وهناك الفريق الآخر ممن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان :
( ومن الأعراب من يؤمن باللّه واليوم الآخر ، ويتخذ ما ينفق قربات عند اللّه وصلوات الرسول . ألا إنها قربة لهم . سيدخلهم اللّه في رحمته . إن اللّه غفور رحيم )
فهو الإيمان باللّه واليوم الآخر باعث الإنفاق عند هذا الفريق ، لا الخوف من الناس ، ولا الملق للغالبين ، ولا حساب الربح والخسارة في دنيا الناس !
وهذا الفريق المؤمن باللّه واليوم الآخر يبتغي بما ينفق أن يكون قربى من اللّه ؛ ويتطلب صلوات الرسول . . أي دعواته . . الدالة على رضاه [ ص ] ، المقبولة عند اللّه ، وهو يدعو بها للمؤمنين باللّه واليوم الآخر ، المنفقين ابتغاء القربى من اللّه ورضاه .
لذلك يبادر السياق فيقرر لهم أنها قربى مقبولة عند اللّه :
ويبشرهم بحسن العاقبة وعداً من اللّه حقاً :
( سيدخلهم اللّه في رحمته ) . .
ويجسم الرحمة كأنها دار يدخلونها فتحتويهم ؛ وذلك في مقابل تجسيم ( دائرة السوء )على الفريق الاخر ، الذي يتخذ ما ينفق مغرماً ، ويتربص بالمؤمنين الدوائر .
يقبل التوبة ، ويتقبل النفقة ، ويغفر ما كان من ذنب ، ويرحم من يبتغون الرحمة .
قوله تعالى : " ومن الأعراب من يؤمن بالله " أي صدق . والمراد بنو مقرن من مزينة ؛ ذكره المهدوي . " قربات " جمع قربة ، وهي ما يتقرب به إلى الله تعالى ، والجمع قرب وقربات وقربات وقربات ، حكاه النحاس . والقربات بالضم ما تقرب به إلى الله تعالى ، تقول منه : قربت لله قربانا . والقربة بكسر القاف ما يستقي فيه الماء ؛ والجمع في أدنى العدد قِرْبات وقِرِبات وقِرَبات ، وللكثير قرب . وكذلك جمع كل ما كان على فعلة ، مثل سدرة وفقرة ، لك أن تفتح العين وتكسر وتسكن ، حكاه الجوهري . وقرأ نافع في رواية ورش " قربة " بضم الراء وهي الأصل . والباقون بسكونها تخفيفا ، مثل كتب ورسل ، ولا خلاف في قربات . وحكى ابن سعدان أن يزيد بن القعقاع قرأ " ألا إنها قربة لهم " . ومعنى " وصلوات الرسول " استغفاره ودعاؤه . والصلاة تقع على ضروب ، فالصلاة من الله جل وعز الرحمة والخير والبركة ، قال الله تعالى : " هو الذي يصلي عليكم وملائكته{[8221]} " [ الأحزاب :43 ] والصلاة من الملائكة الدعاء ، وكذلك هي من النبي صلى الله عليه وسلم ؛ كما قال : " وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم " [ التوبة :103 ] أي دعاؤك تثبيت لهم وطمأنينة . " ألا إنها قربة لهم " أي تقربهم من رحمة الله ، يعني نفقاتهم .
قوله : { ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول } وفي مقابل المنافقين من الأعراب ثمة فريق آخر منهم مخالف لهم ، وهم المؤمنون منهم الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر على الوجه الصحيح المأمور به في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم { ويتخذ ما ينفق قربات عند الله } قربات ، جمع قربة ، وهي ما يتقرب به المؤمن إلى الله . وقربات مفعول به ثان للفعل يتخذ . والمعنى : أن هذا الفريق من الأعراب مؤمنون صادقون يتخذون ما ينفقون سببا للتقرب إلى الله ونيل مرضاته { وصلوات الرسول } معطوف على قربات ؛ أي يعدون ما ينفقون من أموالهم سببا لدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام يدعو الذين يتصدقون بالخير والبركة ويستغفر لهم . لا جرم أن الدعاء الزكي الكريم من خير الأنام رسول الله صلى الله عليه وسلم بغية كل مؤمن صادق مخلص يهفو قلبه لمثل هذا الدعاء المبارك عسى أن يحظى بالاستجابة من الله . والله جل وعلا يتقبل الدعاء من عبده الطائع المخبت إذا ما دعاه متضرعا إليه متوسلا ، فيكف بالداعي إن كان خير البرية ، وأكرمها على الله في العالمين صلى الله عليه وسلم ؟ ومن أجل ذلك فإنه يسن لآخذ الصدقة أن يدعو بالخير للمتصدق عند أخذها .
قوله : { ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته } { ألا } ، حرف تنبيه . والضمير في { إنها } عائد إلى النفقة في الراجح . وهذه هنا شهادة من الله للمتصدقين بصحة ما اعتقدوه من أن ما أنفقوه قربات عند الله وصلوات . إنها شهادة لهم من جلال الله بصحة ما اعتقدوه وتصديق لما رجوه .
قوله : { سيدخلهم الله في رحمته } وذلك وعد حق من الله بإدخالهم في رحمته ، ومن أدخله الله في رحمته كان من الآمنين الناجين من كل ما يصيب المخلوقات من مكروه ، فضلا عما ينعم به المرحومون من الله بالخيرات والبركات والخلد في الجنات حيث البهجة والحبور وانشراح الصدور . جعلنا الله من عباده المرحومين .
قوله : { إن الله غفور رحيم } الله غفار الذنوب والخطايا ، ومتجاوز عن السيئات والمعاصي . وهو سبحانه وتعالى يرحم عباده المؤمنين والتائبين والمستغفرين الذين يرجون منه الرحمة والفضل والغفران{[1879]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.