( وقل للمؤمنات : يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ) . .
فلا يرسلن بنظراتهن الجائعة المتلصصة ، أو الهاتفة المثيرة ، تستثير كوامن الفتنة في صدور الرجال . ولا يبحن فروجهن إلا في حلال طيب ، يلبي داعي الفطرة في جو نظيف ، لا يخجل الأطفال الذين يجيئون عن طريقه عن مواجهة المجتمع والحياة !
( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) . .
والزينة حلال للمرأة ، تلبية لفطرتها . فكل أنثى مولعة بأن تكون جميلة ، وأن تبدو جميلة . والزينة تختلف من عصر إلى عصر ؛ ولكن أساسها في الفطرة واحد ، هو الرغبة في تحصيل الجمال أو استكماله ، وتجليته للرجال .
والإسلام لا يقاوم هذه الرغبة الفطرية ؛ ولكنه ينظمها ويضبطها ، ويجعلها تتبلور في الاتجاه بها إلى رجل واحد - هو شريك الحياة - يطلع منها على ما لا يطلع أحد سواه . ويشترك معه في الاطلاع على بعضها ، المحارم والمذكورون في الآية بعد ، ممن لا يثير شهواتهم ذلك الاطلاع .
فأما ما ظهر من الزينة في الوجه واليدين ، فيجوز كشفه . لأن كشف الوجه واليدين مباح لقوله [ صلى الله عليه وسلم ] لأسماء بنت أبي بكر : " يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض ، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا - وأشار إلى وجهه وكفيه " .
( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) . .
والجيب فتحة الصدر في الثوب . والخمار غطاء الرأس والنحر والصدر . ليداري مفاتنهن ، فلا يعرضها للعيون الجائعة ؛ ولا حتى لنظرة الفجاءة ، التي يتقي المتقون أن يطيلوها أو يعاودوها ، ولكنها قد تترك كمينا في أطوائهم بعد وقوعها على تلك المفاتن لو تركت مكشوفة !
إن الله لا يريد أن يعرض القلوب للتجربة والابتلاء في هذا النوع من البلاء !
والمؤمنات اللواتي تلقين هذا النهي . وقلوبهن مشرقة بنور الله ، لم يتلكأن في الطاعة ، على الرغم من رغبتهن الفطرية في الظهور بالزينة والجمال . وقد كانت المرأة في الجاهلية - كما هي اليوم في الجاهلية الحديثة ! - تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء . وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها ، وأقرطة أذنيها . فلما أمر الله النساء أن يضربن بخمرهن على جيوبهن ، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ، كن كما قالت عائشة رضي الله عنها - : " يرحم الله نساء المهاجرات الأول . لما أنزل الله : ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن )شققن مروطهن فاختمرن بها . . وعن صفية - بنت شيبة قالت : بينما نحن عند عائشة . قالت : فذكرن نساء قريش وفضلهن . فقالت عائشة - رضي الله عنها - إن لنساء قريش لفضلا . وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار ، وأشد تصديقا لكتاب الله ، ولا إيمانا بالتنزيل . لما نزلت في سورة النور : ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن )انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها ؛ ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته ، وعلى كل ذي قرابته . فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل ، فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه . فأصبحن وراء رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان " .
لقد رفع الإسلام ذوق المجتمع الإسلامي ، وطهر إحساسه بالجمال ؛ فلم يعد الطابع الحيواني للجمال هو المستحب ، بل الطابع الإنساني المهذب . . وجمال الكشف الجسدي جمال حيواني يهفو إليه الإنسان بحس الحيوان ؛ مهما يكن من التناسق والاكتمال . فأما جمال الحشمة فهو الجمال النظيف ، الذي يرفع الذوق الجمالي ، ويجعله لائقا بالإنسان ، ويحيطه بالنظافة والطهارة في الحس والخيال .
وكذلك يصنع الإسلام اليوم في صفوف المؤمنات . على الرغم من هبوط الذوق العام ، وغلبة الطابع الحيواني عليه ؛ والجنوح به إلى التكشف والعري والتنزي كما تتنزى البهيمة ! فإذا هن يحجبن مفاتن أجسامهن طائعات ، في مجتمع يتكشف ويتبرج ، وتهتف الأنثى فيه للذكور حيثما كانت هتاف الحيوان للحيوان !
