد الوسوسة ، وفي الحديث " ما رئي إبليس يوماً أصغر ولا أحقر ولا أغيظ من يوم عرفة لما يرى من نزول الرحمة إلا ما رئي{[35110]} يوم بدر