في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ} (83)

75

ثم يمضي السياق يحدث الجماعة المسلمة عن حال اليهود ، ومواقفهم التي يتجلى فيها العصيان والالتواء والانحراف والنكول عن العهد والميثاق . ويواجه اليهود بهذه المواقف على مشهد من المسلمين :

( وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله ؛ وبالوالدين إحسانا ؛ وذي القربى واليتامى والمساكين ؛ وقولوا للناس حسنا ؛ وأقيموا الصلاة ، وآتوا الزكاة . . ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون . وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم . ثم أقررتم وأنتم تشهدون . . ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ، وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان ، وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ، وهو محرم عليكم إخراجهم . أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب ، وما الله بغافل عما تعملون . أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ، فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ) . .

ولقد سبقت الإشارة إلى الميثاق في معرض تذكير الله لبني إسرائيل بإخلاف موقفهم معه في الدرس الماضي . فهنا شيء من التفصيل لبعض نصوص هذا الميثاق .

ومن الآية الأولى ندرك أن ميثاق الله مع بني إسرائيل ، ذلك الميثاق الذي أخذه عليهم في ظل الجبل ، والذي أمروا أن يأخذوه بقوة وأن يذكروا ما فيه . . أن ذلك الميثاق قد تضمن القواعد الثابتة لدين الله . هذه القواعد التي جاء بها الإسلام أيضا ، فتنكروا لها وأنكروها .

لقد تضمن ميثاق الله معهم : ألا يعبدوا إلا الله . . القاعدة الأولى للتوحيد المطلق . وتضمن الإحسان إلى الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين . وتضمن خطاب الناس بالحسنى ، وفي أولها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . . كذلك تضمن فريضة الصلاة وفريضة الزكاة . وهذه في مجموعها هي قواعد الإسلام وتكاليفه . .

ومن ثم تتقرر حقيقتان : الأولى هي وحدة دين الله ؛ وتصديق هذا الدين الأخير لما قبله في أصوله . والثانية هي مقدار التعنت في موقف اليهود من هذا الدين ، وهو يدعوهم لمثل ما عاهدوا الله عليه ، وأعطوا عليه الميثاق .

وهنا - في هذا الموقف المخجل - يتحول السياق من الحكاية إلى الخطاب ، فيوجه القول إلى بني إسرائيل . وكان قد ترك خطابهم والتفت إلى خطاب المؤمنين . ولكن توجيه الخطاب إليهم هنا أخزى وأنكى :

( ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون ) . .

وهكذا تتكشف بعض أسرار الالتفات في سياق القصص وغيره في هذا الكتاب العجيب !

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ} (83)

الميثاق : العهد الشديد . اليتيم : من لا أب له . المسكين : من سكنت يده عن العمل ، العاجز عن الكسب .

بعد ما بسطت الآيات السابقة ما أنعم الله به على بني إسرائيل ، جاء الكتاب هنا يبين أهم ما أُمر به أسلافهم من عبادات ، وكيف كانوا يُصمّون أسماعهم عن سماع دعوى الحق .

فأول شيء وأهمه دعاؤهم إلى عبادة الله وحده ، ثم الإحسان إلى الوالدين . ويترتب على ذلك ترابط الأسرة وتماسكها . فالأمة مكونة من مجموع الأسر والبيوت ، وصلاح الأمة بصلاح الأسرة . وقد أكد القرآن على ترابط الأسرة ، والحفاظ عليها ، وتقويتها من برِّ الوالدين أولاً ، ثم ذوي القربى ، ثم الإحسان إلى اليتامى بحسن تربيتهم وحفظ حقوقهم من الضياع .

ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « أنا وكافلُ اليتيم في الجنة » رواه البخاري وأحمد وأبو داود والترمذي عن سهل بن سعد ، وفي رواية : « أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين » وأشار بالسّبابة والوسطى . فهل بعد ذلك منزلة أكبر !

ثم قال تعالى : { وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً } فبعد ما أمر بالإحسان إلى الوالدين والأقربين والمساكين واليتامى ، أمرنا إذا لم نستطع أن نحسن إلى جميع الناس بالفعل ، فلنُحسن العِشرة ، إذ أن الكلمة الطيبة صدقة كما ورد في الحديث الصحيح . {[1]}

ثم بعد ذلك قال : { وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة } وهنا لم يقل «صلّوا » بل قال أقيموا الصلاة ، أي : صلوها على أحسن وجوهها . وهاتان فريضتان من أهم الفرائض التي تنقّي النفوس من الأدران . فإذا صلحت النفوس صلَح المجتمع بأسره .

ثم ماذا حصل بعد أن أخذ الميثاق على أسلاف بني إسرائيل ؟

الذي حصل أنهم تولوا وأعرضوا ونقضوا الميثاق إلا قليلا منهم أذعن للحق .

القراءات :

قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم ويعقوب : «لا تعبدون » بالتاء الفوقية ، وقرأ الباقون : «لا يعبدون » بالياء . وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب : «حَسَنا » والباقون «حُسنا » ، وقرئ : «حُسُنا » بضمتين . و«حسنى » كبشرى .


[1]:وقد روى الإمام أحمد ومسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرن من المعروف شيئا. وإن لم تجد فالق أخاك بوجه منطلق"