في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ} (61)

26

لا يشكرون . . والله هو المطلع على السرائر ، المحيط بكل مضمر وظاهر ، الذي لا يغيب عن علمه ولا يبعد عن متناوله مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء . . هذه هي اللمسة الجديدة للمشاعر والضمائر في السياق ، ليخرج منها إلى طمأنة الرسول [ ص ] ومن معه بأنهم في رعايته وولايته ، لا يضرهم المكذبون ، الذين يتخذون مع الله شركاء وهم واهمون :

وما تكون في شأن ، وما تتلو منه من قرآن ، ولا تعملون من عمل ، إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه ؛ وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين . ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . الذين آمنوا وكانوا يتقون . لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، لا تبديل لكلمات الله ، ذلك هو الفوز العظيم . ولا يحزنك قولهم ، إن العزة لله جميعاً ، هو السميع العليم ، ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ، وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ، إن يتبعون إلا الظن ، وإن هم إلا يخرصون . هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً ، إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون .

إن الشعور بالله على النحو الذي تصوره الآية الأولى من هذا السياق :

وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ، ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه . . شعور مطمئن ومخيف معاً ، مؤنس ومرهب معاً . . وكيف بهذا المخلوق البشري وهو مشغول بشأن من شؤونه يحس أن الله معه ، شاهدً أمره وحاضر شأنه . الله بكل عظمته ، وبكل هيبته ، وبكل جبروته ، وبكل قوته . الله خالق هذا الكون وهو عليه هين . ومدبر هذا الكون ما جل منه وما هان . . الله مع هذا المخلوق البشري . الذرة التائهة في الفضاء لولا عناية الله تمسك بها وترعاها ! إنه شعور رهيب . ولكنه كذلك شعور مؤنس مطمئن . إن هذه الذرة التائهة ليست متروكة بلا رعاية ولا معونة ولا ولاية . . إن الله معها :

( وما تكون في شأن ، وما تتلو منه من قرآن ، ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه . . )

إنه ليس شمول العلم وحده ، ولكن شمول الرعاية ، ثم شمول الرقابة . .

( وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ) . .

ويسبح الخيال مع الذرات السابحة في الأرض أو في السماء - ومعها علم الله - ومع ما هو أصغر من الذرة وأكبر محصوراً في علم الله . . ويرتعش الوجدان إشفاقاً ورهبة ، ويخشع القلب إجلالاً وتقوى ، حتى يطامن الإيمان من الروعة والرهبة ؛ ويهدهد القلب الواجف بأنس القرب من الله .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ} (61)

شرح الكلمات :

{ وما تكون في شأن } : أي في أمر عظيم .

{ شهوداً إذْ تفيضون فيه } : أي تأخذون في القول أو العمل فيه .

{ وما يعزب عن ربك } : أي يغيب .

{ من مثقال ذرة } : أي وزن ذرة والذرة أصغر نملة .

{ إلا في كتاب مبين } : أي اللوح المحفوظ ومبين أي واضح .

المعنى :

وقوله تعالى { وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن } أي وما تكون يا رسولنا في أمر من أمورك الهامة وما تتلو من القرآن من آية أو آيات في شأن ذلك الأمر { إلا كنا } أي نحن رب العزة والجلال { عليكم شهوداً } أي حضوراً { إذ تفيضون فيه } أي في الوقت الذي تأخذون فيه ، وقوله تعالى { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } يخبر تعالى عن سعة علمه تعالى وإحاطته بسائر مخلوقاته بحيث لا يعزب أي لا غيب عن عمله تعالى مثقال ذرة أو وزن ذرة وهي النملة الصغير وسواء كانت في الأرض أو في السماء ، وسواء كانت أصغر من النملة أو أكبر منها . بالإِضافة إلى أن ذلك كله في كتاب مبين أي في اللوح المحفوظ . لهذا العلم والقدرة والرحمة استوجب التأليه والعبادة دون سائر خلقه .

الهداية

من الهداية :

- وجوب مراقبة الله تعالى ، وحرمة الغفلة في ذلك .

- إثبات اللوح المحفوظ وتقريره كما صرحت به الآيات والأحاديث .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ} (61)

قوله تعالى : { وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعلمون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } ما أداة نفي ، والشأن معناه الأمر أو الحال ، وجمعه الشؤون{[2003]} والخطاب من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ؛ أي ما تكون في أمر أو عمل من الأعمال كعبادة أو غيرها { وما تتلوا منه من قرآن } الضمير في ( منه ) يعود على كتاب الله ؛ أي : وما تتلو من كتاب الله من قرآن . أو أنه يعود على الشأن . والتقدير : وما تتلو من اجل الشأن من قرأن ؛ أي حديث لك شأن فتتلو القرآن من أجله . أو من أجل أن تعلم حكم هذا الشأن{[2004]} { ولا تعلمون من عمل } أيما عمل تعملونه سواء كان خيرا أو شرا { إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه } الله شهيد على أعمالكم ؛ إذ تأخذون فيها . والهاء في قوله : { فيه } عائدة على العمل ؛ أي الله شهيد عليكم ؛ إذ تأخذون في ذلك العمل ، وهو سبحانه مبصر وعليم بما تفعلون .

قوله : { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذالك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } .

{ يعزب } ، أي يغرب أو يخفى{[2005]} . والذرة ، جمعها الذر . وهي صغار النمل{[2006]} .

والمعنى : أنه عالم بالأشياء والكائنات جميعا ؛ فما من شيء أو كائن في الأرض أو في السماء إلا وخبره مندرج في علم الله الذي لا تخفى عليه الخوافي ولا تنحجب عنه العلوم والأخبار ؛ فهو سبحانه محيط علمه بكل ما في الوجود من أشياء مهما تناهى الواحد منها في الصغر . حتى وإن كان دون الذرة وهي أصغر النمل . وقد عبر بالأرض والسماء ؛ لأن الناس لا يرون أو يعون ما في سواهما . فكل شيء في الوجود علمه { في كتاب مبين } وهو اللوح المحفوظ ، وفيه علم الأولين والآخرين إلى يوم الدين . وهو في سعته البالغة ومداه الذي يفوق التصور لا يدركه أو يقف على حقيقته سوى الله{[2007]} .


[2003]:مختار الصحاح ص 326.
[2004]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 415.
[2005]:المصباح المنير جـ 2ص 56.
[2006]:مختار الصحاح ص 221.
[2007]:تفسير القرطبي جـ 8 ص 355، 356 وتفسير الطبري جـ 11 ص 89، 90.