والحكم الثالث في هذه النصوص هو الحكم المتعلق بمن يريدون المهادنة والموادعة للمعسكر الإسلامي ؛ ويجنحون إلى السلم والمسالمة ؛ وتدل ظواهرهم وأفعالهم على رغبتهم في السلم حقاً :
( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ، وتوكل على الله . إنه هو السميع العليم ) .
والتعبير عن الميل إلى السلم بالجنوح ، تعبير لطيف ، يلقي ظل الدعة الرقيق . فهي حركة جناح يميل إلى جانب السلم ، ويرخي ريشه في وداعة ! كما أن الأمر بالجنوح إلى السلم مصحوب بالتوكل على الله السميع العليم الذي يسمع ما يقال ويعلم ما وراءه من مخبآت السرائر . وفي التوكل عليه الكفاية والأمان .
وبالعودة إلى تلخيص الإمام ابن القيم لطوائف الكفار ومواقفهم من رسول الله [ ص ] وموقفه كذلك منهم ، أول العهد بالمدينة إلى يوم بدر ونزول هذا الحكم ، يتبين أن هذا النص يتعلق بالفريق الذي اعتزل رسول الله [ ص ] ولم يقاتله ؛ وجنح إلى السلم ولم يظهر العداء والمقاومة للدعوة الإسلامية ، ولا للدولة المسلمة . وقد أمر الله رسوله [ ص ] أن يترك هذا الفريق ، وأن يقبل مهادنته ومسالمته [ وذلك حتى نزلت براءة ونزل فيها إمهال من لم يكن له عهد ، أو كان له عهد غير موقت ، مدة أربعة أشهر ، يكون له بعدها حكم آخر بحسب موقفه ] ومن ثم فهو ليس حكماً نهائياً على إطلاقه الذي يؤخذ من نصه مجرداً عن هذه الملابسات ، ومجرداً كذلك عن النصوص التالية له في الزمن ، وعن التصرفات الواقعية بعده لرسول الله [ ص ] .
ولكن النص كان له نوع من العموم في الحكم في حينه . فقد عمل رسول الله [ ص ] به - حتى نزلت سورة براءة - ومن عمله به كان صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة . .
ولقد اتجه بعض الفقهاء إلى اعتبار الحكم نهائياً ودائماً ففسروا الجنوح إلى السلم بقبول أداء الجزية . . ولكن هذا لا يتفق مع الواقع التاريخي ؛ فإن أحكام الجزية نزلت في سورة براءة بعد السنة الثامنة للهجرة ، وهذه الآية نزلت في السنة الثانية بعد بدر ؛ ولم تكن أحكام الجزية موجودة . والأقرب إلى الصحة بمراجعة الأحداث وتواريخ النزول والطبيعة الحركية للمنهج الإسلامي ، أن يقال : إن هذا الحكم ليس نهائياً ؛ وأنه عدل أخيراً بالأحكام النهائية التي نزلت في سورة براءة [ التوبة ] والتي انتهى بها الناس إلى أن يكونوا مع الإسلام : إما محاربين يحاربون . وإما مسلمين تحكمهم شريعة الله . وإما أهل ذمة يؤدون الجزية وهم على عهدهم ما استقاموا . . وهذه هي الأحكام النهائية التي تنتهي إليها حركة الجهاد الإسلامي . وكل ما عداها هو حالات واقعية يسعى الإسلام إلى تغييرها حتى تنتهي إلى هذه الأوضاع الثلاثة التي تمثل العلاقات النهائية ، وهي العلاقات التي يمثلها الحديث الذي أخرجه مسلم ورواه الإمام أحمد :
قال أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن علقمة بن مرثد ، عن سليمان بن يزيد ، عن أبيه ، عنيزيد بن الخطيب الأسلمي - رضي الله عنه - قال : كان رسول الله [ ص ] إذا بعث أميراً على سرية أو جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ، وبمن معه من المسلمين خيراً ، وقال : " اغزوا باسم الله . في سبيل الله . قاتلوا من كفر بالله . إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال ، أو خلال ، فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم ، وكف عنهم . ادعهم إلى الإسلام . فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ، وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين . فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب ، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين . فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية . فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم . فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم " . .
