في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ} (110)

95

( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ، كما لم يؤمنوا به أول مرة ، ونذرهم في طغيانهم يعمهون . ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ، وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا - إلا أن يشاء الله - ولكن أكثرهم يجهلون ) . .

إن القلب الذي لا يؤمن بآيات الله المبثوثة في هذا الوجود - بعد توجيهه إليها على هذا النحو العجيب الذي تكفل به هذا الكتاب العجيب - ولا توحي آيات الله المبثوثة في الأنفس والآفاق إليه أن يبادر إلى ربه ، ويثوب إلى كنفه . . إن هذاالقلب هو قلب مقلوب . . والذي عاق هؤلاء عن الإيمان في أول الأمر ، ما الذي يدري المسلمين الذين يقترحون إجابة طلبهم ، أن يعوقهم عن الإيمان بعد ظهور الخارقة ؟ إن الله هو الذي يعلم حقيقة هذه القلوب . . وهو يذر المكذبين في طغيانهم يعمهون ، لأنه يعلم منهم أنهم يستحقون جزاء التكذيب ؛ كما يعلم عنهم أنهم لا يستجيبون . . لا يستجيبون ولو نزل إليهم الملائكة كما يقترحون ! ولو بعث لهم الموتى يكلمونهم - كما اقترحوا كذلك ! - ولو حشر الله عليهم كل شيء في هذا الوجود يواجههم ويدعوهم إلى الإيمان ! . . إنهم لا يؤمنون - إلا أن يشاء الله - والله سبحانه لا يشاء ، لأنهم هم لا يجاهدون في الله ليهديهم الله إليه . . وهذه هي الحقيقة التي يجهلها أكثر الناس عن طبائع القلوب . .

إنه ليس الذي ينقص الذين يلجون في الضلال أنه لا توجد أمامهم دلائل وبراهين . . إنما الذي ينقصهم آفة في القلب ، وعطل في الفطرة ، وانطماس في الضمير . .

وإن الهدى جزاء لا يستحقه إلا الذين يتجهون إليه ، والذين يجاهدون فيه . .

انتهى الجزء السابع ويليه الجزء الثامن مبدوءاً بقوله تعالى :

( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة )

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ} (110)

الطغيان : مجاوزة الحدود .

يعمهون : يترددون في الضلال ، والعمَهُ للبصيرة كالعمى للبصر .

ونقلّب قلوبهم وعيونهم فلا يعقلونها ، ولا يبصرونها فلا يؤمنون بها كما لم يؤمن آباؤهم بالحق أول مرة ، وندعهم في ظلمهم وطغيانهم يترددون .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ} (110)

قوله تعالى : " ونقلب أفئدتهم وأبصارهم " هذه آية مشكلة ، ولا سيما وفيها " ونذرهم في طغيانهم يعمهون " . قيل : المعنى ونقلب أفئدتهم وأنظارهم يوم القيامة على لهب النار وحر الجمر ، كما لم يؤمنوا في الدنيا . " ونذرهم " في الدنيا ، أي نمهلهم ولا نعاقبهم ، فبعض الآية في الآخرة ، وبعضها في الدنيا . ونظيرها " وجوه يومئذ خاشعة{[6651]} " [ الغاشية : 2 ] فهذا في الآخرة . " عاملة ناصبة " في الدنيا . وقيل : ونقلب في الدنيا ، أي نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية ، كما حُلْنا بينهم وبين الإيمان أول مرة ، لما دعوتهم وأظهرت المعجزة . وفي التنزيل : " واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه{[6652]} " [ الأنفال : 24 ] . والمعنى : كان ينبغي أن يؤمنوا إذا جاءتهم الآية فرأوها بأبصارهم وعرفوها بقلوبهم ، فإذا لم يؤمنوا كان ذلك بتقليب الله قلوبهم وأبصارهم . " كما لم يؤمنوا به أول مرة " ودخلت الكاف على محذوف ، أي فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة ، أي أول مرة أتتهم الآيات التي عجزوا عن معارضتها مثل القرآن وغيره . وقيل : ونقلب أفئدة هؤلاء كيلا يؤمنوا ، كما لم تؤمن كفار الأمم السالفة لما رأوا ما اقترحوا من الآيات . وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، أي أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا أول مرة ونقلب أفئدتهم وأبصارهم . " ونذرهم في طغيانهم يعمهون " يتحيرون . وقد مضى في " البقرة " {[6653]} .


[6651]:راجع ج 20 ص 26.
[6652]:راجع ص 169 و ص 390 من هذا الجزء.
[6653]:راجع ج 1 ص 209.