في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ} (125)

114

ثم تختم الجولة بتصوير حالة الهدى وحالة الايمان في داخل القلوب والنفوس :

( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام . ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء . . كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) . .

من يقدر الله له الهداية - وفق سنته الجارية من هداية من يرغب في الهدى ويتجه إليه بالقدر المعطى له من الاختيار بقصد الابتلاء - ( يشرح صدره للإسلام ) ؛ فيتسع له ؛ ويستقبله في يسر ورغبة ، ويتفاعل معه ، ويطمئن إليه ؛ ويستروح به ويستريح له .

ومن يقدر له الضلال - وفق سنته الجارية من إضلال من يرغب عن الهدى ويغلق فطرته عنه ( يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ) . . فهو مغلق مطموس يجد العسر والمشقة في قبوله ، ( كأنما يصعد في السماء ) . . وهي حالة نفسية تجسم في حالة حسية ، من ضيق النفس ، وكربة الصدر ، والرهق المضني في التصعد إلى السماء ! وبناء اللفظ ذاته ( يصعد )- كما هو في قراءة حفص - فيه هذا العسر والقبض والجهد . وجرسه يخيل هذا كله ، فيتناسق المشهد الشاخص ، مع الحالة الواقعة ، مع التعبير اللفظي في إيقاع واحد .

وينتهي المشهد بهذا التعقيب المناسب :

( كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) . .

. . كذلك . . بمثل هذا الذي يجري به قدر الله من شرح صدر الذي يريد الله به الهدى ، ومن العسر والجهد والمشقة لمن يريد به الضلال . . كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون .

ومن معاني الرجس : العذاب . ومن معانيه كذلك : الارتكاس - وكلاهما يلون هذا العذاب بمشهد الذي يرتكس في العذاب ويعود إليه ولا يفارقه ! وهو الظل المقصود !

على أنه تبقى في النفس بقية من الحديث عن قوله تعالى : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام . ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء . كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) . .

إن تصور الحقيقة التي يقررها هذا النص وأمثاله في القرآن الكريم من النصوص التي تتعلق بالتعامل والارتباط بين مشيئة الله - سبحانه - واتجاهات البشر ؛ وما يصيبهم من الهدى والضلال ، وما ينالهم بعد ذلك من جزاء وثواب وعقاب . . إن هذا كله يحتاج إلى استخدام منطقة أخرى من مناطق الإدراك البشري وراء منطقة المنطق الذهني ! وكل ما ثار من الجدل بشأن هذه القضية سواء في تاريخ الفكر الإسلامي ، وبخاصة بين المعتزلة وأهل السنة والمرجئة - أو في تاريخ اللاهوت والفلسفة - وكل القضايا والتعبيرات عنها ، موسومة بطابع المنطق الذهني .

إن تصور هذه الحقيقة يحتاج إلى استخدام منطقة أخرى من مناطق الإدراك البشري وراء منطقة المنطق الذهني . وكذلك يقتضي التعامل مع " الواقع الفعلي " لا مع " القضايا الذهنية " . فالقرآن يصور الحقيقة الفعلية في الكينونة البشرية وفي الوجود الواقع ؛ وهذه الحقيقة يتراءى فيها التشابك بين مشيئة الله وقدره وبين إرادة الإنسان وعمله . في محيط لا يدركه المنطق الذهني كله .

فإذا قيل : إن إرادة الله تدفع الإنسان دفعا إلى الهدى أو الضلال . . لم تكن هذه هي الحقيقة الفعلية . وإذا قيل : إن إرادة الإنسان هي التي تقرر مصيره كله . . لم تكن هذه هي الحقيقة الفعلية كذلك ! إن الحقيقة الفعلية تتألف من نسب دقيقة - وغيبية كذلك - بين طلاقة المشيئة الإلهية وسلطانها الفاعل ، وبين اختيار العبد واتجاهه الإرادي . بلا تعارض بين هذه وتلك ولا تصادم . .

ولكن تصور الحقيقة " الفعلية " كما هي في واقعها هذا لا يمكن أن يتم في حدود المنطق الذهني . وفي شكل القضايا الذهنية والعبارة البشرية عنها . . إن نوع الحقيقة هو الذي يحدد منهج تناولها وأسلوب التعبير عنها . . وهذه الحقيقة لا يصلح لها منهج المنطق الذهني ولا القضايا الجدلية .

