في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (119)

111

وفي ظل قصة التوبة على الذين ترددوا والذين تخلفوا ؛ وفي ظل عنصر الصدق البادي في قصة الثلاثة الذين خلفوا ؛ يجيء الهتاف للذين آمنوا جميعاً أن يتقوا اللّه ويكونوا مع الصادقين في إيمانهم من أهل السابقة ؛ ويجيء التنديد بتخلف أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ، مع الوعد بالجزاء السخي للمجاهدين :

( يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه وكونوا مع الصادقين . ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول اللّه ، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل اللّه ، ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار ، ولا ينالون من عدو نيلاً ، إلا كتب لهم به عمل صالح ، إن اللّه لا يضيع أجر المحسنين . ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ، ولا يقطعون وادياً ، إلا كتب لهم ، ليجزيهم اللّه أحسن ما كانوا يعملون ) . .

إن أهل المدينة هم الذين تبنوا هذه الدعوة وهذه الحركة ، فهم أهلها الأقربون . وهم بها ولها . وهم الذين آووا رسول اللّه - [ ص ] - وبايعوه ؛ وهم الذين باتوا يمثلون القاعدة الصلبة لهذا الدين في مجتمع الجزيرة كله . وكذلك القبائل الضاربة من حول المدينة وقد أسلمت ؛ وباتت تؤلف الحزام الخارجي للقاعدة . . فهؤلاء وهؤلاء ليس لهم أن يتخلفوا عن رسول اللّه ، وليس لهم أن يؤثروا أنفسهم على نفسه . . وحين يخرج رسول اللّه - [ ص ] - في الحر أوالبرد . في الشدة أو الرخاء . في اليسر أو العسر . ليواجه تكاليف هذه الدعوة وأعباءها ، فإنه لا يحق لأهل المدينة ، أصحاب الدعوة ، ومن حولهم من الأعراب ، وهم قريبون من شخص رسول اللّه - [ ص ] - ولا عذر لهم في ألا يكونوا قد علموا ، أن يشفقوا على أنفسهم مما يحتمله رسول اللّه [ ص ] .

من أجل هذه الاعتبارات يهتف بهم أن يتقوا اللّه وأن يكونوا مع الصادقين ، الذين لم يتخلفوا ، ولم تحدثهم نفوسهم بتخلف ، ولم يتزلزل إيمانهم في العسرة ولم يتزعزع . . وهم الصفوة المختارة من السابقين والذين اتبعوهم بإحسان :

( يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه وكونوا مع الصادقين ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (119)

ولما كان الذي نالوا به الإقبال من مولاهم عليهم - مما وصفهم به من الضيق وما معه{[37363]} - هو التقوى والصدق في الإيمان كما كان ما يجده{[37364]} الإنسان في نفسه مما الموت عنده والقذف في النار أحب إليه من التلفظ به صريح الإيمان بشهادة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، رغب سبحانه في الصدق فقال : { يا أيها الذين آمنوا } أي ادعوا ذلك { اتقوا الله } أي خافوا سطوة من له العظمة الكاملة تصديقاً لدعواكم فلا تفعلوا إلا ما يرضيه { وكونوا } أي كوناً صادقاً بجميع الطبع والجبلة { مع الصادقين* } أي في كل أمر يطلب منهم{[37365]} ، ولعله أخرج الأمر مخرج العموم ليشمل كل مؤمن ، فمن كان مقصراً كانت آمرة له باللحاق ، ومن كان مسابقاً{[37366]} كانت حاثة له على حفظ مقام الاستباق ، ولعله عبر ب { مع } ليشمل أدنى الدرجات ، وهو الكون بالجثت ، وقد روى البخاري توبة كعب أحد هؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم في مواضع من صحيحه منها التفسير ، وكذا رواه غيره عن كعب نفسه رضي الله عنه " أنه لم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط غير غزوتين : غزوة العسرة{[37367]} - يعني هذه - وغزوة بدر ، وأن تخلفه ببدر إنما كان لأن النبي صلى الله عليه وسلم{[37368]} لم يندب الناس إليها {[37369]}ولا حثهم عليها{[37370]} لأنه ما خرج أولاً إلا لأجل العير ، قال{[37371]} : فأجمعت صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان قل ما يقدم من سفر سافره إلا ضحى ، وكان يبدأ بالمسجد فيركع ركعتين ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبي - يعني مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي - ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا ، فاجتنب{[37372]} الناس كلامنا فلبثت كذلك حتى طال عليَّ الأمر ، وما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلي عليّ النبي صلى الله عليه وسلم أو يموت النبي صلى الله عليه وسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلي عليّ ، فأنزل الله عز وجل توبتنا على نبيه صلى الله عليه وسلم حين بقي الثلث الآخر من الليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة رضي الله عنها ، وكانت أم سلمة محسنة في شأني معنية{[37373]} في أمري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ياأم سلمة ! تيب على كعب ، قالت : أفلا أرسل إليه فأبشره ؟ قال : إذن يحطمكم الناس فيمنعوكم النوم سائر الليلةحتى إذا صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر آذن بتوبة الله علينا{[37374]} ، وكان إذا استبشر استنار{[37375]} وجهه حتى كأنه{[37376]} قطعة من القمر ، وكنا - أيها الثلاثة الذين خلفوا - خلفنا عن الأمر الذي قبل من هؤلاء الذين اعتذروا حين أنزل الله لنا التوبة ، فلما ذكر الذين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المتخلفين واعتذروا بالباطل ذكروا بشر{[37377]} ما ذكر به أحد ، قال الله عز وجل { يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم } " .


[37363]:زيد من ظ.
[37364]:في ظ: حده.
[37365]:في ظ: منه.
[37366]:في ظ: سابقا.
[37367]:من صحيح البخاري كتاب التفسير والسياق له، وفي ظ: الصرة ـ كذا.
[37368]:زيد من ظ.
[37369]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[37370]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[37371]:من ظ، وفي الأصل: فقال.
[37372]:في ظ: فاجتنبت.
[37373]:في ظ وصحيح البخاري بعلامة النسخة: معينة.
[37374]:سقط من ظ.
[37375]:في ظ: نار ـ كذا.
[37376]:من ظ والصحيح، وفي الأصل: كان.
[37377]:من ظ والصحيح، وفي الأصل: بنشر.