في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ} (7)

والذين يرون كل هذا ، ثم لا يتوقعون لقاء الله ؛ ولا يدركون أن من مقتضيات هذا النظام المحكم أن تكون هناك آخرة ، وأن الدنيا ليست النهاية ، لأن البشرية لم تبلغ فيها كمالها المنشود ؛ والذين يمرون بهذه الآيات كلها غافلين ، لا تحرك فيهم قلبا يتدبر ، ولا عقلا يتفكر . . هؤلاء لن يسلكوا طريق الكمال البشري ، ولن يصلوا إلى الجنة التي وعد المتقون . إنما الجنة للذين آمنوا وعملوا الصالحات ، حيث يفرغون من نصب الدنيا وصغارها إلى تسبيح الله وحمده في رضاء مقيم :

( إن الذين لا يرجون لقاءنا ، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، والذين هم عن آياتنا غافلون ، أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون . إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ؛ تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم . دعواهم فيها سبحانك اللهم . وتحيتهم فيها سلام . وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) . .

إن الذين لا يتدبرون النظام الكوني الموحي بأن لهذا الكون خالقا مدبرا ، لا يدركون أن الآخرة ضرورة من ضرورات هذا النظام ، يتم فيها تحقيق القسط والعدل ؛ كما يتم فيها إبلاغ البشرية إلى آفاقها العليا . ومن ثم فهم لا يتوقعون لقاء الله ، ونتيجة لهذا القصور يقفون عند الحياة الدنيا ، بما فيها من نقص وهبوط ، ويرضونها ويستغرقون فيها ، فلا ينكرون فيها نقصا ، ولا يدركون أنها لا تصلح أن تكون نهاية للبشر ؛ وهم يغادرونها لم يستوفوا كل جزائهم على ما عملوا من خير أو اجترحوا من شر ، ولم يبلغوا الكمال الذي تهيئهم له بشريتهم . والوقوف عند حدود الدنيا وارتضاؤها يظل يهبط بأصحابه ثم يهبط ، لأنهم لا يرفعون رؤوسهم إلى قمة ، ولا يتطلعون بأبصارهم إلى أفق . إنما يخفضون رؤوسهم وأبصارهم دائما إلى هذه الأرض وما عليها ! غافلين عن آيات الله الكونية التي توقظ القلب ، وترفع الحس ، وتحفز إلى التطلع والكمال . .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ} (7)

شرح الكلمات :

{ لا يرجون لقاءنا } : أي لا ينتظرون ولا يؤملون في لقاء الله تعالى يوم القيامة .

{ ورضوا بالحياة الدنيا } : أي بدلاً عن الآخرة فلم يفكروا في الدار الآخرة .

{ واطمأنوا بها } : أي سكنوا إليها وركنوا فلم يروا غيرها حياة يُعمل لها .

{ غافلون } : لا ينظرون إليها ولا يفكرون فيها .

المعنى :

بعد تقرير الوحي والأُلوهية في الآيات السابقة ذكر تعالى في هذه الآيات الثلاث الكريمة بيان جزاء كل ممن كذب بلقاء الله فلم يرجُ ثواباً ولم يخشَ عقاباً ورضيَ بالحياة الدنيا واطمأن بها ، وممن آمن بالله ولقائه ووعده ووعيده فآمن بذلك وعمل صالحاً فقال تعالى { إن الذين لا يرجون لقائنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها } أي سكنت نفوسهم إليها وركنوا فعلاً إليها { والذين هم عن آياتنا غافلون } أي آياته الكونية في الآفاق والقرآنية وهي حُجج الله تعالى وأدلته الدالة على وجوده وتوحيده ووحيه وشرعه غافلون عنها لا ينظرون فيها ولا يفكرون فيما تدل لانهماكهم في الدنيا حيث أقبلوا عليها وأعطوها قلوبهم ووجوههم وكل جوارحهم . هؤلاء يقول تعالى في جزائهم { أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون } .

الهداية :

من الهداية :

- التحذير من نسيان الآخرة والإقبال على الدنيا والجري وراء زخارفها .

- التحذير من الغفلة بعدم التفكر بالآيات الكونية والقرآنية إذ هذا التفكير هو سبيل الهداية والنجاة من الغواية .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ} (7)

ولما أُشير بالآية إلى انقراض الدنيا بأن الحادث لا ثبات له ، وقام الدليل القطعي على المعاد ، ناسب تعقيبها بعيب{[37651]} من اطمأن إليها في سياق مبين أن سبب الطمأنينة إنكار الطمأنينة{[37652]} اعتقاداً أو حالاً ؛ ولما كان ختم تلك ب { يتقون } لاح أن ثمّ من يتقي ومن لا يتقي ؛ ولما كان المغرور أكثر ، بدأ به تنفيراً عن حاله ، لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح ، فقال مؤكداً لأجل إنكارهم : { إن الذين } ولما كان الخوف والرجاء معدن السعادة ، وكان الرجاء أقرب إلى الحث على الإقبال ، قال مصرحاً بالرجاء ملوحاً إلى الخوف : { لا يرجون لقاءنا } بالبعث بعد الموت ولا يخافون ما لنا من العظمة { ورضوا } أي عوضاً عن الآخرة { بالحياة الدنيا } أي{[37653]} فعملوا لها عمل المقيم فيها مع ما اشتملت عليه مما يدل على حقارتها { واطمأنوا } إليها {[37654]}مع الرضى{[37655]} { بها } طمأنينة من لا يزعج عنها مع ما يشاهدونه مع سرعة زوالها { والذين هم } أي خاصة { عن آياتنا } أي على ما لها من العظمة لا عن غيرها من الأحوال الدنيّة الفانية { غافلون } أي غريقون في الغفلة .


[37651]:من ظ، وفي الأصل: تعقيب.
[37652]:زيد بعده في الأصل: اعتقاد الطمأنينة، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[37653]:زيد من ظ.
[37654]:في ظ: راضين.
[37655]:في ظ: راضين.