والمشكل في هذا الحديث هو ذكر الهجرة ودار المهاجرين ، مع ذكر الجزية . . والجزية لم تفرض إلا بعد الفتح ؛ وبعد الفتح لم تعد هجرة [ بالقياس إلى الجماعة المسلمة الاولى التي انتهت إلى دار إسلام وفتح وتمكن ] والثابت أن الجزية لم تفرض إلا بعد السنة الثامنة ؛ وأنها من ثم لم تؤخذ من المشركين العرب لأنهم أسلموا قبل نزول الجزية . فقبلت بعد ذلك من أمثالهم من المشركين المجوس ، وهم مثلهم في الشرك ؛ ولو نزلت أحكام الجزية وفي الجزيرة مشركون لقبلت منهم كما يقرر الإمام ابن القيم . وهو فيما ذكر قول أبي حنيفة وأحد قولي الإمام أحمد [ أما القرطبي فقد روى هذا القول عن الأوزاعي ومالك ، وروى غيره عن أبي حنيفة ] :
وعلى أية حال فالذي ننتهي إليه ، أن قول الله تعالى :
( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ، إنه هو السميع العليم ) . .
لا يتضمن حكماً مطلقاً نهائياً في الباب ، وأن الأحكام النهائية نزلت فيما بعد في سورة براءة . إنما أمر الله رسوله أن يقبل مسالمة وموادعة ذلك الفريق الذي اعتزله فلم يقاتله سواء كان قد تعاهد ، أو لم يتعاهد معه حتى ذلك الحين . وأنه ظل يقبل السلم من الكفار وأهل الكتاب حتى نزلت أحكام سورة براءة . فلم يعد يقبل إلا الإسلام أو الجزية - وهذه هي حالة المسالمة التي تقبل ما استقام أصحابها على عهدهم - أو هو القتال ما استطاع المسلمون هذا ؛ ليكون الدين كله لله .
ولقد استطردت - بعض الشيء - في هذا البيان وذلك لجلاء الشبهة الناشئة من الهزيمة الروحية والعقلية التي يعانيها الكثيرون ممن يكتبون عن " الجهاد في الإسلام " ؛ فيثقل ضغط الواقع الحاضر على أرواحهم وعقولهم ؛ ويستكثرون على دينهم - الذي لا يدركون حقيقته - أن يكون منهجه الثابت هو مواجهة البشرية كلها بواحدة من ثلاث : الإسلام ، أو الجزية ، أو القتال ، وهم يرون القوى الجاهلية كلها تحارب الإسلام وتناهضه ؛ وأهله - الذين ينتسبون إليه وهم لا يدركون حقيقته ولا يشعرون بها شعوراً جدياً - ضعاف أمام جحافل أتباع الديانات والمذاهب الأخرى ؛ كما يرون طلائع العصبة المسلمة الحقة قلة بل ندرة ؛ ولا حول لهم في الأرض ولا قوة . . وعندئذ يعمد أولئك الكتاب إلى لَيِّ أعناق النصوص ليؤلوها تأويلاً يتمشى مع ضغط الواقع وثقله ؛ ويستكثرون على دينهم أن يكون هذا منهجه وخطته !
إنهم يعمدون إلى النصوص المرحلية ، فيجعلون منها نصوصاً نهائية ؛ وإلى النصوص المقيدة بحالات خاصة ، فيجعلون منها نصوصاً مطلقة الدلالة ؛ حتى إذا وصلوا إلى النصوص النهائية المطلقة أوّلوها وفق النصوصالمقيدة المرحلية ! وذلك كله كي يصلوا إلى أن الجهاد في الإسلام هو مجرد عملية دفاع عن أشخاص المسلمين ، وعن دار الإسلام عندما تهاجم ! وأن الإسلام يتهالك على أي عرض للمسالمة . والمسالمة معناها مجرد الكف عن مهاجمة دار الإسلام ! إن الإسلام - في حسهم - يتقوقع ، أو يجب أن يتقوقع داخل حدوده - في كل وقت - وليس له الحق أن يطالب الآخرين باعتناقه ، ولا بالخضوع لمنهج الله ، اللهم إلا بكلمة أو نشرة أو بيان ! أما القوة المادية - الممثلة في سلطان الجاهلية على الناس - فليس للإسلام أن يهاجمها إلا أن تهاجمه ، فيتحرك حينئذ للدفاع !
