في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ أَمَرَ رَبِّي بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۚ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ} (29)

26

وبعد أن ينكر عليهم دعواهم في أن الله أمرهم بهذه الفاحشة ، يبين لهم أن أمر الله يجري في اتجاه مضاد . . لقد أمر الله بالعدل والاعتدال في الأمور كلها لا بالفحش والتجاوز . وأمر بالاستقامة على منهج الله في العبادة والشعائر ، والاستمداد مما جاء في كتابه على رسوله [ ص ] ولم يجعل المسألة فوضى ، يقول فيها كل إنسان بهواه ، ثم يزعم أنه من الله . وأمر بأن تكون الدينونة خالصة له ، والعبودية كاملة ؛ فلا يدين أحد لأحد لذاته ولا يخضع أحد لأمر أحد لذاته :

( قل أمر ربي بالقسط ، وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ، وادعوه مخلصين له الدين ) . .

هذا ما أمر الله به ، وهو يضاد ما هم عليه . . يضاد اتباعهم لآبائهم وللشرائع التي وضعها لهم عباد مثلهم ، مع دعواهم أن الله أمرهم بها . . ويضاد العري والتكشف وقد امتن الله على بني آدم بأنه أنزل عليهم لباساً يواري سوآتهم وريشاً يتجملون به كذلك . . ويضاد هذا الشرك الذي يزاولونه ، بازدواج مصادر التشريع لحياتهم ولعبادتهم . .

وعند هذا المقطع من البيان يجيء التذكير والإنذار ؛ ويلوّح لهم بالمعاد إلى الله بعد انتهاء ما هم فيه من أجل مرسوم للابتلاء ؛ وبمشهدهم في العودة وهم فريقان : الفريق الذي اتبع أمر الله ، والفريق الذي اتبع أمر الشيطان :

كما بدأكم تعودون : فريقا هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة ، إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ، ويحسبون أنهم مهتدون . .

إنها لقطة واحدة عجيبة تجمع نقطة البدء في الرحلة الكبرى ونقطة النهاية . نقطة الانطلاق في البدء ونقطة المآب في الانتهاء :

( كما بدأكم تعودون ) . .

/خ34

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قُلۡ أَمَرَ رَبِّي بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۚ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ} (29)

القسط : الاعتدال في جميع الأمور .

إقامة الشيء : إعطاؤه حقه وتوفيته شروطه ، أقيموا وجوهكم : أعطوا توجهكم إلى الله حقه .

وبعد أن أنكر عليهم أن يكونوا على علم بأمر الله فيما فعلوا ، بيّن ما يأمر به الله من محاسن الأعمال ومكارم الأخلاق بقوله لرسوله :

{ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بالقسط . . . } أي : بالعدل ، وما لا فُحش فيه . وأمركم أن تخصّوه بالعبادة في كل زمانٍ ومكان ، وأن تكونوا مخلِصين له الدينَ ، ولا تتوجهوا إلى غيره .

وبعد أن بيّن أصلَ الدين ، وأمَرَنا بالتوجّه إليه وحدَه ، ذكّرنا بالبعث والجزاء على الأعمال فقال :

{ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } أي : إنكم أيها البشَر كما بدأ الله خلقَكم وتكوينَكم ستعودون إليه يوم القيامة ، تاركين ما حولكم من النِّعم وراء ظهوركم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُلۡ أَمَرَ رَبِّي بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۚ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ} (29)

قوله تعالى : " قل أمر ربي بالقسط " قال ابن عباس : لا إله إلا الله . وقيل : القسط العدل ؛ أي أمر : العدل فأطيعوه . ففي الكلام حذف . " وأقيموا وجوهكم " أي توجهوا إليه في كل صلاة إلى القبلة . " عند كل مسجد " أي في أي مسجد كنتم . " وادعوه مخلصين له الدين " أي وحدوه ولا تشركوا به . " كما بدأكم تعودون " نظيره " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة{[7083]} " [ الأنعام : 94 ] وقد تقدم . والكاف في موضع نصب ، أي تعودون كما بدأكم ، أي كما خلقكم أول مرة يعيدكم . وقال الزجاج : هو متعلق بما قبله . أي ومنها تخرجون كما بدأكم تعودون .


[7083]:راجع ج 42 من هذا الجزء.