في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ} (165)

158

ومع هذا فإن هناك من لا ينظر ولا يتعقل ، فيحيد عن التوحيد الذي يوحي به تصميم الوجود ، والنظر في وحدة الناموس الكوني العجيب :

( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ) . .

من الناس من يتخذ من دون الله اندادا . . كانوا على عهد المخاطبين بهذا القرآن أحجارا وأشجارا ، أو نجوما وكواكب ، أو ملائكة وشياطين . . وهم في كل عهد من عهود الجاهلية أشياء أو أشخاص أو شارات أو اعتبارات . . وكلها شرك خفي أو ظاهر ، إذا ذكرت إلى جانب اسم الله ، وإذا أشركها المرء في قلبه مع حب الله . فكيف إذا نزع حب الله من قلبه وأفرد هذه الأنداد بالحب الذي لا يكون إلا لله ؟

إن المؤمنين لا يحبون شيئا حبهم لله . لا أنفسهم ولا سواهم . لا أشخاصا ولا اعتبارات ولا شارات ولا قيما من قيم هذه الأرض التي يجري وراءها الناس :

( والذين آمنوا أشد حبا لله ) . .

أشد حبا لله ، حبا مطلقا من كل موازنة ، ومن كل قيد . أشد حبا لله من كل حب يتجهون به إلى سواه .

والتعبير هنا بالحب تعبير جميل ، فوق أنه تعبير صادق . فالصلة بين المؤمن الحق وبين الله هي صلة الحب . صلة الوشيجة القلبية ، والتجاذب الروحي . صلة المودة والقربى . صلة الوجدان المشدود بعاطفة الحب المشرق الودود .

( ولو يرى الذين ظلموا - إذ يرون العذاب - أن القوة لله جميعا ، وأن الله شديد العذاب )

أولئك الذين اتخذوا من دون الله اندادا . فظلموا الحق ، وظلموا أنفسهم . . لو مدوا بأبصارهم إلى يوم يقفون بين يدي الله الواحد ! لو تطلعوا ببصائرهم إلى يوم يرون العذاب الذي ينتظر الظالمين ! لو يرون لرأوا ( أن القوة لله جميعا ) فلا شركاء ولا انداد . . ( وأن الله شديد العذاب ) .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ} (165)

الند : المماثل جمعه أنداد . السبب ، وجمعه أسباب : أصل معناه الحبلُ ثم أصبح يطلق على كل ما يُتوصل به إلى مقصد من المقاصد . الكرة : العودة . الحسرة : شدة الندم .

بعد أن بين الله تعالى ظواهر الكون الدالة على قدرة الخالق وعظمته يقول هنا : رغم هذه الدلائل الواضحة ، والآيات البيّنات اتخذ بعض الناس ممن ضلت عقولهم أرباباً متعددة غير الله ، وجعلوهم أندادا له يطيعونهم ويعبدونهم ويحبونهم كحب المؤمنين لله ، وقد يكون هؤلاء الأرباب من رؤسائهم الذين يتبعونهم ويتعلقون بهم ، وقد يكونون أحجاراً أو أشجارا ، أو نجوما وكواكب ، أو ملائكة وشياطين ، أو حيوانات وهذا شرك عظيم .

والذين آمنوا أشد حباً لله من كل ما سواه . والتعبير هنا بالحب جميل فوق أنه صادق . فالصلة بين المؤمن الحق وبين الله هي صلة الحب والانقياد التي لا تنقطع ، فهو يلجأ إلى الله دائما عند كل شدة أو نائبة .

ولو يشاهد الذين ظلموا أنفسهم بتدنيسها بالشرك ما سينالهم من العذاب يوم القيامة ، يوم تكون القوة جميعها لله وحده ؛ وأنهم كانوا ضالين حين لجأوا إلى سواه ، ويتحققون من أن الله شديد العذاب .

القراءات :

قرأ ابن عامر ونافع ويعقوب «ولو ترى الذين ظلموا » بالتاء ، خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم . ولو ترى ذلك لرأيت أمرا عظيماً . وقرأ ابن عامر «إذ يُرون العذاب » على البناء للمفعول . وقرأ يعقوب «إن القوة لله » بكسر همزة إن .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ} (165)

{ والذين آمنوا أشد حبا لله } اعلم أن محبة العبد لربه على درجتين :

إحداهما : المحبة العامة التي لا يخلو منها كل مؤمن ، وهي واجبة .

والأخرى : المحبة الخاصة التي ينفرد بها العلماء الربانيون ، والأولياء والأصفياء ، وهي أعلى المقامات ، وغاية المطلوبات ، فإن سائر مقامات الصالحين : كالخوف ، والرجاء ، والتوكل ، وغير ذلك فهي مبنية على حظوظ النفس ، ألا ترى أن الخائف إنما يخاف على نفسه وأن الراجي إنما يرجو منفعة نفسه ؛ بخلاف المحبة فإنها من أجل المحبوب فليست من المعاوضة . واعلم أن سبب محبة الله معرفته فتقوى المحبة على قدر قوة المعرفة ، وتضعف على قدر ضعف المعرفة ، فإن الموجب للمحبة إحدى أمرين ، وكلاهما إذا اجتمع في شخص من خلق الله تعالى كان في غاية الكمال : الموجب الأول : الحسن والجمال ، والآخر : الإحسان والإجمال .

فأما الجمال فهو محبوب بالطبع ، فإن الإنسان بالضرورة يحب كل ما يستحسن . والإجمال مثل جمال الله في حكمته البالغة وصنائعه البديعة ، وصفاته الجميلة الساطعة الأنوار ، التي تروق العقول وتهيج القلوب ، وإنما يدرك جمال الله تعالى بالبصائر ، لا بالأبصار .

وأما الإحسان فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها ، وإحسان الله إلى عباده متواتر وإنعامه عليهم باطن وظاهر ، { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها }[ إبراهيم :34 ] ، ويكفيك أنه يحسن إلى المطيع والعاصي ، والمؤمن والكافر ، وكل إحسان ينسب إلى غيره فهو في الحقيقة منه ، وهو المستحق للمحبة وحده .

واعلم أن محبة الله إذا تمكنت من القلب ظهرت آثارها على الجوارح من الجد في طاعته والنشاط لخدمته ، والحرص على مرضاته والتلذذ بمناجاته ، والرضا بقضائه ، والشوق إلى لقائه والأنس بذكره ، والاستيحاش من غيره ، والفرار من الناس ، والانفراد في الخلوات ، وخروج الدنيا من القلب ، ومحبة كل من يحبه الله وإيثاره على كل من سواه ، قال الحارث المحاسبي : المحبة تسليمك إلى المحبوب بكليتك ثم إيثارك له على نفسك وروحك ثم موافقته سرا وجهرا ثم علمك بتقصيرك في حبه .

{ ولو يرى } من رؤية العين .

{ والذين ظلموا } مفعول ، وجواب لو محذوف وهو العامل في أن التقدير لو ترى الذين ظلموا لعلمت أن القوة لله أو لعلموا أن القوة لله ، والقوي بالياء ، وهو على هذه القراءة من رؤيا القلب ، والذين ظلموا فاعل ، وأن القوة مفعول يرى ، وجواب لو محذوف والتقدير لو يرى الذين ظلموا أن القوة لله لندموا ، ولاستعظموا ما حل بهم .