في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ} (22)

19

( والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم ) . .

والصبر ألوان . وللصبر مقتضيات . صبر على تكاليف الميثاق . من عمل وجهاد ودعوة واجتهاد . . . الخ وصبر على النعماء والبأساء . وقل من يصبرعلى النعمة فلا يبطر ولا يكفر . وصبر على حماقات الناس وجهالاتهم وهي تضيق الصدور . . وصبر وصبر وصبر . . كله ابتغاء وجه ربهم ، لا تحرجا من أن يقول الناس : جذعوا . ولا تجملا ليقول الناس : صبروا . ولا رجاء في نفع من وراء الصبر . ولا دفعا لضر يأتي به الجزع . ولا لهدف واحد غير ابتغاء وجه الله ، والصبر على نعمته وبلواه . صبر التسليم لقضائه والاستسلام لمشيئته والرضى والاقتناع . .

وأقاموا الصلاة . .

وهي داخلة في الوفاء بعهد الله وميثاقه ، ولكنه يبرزها لأنها الركن الأول لهذا الوفاء ، ولأنها مظهر التوجه الخالص الكامل لله ، ولأنها الصلة الظاهرة بين العبد والرب ، الخالصة له ليس فيها من حركة ولا كلمة لسواه .

( وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ) .

وهي داخلة في وصل ما أمر الله به أن يوصل ، وفي الوفاء بتكاليف الميثاق . ولكنه يبرزها لأنها الصلة بين عباد الله ، التي تجمعهم في الله وهم في نطاق الحياة . والتي تزكي نفس معطيها من البخل ، وتزكي نفس آخذها من الغل ؛ وتجعل الحياة في المجتمع المسلم لائقة بالبشر المتعاونين المتضامنين الكرام على الله . والإنفاق سرا وعلانية . السر حيث تصان الكرامة وتطلب المروءة ، وتتحرج النفس من الإعلان . والعلانية حيث تطلب الأسوة ، وتنفذ الشريعة ، ويطاع القانون . ولكل موضعه في الحياة .

ويدرأون بالحسنة السيئة . .

والمقصود أنهم يقابلون السيئة بالحسنة في التعاملات اليومية لا في دين الله . ولكن التعبير يتجاوز المقدمة إلى النتيجة . فمقابلة السيئة بالحسنة تكسر شرة النفوس ، وتوجهها إلى الخير ؛ وتطفيء جذوة الشر ، وترد نزغ الشيطان ، ومن ثم تدرأ السيئة وتدفعها في النهاية . فعجل النص بهذه النهاية وصدر بها الآية ترغيبا في مقابلة السيئة بالحسنة وطلبا لنتيجتها المرتقبة . .

ثم هي إشارة خفية إلى مقابلة السيئة بالحسنة عندما يكون في هذا درء السيئة ودفعها لا إطماعها واستعلاؤها ! فأما حين تحتاج السيئة إلى القمع ، ويحتاج الشر إلى الدفع ، فلا مكان لمقابلتها بالحسنة ، لئلا ينتفش الشر ويتجرأ ويستعلي .

ودرء السيئة بالحسنة يكون غالبا في المعاملة الشخصية بين المتماثلين . فأما في دين الله فلا . . إن المستعلي الغاشم لا يجدي معه إلا الدفع الصارم . والمفسدون في الأرض لا يجدي معهم إلا الأخذ الحاسم . والتوجيهات القرآنية متروكة لتدبر المواقف ، واستشارة الألباب ، والتصرف بما يرجح أنه الخير والصواب .

( أولئك لهم عقبى الدار : جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ؛ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب . سلام عليكم بما صبرتم ، فنعم عقبى الدار ) . .

( أولئك ) في مقامهم العالي لهم عقبى الدار :

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ} (22)