هذا التحشم وسيلة من الوسائل الوقائية للفرد والجماعة . . ومن ثم يبيح القرآن تركه عندما يأمن الفتنة . فيستثني المحارم الذين لا تتوجه ميولهم عادة ولا تثور شهواتهم وهم :
الآباء والأبناء ، وآباء الأزواج وأبناؤهم ، والإخوة وأبناء الإخوة ، وأبناء الأخوات . . كما يستثني النساء المؤمنات : ( أو نسائهن )فأما غير المسلمات فلا . لأنهن قد يصفن لأزواجهن وإخوتهن ، وأبناء ملتهن مفاتن نساء المسلمين وعوراتهن لو اطلعن عليها . وفي الصحيحين : " لا تباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنه يراها " . . أما المسلمات فهن أمينات ، يمنعهن دينهن أن يصفن لرجالهن جسم امرأة مسلمة وزينتها . . ويستثني كذلك ( ما ملكت أيمانهن )قيل من الإناث فقط ، وقيل : ومن الذكور كذلك . لأن الرقيق لا تمتد شهوته إلى سيدته . والأول أولى ، لأن الرقيق إنسان تهيج فيه شهوة الإنسان ، مهما يكن له من وضع خاص ؛ في فترة من الزمان . . ويستثني ( التابعين غير أولي الإربة من الرجال ) . . وهم الذين لا يشتهون النساء لسبب من الأسباب كالجب والعنة والبلاهة والجنون . . وسائر ما يمنع الرجل أن تشتهي نفسه المرأة . لأنه لا فتنة هنا ولا إغراء . . ويستثني ( الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) . . وهم الأطفال الذين لا يثير جسم المرأة فيهم الشعور بالجنس . فإذا ميزوا ، وثار فيهم هذا الشعور - ولو كانوا دون البلوغ - فهم غير داخلين في هذا الاستثناء .
وهؤلاء كلهم - عدا الأزواج - ليس عليهم ولا على المرأة جناح أن يروا منها ، إلا ما تحت السرة إلى تحت الركبة . لانتفاء الفتنة التي من أجلها كان الستر والغطاء . فأما الزوج فله رؤية كل جسدها بلا استثناء .
ولما كانت الوقاية هي المقصودة بهذا الإجراء ، فقد مضت الآية تنهي المؤمنات عن الحركات التي تعلن عن الزينة المستورة ، وتهيج الشهوات الكامنة ، وتوقظ المشاعر النائمة . ولو لم يكشفن فعلا عن الزينة :
( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) . .
وإنها لمعرفة عميقة بتركيب النفس البشرية وانفعالاتها واستجاباتها . فإن الخيال ليكون أحيانا أقوى في إثارة الشهوات من العيان . وكثيرون تثير شهواتهم رؤية حذاء المرأة أو ثوبها ، أو حليها ، أكثر مما تثيرها رؤية جسد المرأة ذاته . كما أن كثيرين يثيرهم طيف المرأة يخطر في خيالهم ، أكثر مما يثيرهم شخص المرأة بين أيديهم - وهي حالات معروفة عند علماء الأمراض النفسية اليوم - وسماع وسوسة الحلى أو شمام شذى العطر من بعيد ، قد يثير حواس رجال كثيرين ، ويهيج أعصابهم ، ويفتنهم فتنة جارفة لا يملكون لها ردا . والقرآن يأخذ الطريق على هذا كله . لأن منزله هو الذي خلق ، وهو الذي يعلم من خلق . وهو اللطيف الخبير .
وفي النهاية يرد القلوب كلها إلى الله ؛ ويفتح لها باب التوبة مما ألمت به قبل نزول هذا القرآن :
( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) .
بذلك يثير الحساسية برقابة الله ، وعطفه ورعايته ، وعونه للبشر في ضعفهم أمام ذلك الميل الفطري العميق ، الذي لا يضبطه مثل الشعور بالله ، وبتقواه . .
{ ويحفظن فروجهن } عما لا يحل لهن من الزنا والسحاق والإبداء .
{ ولا يبدين زينتهن } الزينة : ما يتزين به ؛ كالخلخال والخضاب في الرجل ، والسوار في المعصم ، والقرط في الأذن ، والقلادة في العنق ، والوشاح في الصدر ، والإكليل في الرأس ، ونحو ذلك .
