في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ} (88)

84

ويتلطف شعيب تلطف صاحب الدعوة الواثق من الحق الذي معه ؛ ويعرض عن تلك السخرية لا يباليها وهو يشعر بقصورهم وجهلهم . . يتلطف في إشعارهم أنه على بينة من ربه كما يجده في ضميره وقلبه ؛ وأنه على ثقة مما يقول لأنه أوتي من العلم ما لم يؤتوا ، وأنه إذ يدعوهم إلى الأمانة في المعاملة سيتأثر مثلهم بنتائجها لأنه مثلهم ذو مال وذو معاملات ؛ فهو لا يبغي كسبا شخصيا من وراء دعوته لهم ؛ فلن ينهاهم عن شيء ثم يفعله هو لتخلو له السوق ! إنما هي دعوة الإصلاح العامة لهم وله وللناس . وليس فيما يدعوهم إليه خسارة عليهم كما يتوهمون :

( قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ، ورزقني منه رزقا حسنا ؟ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت وإليه أنيب ) . .

( يا قوم . . . ) . .

في تودد وتقرب ، وتذكير بالأواصر القريبة .

( أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ؟ ) . .

أجد حقيقته في نفسي وأستيقن أنه هو يوحي إلي ويأمرني بما أبلغكم إياه . وعن هذه البينة الواضحة في نفسي ، أصدر واثقا مستيقنا .

( ورزقني منه رزقا حسنا ) . .

ومنه الثروة التي أتعامل مع الناس مثلكم فيها .

( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ) .

فأنهاكم ثم أذهب من خلفكم فأفعل ما نهيتكم عنه لأحقق لنفسي نفعا به !

( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ) . .

الإصلاح العام للحياة والمجتمع الذي يعود صلاحه بالخير على كل فرد وكل جماعة فيه ؛ وإن خيل إلى بعضهم أن اتباع العقيدة والخلق يفوت بعض الكسب الشخصي ، ويضيع بعض الفرص . فإنما يفوت الكسب الخبيث ويضيع الفرص القذرة ؛ ويعوض عنهما كسبا طيبا ورزقا حلالا ، ومجتمعا متضامنا متعاونا لا حقد فيه ولا غدر ولا خصام !

( وما توفيقي إلا بالله ) .

فهو القادر على إنجاح مسعاي في الإصلاح بما يعلم من نيتي ، وبما يجزي على جهدي .

( عليه توكلت ) . .

عليه وحده لا اعتمد على غيره .

( وإليه أنيب ) . .

إليه وحده أرجع فيما يحزبني من الأمور ، وإليه وحده أتوجه بنيتي وعملي ومسعاي .

ثم يأخذ بهم في واد آخر من التذكير ، فيطل بهم على مصارع قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط :

فقد يفعل هذا في مثل تلك القلوب الجاسية ما لم يفعله التوجيه العقلي اللين الذي يحتاج إلى رشد وتفكير :

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ} (88)

شرح الكلمات :

{ أن أخالفكم } : أي لا أريد أن أنهاكم عن الشيء لتتركوه ثم أفعله بعدكم .

{ أن أريد إلا الإصلاح } : أي ما أريد إلا الإصلاح لكم .

{ وما توفيقي إلا بالله } : أي وما توفيقي للعمل الإِصلاحي والقيامة به إلا بفضل الله عليّ .

{ وإليه أنيب } : أي ارجع في أمري كله .

المعنى :

وأما الآيات الثلاث بعدها فقد تضمنت رد شعيب عليه السلام على مقالتهم السابقة إذ قال { يا قوم أرأيتم } أي أخبروني { إن كنت عل بيّنة من ربي } أي على برهان وعلم يقيني بألوهيته ومحابه ومساخطه ووعده لأوليائه ووعيده لأعدائه ، ورزقي منه رزقاً حسنا أي حلالا طيبا أخبروني فهل يليق بي أن أتنكر لهذا الحق والخير وأُجَارِيكُمْ على باطلكم . اللهم لا ، وشيء آخر وهو أني ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه فإِني لا آمركم بتوفية الكيل والوزن وأنقصها ولا بترك عبادة الأوثان وأعبدها ، ولا أنهاكم عن كسر الدراهم وأكسرها فأكون كمن يأمر بالشيء ولا يفعله ، وينهى عن الشيء ويفعله فيستحق اللوم والعتاب ونزع الثقة منه ، وعدم اعتباره فلا يؤخذ بقوله ولا يعمل برأيه .

وأمر آخر هو أني ما أريد بما أمرتكم به ولا بما نهيتكم عنه إلا الإِصلاح لكم ما استطعت ذلك وقدرت عليه . وما توفيقي في ذلك إلا بالله ربّي وربكم عليه توكلت في أمري كله وإليه وحده أنيب أي أقبل بالطاعة وأرجع بالتوبة .

الهداية :

من الهداية :

- كراهية إتيان الشيء بعد النهي عنه ، وترك الشيء بعد الأمر به والحث عليه .