ولو أراد هؤلاء المهزومون روحياً وعقلياً أمام ضغط الواقع الحاضر ، أن يلتمسوا في أحكام دينهم ما يواجه هذا الواقع - دون ليّ لأعناق النصوص - لوجدوا فيه هذه الواقعية الحركية في أحكامه وتصرفاته المرحلية التي كان يواجه بها ضغط الواقع المشابه لما نواجهه نحن اليوم ؛ ولاستطاعوا أن يقولوا : إنه في مثل هذه الحال كان الإسلام يتصرف على هذا النحو ، ولكن هذه ليست هي القواعد الدائمة ؛ إنما هي الأحكام والتصرفات التي تواجه الضرورة .
وهذه أمثلة ونماذج من الأحكام والتصرفات المرحلية في أوقات الضرورات :
لقد عقد رسول الله [ ص ] أول مقدمه المدينة مع اليهود حول المدينة والمشركين عهداً على المسالمة والموادعة والدفاع المشترك عن المدينة . مع التسليم بأن السلطة العليا في المدينة هي سلطة رسول الله [ ص ] والتعهد منهم بالدفاع عن المدينة معه ضد قريش ، والكف عن مناصرة أي مهاجم للمدينة ، أو عقد أي حلف مع المشركين المحاربين دون إذن من رسول الله [ ص ] وفي الوقت ذاته أمره الله أن يقبل السلم ممن يجنحون إلى السلم ، وإن كانوا لا يعقدون معه عهداً ، وأن يوادعهم ما وادعوه . . . ثم تغير هذا كله فيما بعد كما ذكرنا .
ولما كانت غزوة الخندق ؛ وتجمع المشركون على المدينة ؛ ونقضت بنو قريظة العهد ؛ وخاف رسول الله [ ص ] على المسلمين ؛ عرض على عيينة بن حصن الفزاري ، والحارث بن عوف المري رئيس غطفان الصلح على ثلث ثمار المدينة ، وأن ينصرفا بقومهما ويدعا قريشاً وحدها . وكانت هذه المقالة من رسول الله [ ص ] لهما مراوضة ولم تكن عقداً . فلما رأى رسول الله [ ص ] منهما أنهما قد رضيا ، استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فقالا : يا رسول الله ، هذا أمر تحبه فنصنعه لك ? أو شيء أمرك الله به فنسمع له ونطيع ? او أمر تصنعه لنا ? فقال : " بل أمر أصنعه لكم ، فان العرب قد رمتكم عن قوس واحدة " فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله ، والله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان ، ولا نعبد الله ولا نعرفه ، وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة ، إلا شراء أو قرى . فحين أكرمنا الله بالإسلام ، وهدانا له ، وأعزنا بك ، نعطيهم أموالنا ! والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم . فسر بذلك رسول الله [ ص ] وقال : " أنتم وذاك " وقال لعيينة والحارث : " انصرفا ، فليس لكما عندنا إلا السيف " . . فهذا الذي فكر فيه رسول الله [ ص ] إجراء لمواجهة الضرورة . . وليس حكماً نهائياً . .
وعقد رسول الله مع مشركي قريش صلح الحديبية - وهم على شركهم - بشروط لم يسترح إليها المسلمون ، وذلك على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين ، وأن يأمن الناس بعضهم من بعض ، وأن يرجع عنهم عامه ذلك ، حتى إذا كان العام المقبل قدمها وخلوا بينه وبين مكة فأقام بها ثلاثاً ، وألا يدخلها إلا بسلاح الراكبوالسيوف في القرب ، وأن من أتى المشركين من أصحاب النبي لم يردوه ، ومن أتاه من أصحاب المشركين رده . . . وقد رضي رسول الله [ ص ] بما ألهمه الله - هذه الشروط ، التي تبدو في ظاهرها مجحفة ، لأمر يريده الله ألهم به رسوله . . وفيها متسع - على كل حال - لمواجهة الظروف المشابهة ؛ تتصرف من خلاله القيادة المسلمة . .