كذلك يحتاج تصور هذه الحقيقة كما هي في واقعها الفعلي إلى تذوق كامل في تجربة روحية وعقلية . . إن الذي تتجه فطرته إلى الإسلام يجد في صدره انشراحاً له . . هو من صنع الله قطعاً . . فالانشراح حدث لا يقع إلا بقدر من الله يخلقه ويبرزه . والذي تتجه فطرته إلى الضلال يجد في صدره ضيقا وتقبضا وعسراً . . هو من صنع الله قطعا . . لأنه حدث لا يتم وقوعه الفعلي إلا بقدر من الله يخلقه ويجري به كذلك . . وكلاهما من إرادة الله بالعبد . . ولكنها ليست إرادة القهر . إنما هي الإرادة التي انشأت السنة الجارية النافذة من أن يبتلي هذا الخلق المسمى بالإنسان بهذا القدر من الإرادة . وأن يجري قدر الله بإنشاء ما يترتب على استخدامه لهذا القدر من الإرادة في الاتجاه للهدى أو للضلال .

وحين توضع قضية ذهنية في مواجهة قضية ذهنية . وحين يتم التعامل مع هذه القضايا ، بدون استصحاب الملامسة الباطنية للحقيقة ، والتجربة الواقعية في التعامل معها ، فإنه لا يمكن أبداً أن يتم تصور كامل وصحيح لهذه الحقيقة . . وهذا ما وقع في الجدل الإسلامي . . وفي غيره كذلك !

إنه لا بد من منهج آخر ومن تذوق مباشر للتعامل مع هذه الحقيقة الكبيرة . .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ} (125)

شرح الصدر : توسيعه ، ويراد به جعل النفس مهيأة لتقبل الحق .

الضَّيِّقِ والضَّيْق ( بالتشديد والتخفيف ) ، ضد الواسع .

الحرج : شدة الضيق . الحرجة : الشجر الكثير الملتف بعضه ببعض بحيث يصعب الدخول فيه .

يصعد في السماء : يرتفع إلى أعلى فيضيق نفسه .

الرجس : كل ما يُستقذر ، واللعنة في الدنيا ، والعذاب في الآخرة .

يوازن الله تعالى في هذه الآية بين الضالِّين المضلين المستكبرين ، وبين المستعدّين للإيمان بما جاء به الرسول الكريم . فيقول : إذا كان أولئك الأشرار قد ضلّوا واهتديتم ، فبإرادة الله تعالى وقضائه ، فمن يكتُب له الهداية يتسع صدرهُ لنور الإسلام ، ويستقبله في يسر ورغبة . ومن يكتُب عليه الضلال يجعل صدره ضيّقا شديد الضيق ، كأنه من شدة الضيق كمن يصعد إلى مكان شديد الارتفاع فتنقطع أنفاسه . بهذا يكتب الله الخذلان على الذين لم يهتدوا .

وقد أثبتت الدراسات العلمية أنه كلّما ارتفع الإنسان أخذ التنفس يضعُف ويضيق لقلّة الأوكسجين في الهواء . ذلك أن الطبقات العليا من الهواء أقل كثافةً من الطبقات التي هي أدنى منها . ولذلك نرى الطائرات الحديثة الآن مكيفةً ومجهّزة بأحدث الأجهزة لوقاية الركاب فيها . { عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ } .

قراءات :

قرأ ابن كثير : «ضَيْقاً » ، والباقون : «ضّيِقاً » بالتشديد . وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم : «حرجا » بكسر الراء ، والباقون «حرجا » بفتح الحاء والراء . وقرأ ابن كثير «يصْعَد » بسكون الصاد وفتح العين بدون تشديد ، وأبو بكر عن عاصم : « يصاعد » بمعنى يتصاعد .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ} (125)

قوله : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } .

من يرد الله هدايته للحق والإيمان { يشرح صدره للإسلام } أي يفتح قلبه لنور الإسلام حتى يستقبله بانشراح وراحة ورضى فيقبله قبول المتيقن المطمئن ويعيه وعي الجذلان المحبور .

