في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ} (84)

وكما أمر اللّه رسوله - [ ص ] - بألا يسمح للمتخلفين في ساعة العسرة أن يعودوا فينتظموا في الصفوف ، كذلك أمره ألا يخلع عليهم أي ظلال من ظلال التكريم :

( ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره . إنهم كفروا باللّه ورسوله وماتوا وهم فاسقون ) .

ولقد ذكر المفسرون حوادث خاصة عنتها هذه الآية . ولكن دلالة الآية أعم من الحوادث الخاصة . فهي تقرر أصلاً من أصول التقدير في نظام الجماعة المكافحة في سبيل العقيدة ، هو عدم التسامح في منح مظاهر التكريم لمن يؤثرون الراحة المسترخية على الكفاح الشاق ؛ وعدم المجاملة في تقدير منازل الأفراد في الصف . ومقياس هذا التقدير هو الصبر والثبات والقوة والإصرار والعزيمة التي لا تسترخي ولا تلين .

والنص يعلل هذا النهي في موضعه هنا ( إنهم كفروا باللّه ورسوله وماتوا وهم فاسقون )وهو تعليل خاص بعدم الصلاة أو قيام الرسول - [ ص ] - على قبر منافق . . ولكن القاعدة - كما ذكرنا - أوسع من المناسبة الخاصة . فالصلاة والقيام تكريم . والجماعة المسلمة يجب ألا تبذل هذا التكريم لمن يتخلف عن الصف في ساعة الجهاد ، لتبقى له قيمته ، ولتظل قيم الرجال منوطة بما يبذلون في سبيل اللّه ، وبما يصبرون على البذل ، ويثبتون على الجهد ، ويخلصون أنفسهم وأموالهم للّه لا يتخلفون بهما في ساعة الشدة ، ثم يعودون في الصف مكرمين !

لا التكريم الظاهر ينالونه في أعين الجماعة ، ولا التكريم الباطن ينالونه في عالم الضمير :

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ} (84)

بعد أن أمر الله رسوله بفضح المنافقين وإذلالهم بمنعهم من الجهاد ، أمره أن لا يصلّي على من مات منهم ، ولا يوليهم أيَّ تكريم ، فهم لا يستحقونه أبدا .

{ وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ } .

لا تُصَلِّ أيها الرسولُ بعد الآن في جنازة أحدٍ من هؤلاء المنافقين ، ولا تتولّ دفنه ، ولا تقُمْ عليه كما تفعل على قبور المؤمنين . وكان الرسول إذا فرغ من دفن الميت وقف على قبره وقال : ( استغفِروا لأخيكم وسلوا له التثبُّت فإنّه الآن يُسأل ) . رواه أبو داود والحكم عن عثمان رضي الله عنه .

{ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ } .

لأنهم كفروا وماتوا وهم خارجون من حظيرة الإسلام .

روى أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم عن ابن عباس قال : ( سمعت عمر بن الخطاب يقول : لما توفي عبد الله بن أُبّي ، دُعي رسول الله للصلاة عليه ، فقام عليه ، فلما وقف قلت : أَتصلي على عدوّ الله ، عبدِ الله بن أبّي القائل كذا وكذا ؟ ورسولُ الله يبتسم . حتى إذا أكثرتُ قال : يا عمر ، أخِّر عني . إنّي قد خُيرت : قد قيل لي : استغفر لهم . . . الآية ، فلو أعلم أني زدتُ على السبعين غُفر له لزدتُ عليها ) . ثم صلى عليه ومشى معه حتى قام على قبره إلى أن فرغ منه . فعجبتُ لي ولجرأتي على رسول الله ، فوا اللهِ ما كان إلا يسيراً حتى نزلتْ هاتان الآيتان : ( ولا تصلِّ على أحدٍ منهم ماتَ أبدا . . ) فما صلى رسول الله على منافق بعده ) .

وقد أنكر بعضُ العلماء هذا الحديث ، وقالوا إنه مخالف للآية ، وقد روي عن طريق ابن عمر وجابر بن عبد الله ، ولا أرى في هذا الحديث ما يخالف الآية إذا كان الحديث من أسباب النزول . والحديث صحيح لا مجال للطعن فيه ، والنبي إنما صلى عليه من أجل ولدِه المؤمن الصحابيّ الجليل ، وكان هذا طلبَ من الرسول الكريم أن يصلّي على والده وقال له : يا رسول الله ، إنك إن لم تأتِه نُعَيَّر به .