إن المنهج الحركي لهذا الدين يواجه الواقع دائماً بوسائل مكافئة ، وهو منهج متحرك مرن ، ولكنه متين واضح ، والذين يلتمسون فيه ما يواجهون به الواقع في كل حالة لن يضطروا إلى ليّ أعناق النصوص وتأويلها تأويلات تأباها ! وإنما المطلوب هو تقوى الله ، والتحرج من تطويع دينه لواقع الشر الجاهلي ، والهزيمة به والوقوف به موقف الدفاع ، وهو دين مسيطر حاكم ، يلبي - وهو في مركز الاستعلاء والمبادأة - كل حاجات الواقع وضروراته والحمد للّه .
وعندما أمر الله تعالى رسوله [ ص ] أن يقبل موادعة من وادعوه ، وأن يجنح للسلم معهم متى جنحوا إليه ؛ وجهه إلى التوكل عليه ، وطمأنه إلى إحاطته سبحانه بسرائر القوم المخبوءة :
( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ، إنه هو السميع العليم ) . .
الأولى - قوله تعالى : " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها " إنما قال " لها " لأن السلم مؤنثة . ويجوز أن يكون التأنيث للفعلة . والجنوح الميل . يقول : إن مالوا - يعني الذين نبذ إليهم عهدهم - إلى المسالمة ، أي الصلح ، فمل إليها . وجنح الرجل إلى الآخر : مال إليه ، ومنه قيل للأضلاع جوانح ، لأنها مالت على الحشوة{[7781]} . وجنحت الإبل : إذا مالت أعناقها في السير . وقال ذو الرمة :
إذا مات فوق الرحل أحييتُ روحه *** بذكراك والعِيسُ المراسيل{[7782]} جُنَّحُ
وقال النابغة{[7783]} :
جوانح قد أيقنَّ أن قبيله *** إذا ما التقى الجمعان أولُ غالب
يعني الطير . وجنح الليل إذا أقبل وأمال أطنابه على الأرض . والسلم والسلام هو الصلح . وقرأ الأعمش وأبو بكر وابن محيصن والمفضل " للسلم " بكسر السين . الباقون بالفتح . وقد تقدم معنى ذلك في " البقرة{[7784]} " مستوفى . وقد يكون السلام من التسليم . وقرأ الجمهور " فاجنح " بفتح النون ، وهي لغة تميم . وقرأ الأشهب العقيلي " فاجنح " بضم النون ، وهي لغة قيس . قال ابن جني : وهذه اللغة هي القياس .
الثانية - وقد اختلف في هذه الآية ، هل هي منسوخة أم لا . فقال قتادة وعكرمة : نسخها " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم{[7785]} " [ التوبة : 5 ] . " وقاتلوا المشركين كافة " [ التوبة : 36 ] وقالا : نسخت براءة كل موادعة ، حتى يقولوا لا إله إلا الله . ابن عباس : الناسخ لها " فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم " [ محمد : 35 ] . وقيل : ليست بمنسوخة ، بل أراد قبول الجزية من أهل الجزية . وقد صالح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن بعده من الأئمة كثيرا من بلاد العجم ، على ما أخذوه منهم ، وتركوهم على ما هم فيه ، وهم قادرون على استئصالهم . وكذلك صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا من أهل البلاد على مال يؤدونه ، من ذلك خيبر ، رد أهلها إليها بعد الغلبة على أن يعملوا ويؤدوا النصف . قال ابن إسحاق : قال مجاهد عنى بهذه الآية قريظة ، لأن الجزية تقبل منهم ، فأما المشركون فلا يقبل منهم شيء . وقال السدي وابن زيد . : معنى الآية إن دعوك إلى الصلح فأجبهم . ولا نسخ فيها . قال ابن العربي : وبهذا يختلف الجواب عنه ، وقد قال الله عز وجل : " فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم{[7786]} " [ محمد : 35 ] . فإذا كان المسلمون على عزة وقوة ومنعة ، وجماعة عديدة ، وشدة شديدة فلا صلح ، كما قال :
فلا صلح حتى تُطعن الخيل بالقَنَا *** وتضربُ بالبيض الرقاق الجماجم
وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح ، لنفع يجتلبونه ، أو ضرر يدفعونه ، فلا بأس أن يبتدئ المسلمون به{[7787]} إذا احتاجوا إليه . وقد صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على شروط نقضوها فنقض صلحهم . وقد صالح الضمري{[7788]} وأكيدر دومة وأهل نجران ، وقد هادن قريشا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده . وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرعناها سالكة ، وبالوجوه التي شرحناها عاملة . قال القشيري : إذا كانت القوة للمسلمين فينبغي ألا تبلغ الهدنة سنة . وإذا كانت القوة للكفار جاز مهادنتهم عشر سنين ، ولا تجوز الزيادة . وقد هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة عشر سنين . قال ابن المنذر : اختلف العلماء في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وبين أهل مكة عام الحديبية ، فقال عروة : كانت أربع سنين . وقال ابن جريج : كانت ثلاث سنين . وقال ابن إسحاق : كانت عشر سنين . وقال الشافعي رحمه الله : لا تجوز مهادنة المشركين أكثر من عشر سنين ، على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ، فإن هودن المشركون أكثر من ذلك فهي منتقضة ، لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية . وقال ابن حبيب عن مالك رضي الله عنه : تجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث ، وإلى غير مدة . قال المهلب : إنما قاضاهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه القضية التي ظاهرها الوهن على المسلمين ، لسبب حبس الله ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة ، حين توجه إليها فبركت . وقال : ( حبسها حابس الفيل ) . على ما خرجه البخاري من حديث المسور بن مخرمة . ودل على جواز صلح المشركين ومهادنتهم دون مال يؤخذ منهم ، إذا رأى ذلك الإمام وجها . ويجوز عند الحاجة للمسلمين عقد الصلح بمال يبذلونه للعدو ، لموادعة النبي صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن الفزاري ، والحارث بن عوف المري{[7789]} يوم الأحزاب ، على أن يعطيهما ثلث ثمر المدينة ، وينصرفا بمن معهما من غطفان ويخذلا قريشا ، ويرجعا بقومهما عنهم . وكانت هذه المقالة مراوضة{[7790]} ولم تكن عقدا . فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما أنهما قد أنابا ورضيا استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، فقالا : يا رسول الله ، هذا أمر تحبه فنصنعه لك ، أو شيء أمرك الله به فنسمع له ونطيع ، أو أمر تصنعه لنا ؟ فقال : ( بل أمر أصنعه لكم فإن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ) ، فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله ، والله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان ، لا نعبد الله ولا نعرفه ، وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة ، إلا شراء أو قرى ، فحين أكرمنا الله بالإسلام ، وهدانا له وأعزنا بك ، نعطيهم أموالنا ! والله لا نعطيهم إلا السيف ، حتى يحكم الله بيننا وبينهم . فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( أنتم وذاك ) . وقال لعيينة والحارث : ( انصرفا فليس لكما عندنا إلا السيف ) . وتناول سعد الصحيفة ، وليس فيها شهادة أن لا إله إلا الله{[7791]} فمحاها .
قوله تعالى : { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم 61 وإن يريدون أن يخادعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين 62 وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم } .
{ جنحوا } ، من الجنوح وهو الميل{[1685]} والسلم ، بفتح السين . وقيل بالكسر . والسلم والسلام بمعنى المصالحة والمهادنة . والسلم مؤنثة ، لذلك قال : { لها } والمعنى : إن مال الكافرون إلى مسالمتكم ومتاركة الحرب ؛ إما بدخولهم الإسلام ، أو بإعطاء الجزية ، أو بالموادعة ، أو نحو ذلك من أسباب الصلح { فاجنح لها } أي فمل إليها وابذل للكافرين الجانحين ما مالوا إليه من المصالحة .
وقد اختلفوا في نسج هذه الآية ؛ فقد قيل : نسخها قوله : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } وقوله أيضا : { وقاتلوا المشركين كافة } وقيل : نسخت سورة براءة كل موادعة حتى يقولوا لا إله إلا الله فيسلموا ، والناسخ هو قوله تعالى : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر } إلى قوله : { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } . وقتال ابن عباس : الناسخ لهذه الآية هو قوله تعالى : { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم } .
