في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ} (43)

25

ولكن البنوة العاقة لا تحفل بالأبوة الملهوفة ، والفتوة المغرورة لا تقدر مدى الهول الشامل :

( قال : سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ) . .

ثم ها هي ذي الأبوة المدركة لحقيقة الهول وحقيقة الأمر ترسل النداء الأخير :

( قال : لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ) .

لا جبال ولا مخابئ ولاحام ولا واق . إلا من رحم الله .

وفي لحظة تتغير صفحة المشهد . فها هو ذا الموج الغامر يبتلع كل شيء :

( وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ) . .

وإننا بعد آلاف السنين ، لنمسك أنفاسنا - ونحن نتابع السياق - والهول يأخذنا كأننا نشهد المشهد . وهي تجري بهم في موج كالجبال ، ونوح الوالد الملهوف يبعث بالنداء تلو النداء . وابنه الفتى المغرور يأبى إجابة الدعاء ، والموجة الغامرة تحسم الموقف في سرعة خاطفة راجفة وينتهي كل شيء ، وكأن لم يكن دعاء ولا جواب !

وإن الهول هنا ليقاس بمداه في النفس الحية - بين الوالد والمولود - كما يقاس بمداه في الطبيعة ، والموج يطغى على الذرى بعد الوديان . وإنهما لمتكافئان ، في الطبيعة الصامتة وفي نفس الإنسان . وتلك سمة بارزة في تصوير القرآن .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ} (43)

{ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } يحتمل أربعة أوجه :

أحدها : أن يكون { عاصم } اسم فاعل { ومن رحم } كذلك بمعنى : الراحم فالمعنى : لا عاصم إلا الراحم وهو الله تعالى .

والثاني : أن يكون { عاصم } بمعنى : ذي عصمة أي : معصوم و{ من رحم } : بمعنى مفعول أي : من رحم الله . فالمعنى : لا معصوم إلا من رحمه الله ، والاستثناء على هذين الوجهين متصل .

والثالث : أن يكون { عاصم } اسم فاعل { ومن رحم } بمعنى : المفعول ، والمعنى { لا عاصم } من أمر الله لكن من رحمه الله فهو المعصوم .

والرابع عكسه والاستثناء على هذين منقطع .