وتختم السورة بمشهد يتأمله القلب طويلا ، ويرتعش له الوجدان طويلا ؛ ولا ينتهي الخيال من استعراضه
( وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ? ) .
وهو مشهد يبدؤك بالرجة المدمرة ، ثم يغمرك بالصمت العميق . وكأنما يأخذ بك إلى وادي الردى ، ويقفك على مصارع القرون ؛ وفي ذلك الوادي الذي لا يكاد يحده البصر ، يسبح خيالك مع الشخوص التي كانت تدب وتتحرك ، والحياة التي كانت تنبض وتمرح . والأماني والمشاعر التي كانت تحيا وتتطلع . . ثم إذا الصمت يخيم ، والموت يجثم ، وإذا الجثث والأشلاء والبلى والدمار ، لا نأمة . لا حس . لا حركة . لا صوت . . ( هل تحس منهم من أحد ? )انظر وتلفت ( هل تسمع لهم ركزا )تسمع وأنصت . ألا إنه السكون العميق والصمت الرهيب . وما من أحد إلا الواحد الحي الذي لا يموت .
قوله تعالى : " وكم أهلكنا قبلهم من قرن " أي من أمة وجماعة من الناس يخوف أهل مكة . " هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا " في موضع نصب ، أي هل ترى منهم أحدا وتجد " أو تسمع لهم ركزا " أي صوتا ، عن ابن عباس وغيره : أي قد ماتوا وحصلوا أعمالهم . وقيل : حِسًّا . قاله ابن زيد . وقيل : الركز ما لا يفهم من صوت أو حركة . قاله اليزيدي وأبو عبيدة ، كركز الكتيبة ، وأنشد أبو عبيدة بيت لبيد :
وتَوَجَّسَتْ ركزَ الأنيس فراعها *** عن ظَهْرِ غيبٍ والأنيس سَقَامُهَا{[10986]}
وقيل : الصوت الخفي ، ومنه : رَكَزُ الرمح إذا غيب طرفه في الأرض وقال طرفة :
وصادِقَتَا سَمْعِ التَّوَجُّسِ للسُّرَى *** لِرِكْزٍ خَفِيٍّ أو لصوتٍ مُنَدَّدِ{[10987]}
وقال ذو الرمة يصف ثورا تسمع إلى صوت صائد وكلاب :
إذا تَوَجَّسَ رِكْزاً مقفِرٌ نَدِسٌ *** بِنبأةِ الصوت ما في سمعه كذب
أي ما في استماعه كذب ، أي : هو صادق الاستماع . والنَّدِسُ الحاذق ، يقال : نَدِسٌ ونَدُس ، كما يقال : حَذِرٌ وحَذُرٌ ويقِظٌ ويَقُظٌ ، والنَّبْأَةُ : الصوت الخفي ، وكذلك الرِّكز والرِّكازُ : المال المدفون . والله تعالى أعلم بالصواب .
ولما كان التقدير بعدما أرشد إليه السياق من مفعول { ينذر } : فإنا قادرون على إهلاكهم وجميع ما نريد منهم ، عطف عليه قوله : { وكم أهلكنا }{[48814]} بما لنا من العظمة ، ولما كان المراد التعميم ، أثبت الظرف{[48815]} {[48816]}عرياً عن{[48817]} الجار ، وأكد الخبر{[48818]} بإثبات من بعده فقال{[48819]} : { قبلهم من قرن } كانوا أشد منهم شدة ، وأكثر عدة ، وأوثق عدة ، فلم يبق إلا سماع أخبارهم ، ومشاهدة آثارهم ؛ ثم قال تصويراً لحالهم ، وتقريراً لمضمون ما مضى من مآلهم : { هل تحس منهم من أحد } ببصر أو لمس { أو تسمع لهم ركزاً * } أي صوتاً خفياً فضلاً عن أن يكون جلياً ، فقد ختمت السورة بما بدئت به من الرحمة لأوليائه ، والود لأصفيائه ، والنعمة للذين خلفوا بعدهم من أعدائه ، بعد الرحمة للفريقين بهذا الكتاب بشارة ونذارة فحلت الرحمة على أوليائه ، وزلت عن أعدائه والله الموفق .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.