وقيل : ليست هذه الآية منسوخة بل هي محكمة ، والمراد به قبول الجزية من أهل الجزية ، وقد قبلها منهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن عمر ومن بعده من الأئمة ؛ إذ صالحوا كثيرا من أهل العجم على ما أخذوه منهم ، وترموهم وشأنهم من حيث عبادتهم وطقوسهم وشعائرهم الدينية . وصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بعد أن أظفره الله بهم .
على أن المسلمين إن كانت لهم مصلحة في الموادعة والصلح بما يحقق لهم المنفعة ويدفع عنهم ضرر ؛ فلا بأس أن يبادر المسلمون بالمصالحة عند الحاجة ؛ فقد هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا لعشرة أعوام حتى نقضوا عنهم معه . واختلفوا في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة عام الحديبية ، فقد قيل : كانت أربع سنين . وقيل : كانت ثلاثا . وقيل : كانت عشرا . وذهب الإمام الشافعي إلى أنه لا يجوز أن يهادن المسلمون المشركين أكثر من عشر سنوات على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية . وذكر عن الإمام مالك أنه تجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث ، وإلى غير مدة .
وإذا حاقت بالمسلمين الخطوب والمخاطر ، واستحوذ عليهم العدو الغادر ، وضاقت بهم الدنيا ، وكانوا قلة ، ورأوا أنه لا حيلة لهم في مواجهة العدو لقوته وضعفهم ؛ جاز لهم حينئذ أن يبدلوا له المال لموادعته ومهانته حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا .
أما المشركين من غير أهل الكتاب فما ينبغي أن يقبل المسلمون منهم غير الإسلام أو القتال ؛ لأن هؤلاء المشركين الذين يقدسون الأوثان ، أو الذين يعتنقون المادية المحضة فلا يعترفون بإلهية ولا دين ، لا جرم أنهم جناة في حق أنفسهم وفي حق عقولهم التي عطلوها تعطيلا . فما كان لهم بذلك أن يستأهلوا من تكريم ؛ فلا تؤخذ منهم جزية ، ولا ينبغي لهم الصلح أو المهادنة إلا الإسلام ؛ لأنه مبعث الهداية والترشيد والخير للإنسانية جمعاء . بخلاف أهل الكتاب ؛ إذ جعل الله لهم بعضا من اعتبار بقبول الجزية منهم وتركهم وما يدينون .
أما المسلمون إذا كانوا كثيرا ، وكانت جموعهم بأعدادها وأجيالها تملأ بقاع الأرض –كحالهم في هذا العصر- فإنه ما ينبغي لهم أن يهادنوا أئمة الظلم والظلمات أو يوادعوهم ما دام هؤلاء الظالمون قد بلغوا على المسلمين ؛ فسلبوا ديارهم وأوطانهم ، وأذلوا شعبوهم وأجيالهم ، واغتصبوا أموالهم وخيرات بلادهم ، وداسوا شرفهم وكراماتهم ، وبدلوا دينهم وثقافتهم وقيمهم تبديلا . إنه لا مساغ البتة –والحال على ما هو عليه من التعس والعار والذلة- أن يهادن المسلمون أعداء الله . بل على المسلمين في كل أنحاء العالم أن يلتئموا جميعا ليكونوا أمة واحدة متآزرة متعاونة ، يشد بعضها بعضا ؛ فيواجهوا بوحدتهم والتئامهم وقوتهم وعقيدتهم عدو الله وعدوهم في حرب حامية مستعرة ، مهما عظم فيها البذل والتضحيات . حتى يكتب الله للمؤمنين العاملين الثابتين النصر ؛ فتخفق راية الإسلام فوق ربوع البلاد وفيها فلسطين والقوقاز وسمرقند وأثيوبيا والأندلس .
قوله : { وتوكل على الله إنه هو السميع العليم } أي فوض الأمر إلى الله ، ليكون لك خير معين ومجير ، ولكي يقويك وينصرك على الأعداء الظالمين إذا عدلوا عن الوفاء بالعهد فنقضوه ، والله جل وعلا عالم بما يخفيه العباد من نوايا ، وسامع لما يصدر عنهم من أقوال سواء في الخير أو الشر والكيد والتآمر ؛ فالله محيط بذلك كله ليجازي الأشرار والمتربصين وأعداء دينه ما ينبغي لهم من سوء الحساب .