فلا يجوز للمرأة إظهارها حال ملابستها لمواضعها ، ولا يجوز للأجنبي النظر إليها كذلك ؛ والنهي عن إظهار الزينة حال ملابستها لمواضعها يستلزم النهي عن إظهار مواضعها بفحوى الخطاب . { إلا ما ظهر منها } أي ما جرت العادة بظهوره ؛ كالخاتم في الإصبع ، والكحل في العين ، والخضاب في الكف ، ونحو ذلك ، فإنه يجوز للمرأة إظهاره . وقيل : المراد بالزينة مواضعها من البدن ؛ فيحرم إظهارها ، وكذلك النظر إليها ؛ إلا ما استثنى لدفع الحرج وهو الوجه والكفان ، أو هما والقدمان .
{ وليضربن بخمرهن على جيوبهن } بيان لكيفية إخفاء بعض مواضع الزينة بعد النهي عن إبدائها ؛ أي وليلقين خمرهن على جيوبهن . والخمر : جمع خمار ، وهو ما تغطى به المرأة رأسها ، وتسمى المقنعة . وأصله من الخمر وهو الستر . والجيوب : جمع جيب ، وهو فتح في أعلى القميص يبدو منه بعض الجسد ؛ وأصله من الجيب بمعنى القطع . تقول : جبت القميص أجوبه وأجيبه ، إذا قوّرت جيبه . والمراد بالجيب هنا : محله وهو العنق . أمر النساء بستر شعورهن وأعناقهن ونحورهن وصدورهن بخمرهن عن الأجانب ؛ لئلا يرى منهن شيء من ذلك .
{ ولا يبدين زينتهن . . . } نهي النساء في هذه الآية عن إبداء مواضع الزينة الخفية لكل أحد ؛
إلا من استثنى فيها ، وهم اثنا عشر نوعا : الأزواج ؛ لأنهم المقصودون بالزينة ، ولأن كل بدن الزوجة حلال لهم . والمحارم السبعة المذكورون ؛ لاحتياج النساء لمخالطتهم ، وأمن الفتنة من قبلهم لما ركز في الطباع من النفرة من مماسة القرائب ، ويلحق لهم الأعمام والأخوال والمحارم من الرضاع . والتاسع – ما ذكره الله تعالى بقوله : { أو نسائهن } أي المختصات بهن بالصحبة والخدمة من الحرائر ، مسلمات كن أو غير مسلمات ؛ كما اختاره الإمام الرازي . وما روي عن السلف من منع تكشف المسلمات للكافرات محمول على الاستحباب . والعاشر – قوله تعالى : { أو ما ملكت أيمانهن } أي من الإماء . وأما العبيد فهم كالأجانب ؛ لأنهم فحول ليسوا أزواجا ولا محارم ، والشهوة متحققة فيهم لجواز النكاح في الجملة . والحادي عشر – قوله تعالى : { أو التابعين غير أولي الأربة من الرجال } وهم الرجال الذين لا حاجة لهم بالنساء ولا يعرفون شيئا من أمورهن ؛ بحيث لا تحدثهم أنفسهم بفاحشة ولا يصفونهن للأجانب .
والإربة : الحاجة . يقال : أرب الرجل إلى الشيء يأرب أربا وإربة ومأربة ، إذا احتاج إليه . والثاني عشر – قوله تعالى : { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } أي الأطفال الذين لم يعرفوا ما العورة ولم يميزوا بينها وبين غيرها ؛ من قولهم : ظهر على الشيء ، إذا اطلع عليه . أو الذين لم يبلغوا حد الشهوة والقدرة على الجماع ؛ من قولهم : ظهر على فلان ، إذا قوي عليه وغلبه .
{ ولا يضربن بأرجلهن } نهي النساء عن أن يضربن بأرجلهن في الأرض ليسمع صوت خلاخلهن من يسمعه من الرجال ؛ فيدعوهن ذلك إلى التطلع والميل إليهن ، وذلك سدا لذريعة الفساد .
وفي حكمه إبداء ما يخفين من زينتهن بأي وسيلة كانت . وأما صوتهن فليس بعورة ؛ كما في معتبرات كتب الشافعية ، فلا يحرم سماعه ؛ إلا أن خشيت منه فتنة أو التذاذ . وذهب الحنفية إلى أنه عورة .