قوله تعالى : " والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم " قيل : " الذين " مستأنف ؛ لأن " صبروا " ماض فلا ينعطف على " يوفون " وقيل : هو من وصف من تقدم ، ويجوز الوصف تارة بلفظ الماضي ، وتارة بلفظ المستقبل ، لأن المعنى من يفعل كذا فله كذا ، ولما كان " الذين " يتضمن الشرط ، والماضي في الشرط كالمستقبل جاز ذلك ؛ ولهذا قال : " الذين يوفون " ثم قال : " والذين صبروا " ثم عطف عليه فقال : " ويدرؤون بالحسنة السيئة " قال ابن زيد : صبروا على طاعة الله ، وصبروا عن معصية الله . وقال عطاء : صبروا على الرزايا والمصائب ، والحوادث والنوائب . وقال أبو عمران الجوني : صبروا على دينهم ابتغاء وجه الله " وأقاموا الصلاة " أدوها بفروضها وخشوعها في مواقيتها . " وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية " يعني الزكاة المفروضة ، عن ابن عباس ، وقد مضى القول في هذا في " البقرة " {[9386]} وغيرها . " ويدرؤون بالحسنة السيئة " أي يدفعون بالعمل الصالح السيء من الأعمال ، قاله ابن عباس . ابن زيد : يدفعون الشر بالخير . سعيد بن جبير : يدفعون المنكر بالمعروف . الضحاك : يدفعون الفحش بالسلام . جويبر : يدفعون الظلم بالعفو . ابن شجرة : يدفعون الذنب بالتوبة . القتبي : يدفعون سفه الجاهل بالحلم ، فالسفه السيئة ، والحلم الحسنة . وقيل : إذا هموا بسيئة رجعوا عنها واستغفروا . وقيل : يدفعون الشرك بشهادة أن لا إله إلا الله ؛ فهذه تسعة أقوال ، معناها كلها متقارب ، والأول يتناولها بالعموم ، ونظيره : " إن الحسنات يذهبن السيئات{[9387]} " [ هود : 114 ] ومنه قول عليه السلام لمعاذ : ( وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ) . قوله تعالى : " أولئك لهم عقبى الدار " أي عاقبة الآخرة ، وهي الجنة بدل النار ، والدار غدا داران : الجنة للمطيع ، والنار للعاصي ، فلما ذكر وصف المطيعين فدارهم الجنة لا محالة . وقيل : عني بالدار دار الدنيا ، أي لهم جزاء ما عملوا من الطاعات في دار الدنيا .


[9386]:راجع ج 1 ص 179.
[9387]:راجع ص 110 من هذا الجزء.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ} (22)

ولما كان الوفاء بالعهد في غاية الشدة على النفس ، قال مشيراً إلى ذلك مع شموله لغيره : { والذين صبروا } أي على طاعات الله وعن معاصيه وفي كل ما ينبغي الصبر فيه ، والصبر : الحبس ، وهو تجرع مرارة المنع للنفس عما تحب مما لا يجوز فعله { ابتغاء } أي طلب { وجه ربهم } أي المحسن إليهم ، وكأنه ذكر الوجه إثارة{[44084]} للحياء وحثاً عليه لا{[44085]} ليقال : ما أجلده ! ولا لأنه يعاب بالجزع ، ولا لأنه لا طائل تحت الهلع ولا خوف الشماتة .

ولما كانت أفراد الشيء قد تتفاوت في الشرف ، خص بالذكر أشياء مما دخل في العهد والميثاق تشريفاً لها فقال : { وأقاموا الصلاة } لأنها في الوصلة بالله كالميثاق في الوصلة بالموثق له ، وقال - : { وأنفقوا } وخفف عنهم بالبعض فقال : { مما رزقناهم } - لأن الإنفاق من أعظم سبب يوصل إلى المقاصد ، فهذا إنفاق من المال ، وتلك إنفاق من القوى ، وقال : { سراً وعلانية } إشارة إلى الحث على استواء الحالتين تنبيهاً على الإخلاص{[44086]} ، ويجوز أن يكون المراد بالسر ما ينبغي{[44087]} فيه الإسرار كالنوافل ، وبالعلانية ما يندب إلى إظهاره كالواجب إلا أن يمنع مانع ، وهذا تفصيل قوله تعالى ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون{[44088]} }[ البقرة :3 ] { واستعينوا بالصبر والصلاة{[44089]} }[ البقرة : 45 ] وقال : { ويدرؤون } أي يدفعون{[44090]} بقوة وفطنة { بالحسنة } أي من القول أو الفعل { السيئة } إشارة إلى ترك المجازاة{[44091]} أو يتبعونها إياها فتمحوها{[44092]} ، خوفاً ورجاء وحثاً على جميع الأفعال الصالحة ، فهي نتيجة أعمال البر ودرجة المقربين .

ولما ختم تلك بما يدل على ما بعد الموت ترهيباً ، ختم هذه بمثل ذلك ترغيباً فقال : { أولئك } أي العالو{[44093]} الرتبة { لهم عقبى الدار * }


[44084]:من مد، وفي الأصل و ظ و م: إشارة.
[44085]:زيد بعده في الأصل: انه، ولم تكن الزيادة في ظ و م ومد فحذفناها.
[44086]:في ظ: الخلاص.
[44087]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: يبتغى.
[44088]:سورة 2 آية 3.
[44089]:سورة 2 آية 45.
[44090]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: يرفعون.
[44091]:سقط ما بين الرقمين من م.
[44092]:سقط ما بين الرقمين من م.
[44093]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: العالون.