قوله : { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } أي من يرد الله إضلاله وخذلانه { يجعل صدره ضيقا حرجا } منصوبان على الحال ، إذا كان { يجعل } يعني يخلق . وقيل : { حرجا } وصف للمصدر . مثل : رجل عدل .

والضيق يراد به هنا القسوة والنبو عن قبول الحق . أي يضيق صدره وينسد انسداد الكز{[1271]} المغاليق . وذلك هو تقدير الله في خلقه ، يصنع ما يشاء لحكمة لا يعلمها إلا هو فلا معقب لحكمه ولا راد لقضائه . وهو سبحانه أحكم الحاكمين . والحرج معناه الضيق الشديد . وقيل : أضيق الضيق . قال ابن عباس في تأويل قوله : { ضيقا حرجا } : إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه . وإذا ذكر شيء من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك .

وذلك هو شأن العتاة الجاحدين من خصوم الإسلام في كل زمان . منهم بارعون ناشطون دهاة في التصدي للإسلام بالكيد والعداء والتخطيط الخبيث في الظلام . أولئك يكرهون الإسلام كراهية بالغة مسرفة . كراهية مركومة ومركوزة في العميق من نفوسهم الحافلة بالغيظ والحقد على الإسلام وأهله . إن هذا الصنف من الناس ما يكاد يسمع عن عزة الإسلام وروائعه وأمجاده شيئا تحيط به الحسرة والنفور ويأخذه التسخط والامتعاض ويطوق قلبه وروحه التبرم والحسد لفرط ما ينحبس في صدره من كراهية للإسلام وأهله . مع أن الإسلام جاء رحمة للبشرية كافة . وكذلك المسلمون فإنهم أحرص الناس على الرحمة بالإنسانية ودفع الأذى والشر والضر عنها . الله يعلم أن المسلمين أعطف الخليقة بالخلائق عامة لما قذفه الإسلام بعقيدته وتعاليمه من غامر الرأفة والتحنان في قلوبهم .

قوله : { كأنما يصعد في السماء } يصعد ، بالتشديد ، أي يتكلف ما لا يطيق من المشقة والعناء مرة بعد مرة كما يتكلف من يريد الصعود إلى السماء . وقيل : كاد قلبه يصعد إلى السماء نبوّا عن الإسلام . والمراد أن الذي يضيق صدره حرجا لدى سماع القرآن أو الإسلام فإنه يشق عليه الإيمان مثلما يشق عليه صعود السماء ، وهو ما لا يستطيعه أو يطيقه كائن بقدراته العادية . وفي الصعود إيحاء ببالغ المشقة والإرهاق والتعسير . ومنه قوله سبحانه : { سأرهقه صعودا } وذلك تصوير رباني بالغ ومبين يكشف عن حال المعاندين الغلاظ الذين تتجافى قلوبهم عن قبول العقيدة الإسلامية أو تتعامى أنظارهم وعقولهم عن إدراك الإسلام بحقائقه الكريمة المستفيضة . هؤلاء الجفاة المتربصون إذا سمعوا الإسلام أو دعوا إليه ضاقوا ذرعا بل ضاقت بهم السبل والدنيا بما رحبت ، وأخذهم من فرط الاغتمام والحنق والمكابدة مثل ما يجده الذي يصعد في السماء حسيرا وجلا مذعورا .

قوله : { كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } الكاف في اسم الإشارة صفة للمصدر . والتقدير : مثل ذلك الجعل يجعل الله الرجس والأصل في الرجس أنه النتن ، والنجس . وقيل : العذاب وقيل : الإثم . والمعنى : أنه مثلما جعل الله الصدر ضيقا حرجا فإنه يجعل الرجس : العذاب أو الإثم على الجاحدين للتوحيد المكذبين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم{[1272]} .


[1271]:- الكز، بضم الكاف وتشديد الزاي: جمع ومفرده كز بالفتح. وهو من الكزازة أي الانقباض واليبس. وقوم كز بالضم، أي فيهم كزازة. انظر مختار الصحاح ص 659.
[1272]:- البيان للطوسي ج 4 ص 268 وتفسير البغوي ج 2 ص 129 وتفسير البحر المحيط ج 4 ص 217.