وبينما نحن معهم على هذه الأرض في استنباء وجواب . إذا نحن فجأة - مع السياق في نقلة من نقلات الأسلوب القرآني المصور - في ساحة الحساب والجزاء . مبدئياً على وجه الفرض والتقدير .
ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به . .
فلا يقبل منها حتى على فرض وجوده معها .
ولا تكتمل الآية حتى يكون الفرض قد وقع وقضي الأمر :
( وأسروا الندامة لما رأوا العذاب ) . .
أخذتهم وهلة المفاجأة فسقط في أيديهم ، والتعبير يرسم للخيال صورة الكمد يظلل الوجوه ، دون أن تنطق الشفاه !
( وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ) . .
وانتهى المشهد الذي بدأ منذ نصف آية فرضاً وانتهى واقعاً ، على طريقة التصوير القرآني المؤثر المثير .
{ لا فتدت به } : لقدمته فداء لها .
{ وأسروا الندامة } : أخفوها في أنفسهم على ترك الإِيمان والعمل الصالح .
{ وقضي بينهم بالقسط } : أي حكم الله بينهم بالعدل .
ما زال السياق في بيان أن ما وعد الله تعالى به المشركين من العذاب هو آت لا محالة إن لم يؤمنوا وإنه عذاب لا يطاق فقال تعالى { ولو أن لكل نفس ظلمت } أي نفسها بالشرك والمعاصي ، لو أن لها ما في الأرض من مال صامت وناطق وقبل منها لقدمته فداء وقدر رأوا النار { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } أي أخفوها في صدروهم ولم ينطقوا بها وهي ندمهم الشديد على عدم إيمانهم واتباعهم للرسول صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى { وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } أي وقضى الله تعالى أي حكم بين الموحدين والمشركين والظالمين والمظلومين بالقسط الذي هو العدل الإِلهي والحال أنهم لا يظلمون بأن يؤاخذوا بما لم يكسبوا .
- عظم عذاب يوم القيامة حتى إن الكافر ليود أن يفتدى منه بما في الأرض جميعاً .
قوله تعالى : { ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } أي ولو أن لكل نفس كفرت بالله أو أشركت به غيره من الآلهة والأنداد ، ما في الأرض من المال والملك والنفائس والذخائر { لافتدت به } أي لجعلته فدية لها من العذاب فتنجو بنفسها مما حل بها . ومثل هذه الأمنية ليس إلا ضربا من الحلم الشاطح يراود المجرمين الخاسرين يوم القيامة وهم تحيط بهم كل ظواهر اليأس والذعر والوجل وانخلاع القلوب ؛ فلا يغنيهم من عذاب الله حينئذ مال ولا سلطان ولا غير ذلك من مفاخر الدنيا .
قوله : { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } أي أخفى رؤساء المشركين والخاسرين ندامتهم عن أتباعهم من الوضعاء والسفلة والرعاع إحساسا بالخزي والافتضاح والمعرة أمامهم ، وكيلا يوبخهم ؛ لأنهم أضلوها . وهذا إذا أيقنوا أن عذاب الله واقع وقبل أن يكبكبوا في النار ؛ فهم قبل الكبكبة والاصطلاء والتحريق قد بقي فيهم بقية من القدرة على التصنع والمكابرة يكشف عنها استسرارهم الندامة في أنفسهم وإخفاؤها عن أتباعهم الرعاع . حتى إذا سقطوا في النار جميعا ذهب التصنع والمكابرة وغاروا في الإياس والندامة وخواء القلوب .
قوله : { وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } أي قضي الله بين هؤلاء الرؤساء من الكافرين وأتباعهم بالعدل { وهم لا يظلمون } الجملة في محل نصب حال ؛ فالله لا يظلم أحدا مثقال ذرة . فما جوزوا به من العذاب كان سببه ما كسبوه من الكفر والمعاصي{[1998]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.