ثم يعود السياق من تعظيم حرمات الله باتقائها والتحرج من المساس بها . . إلى تعظيم شعائر الله - وهي ذبائح الحج - باستسمانها وغلاء أثمانها :
( ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب . لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ، ثم محلها إلى البيت العتيق ) .
ويربط بين الهدى الذي ينحره الحاج وتقوى القلوب ؛ إذ أن التقوى هي الغاية من مناسك الحج وشعائره . وهذه المناسك والشعائر إن هي إلا رموز تعبيرية عن التوجه إلى رب البيت وطاعته . وقد تحمل في طياتها ذكريات قديمة من عهد إبراهيم - عليه السلام - وما تلاه . وهي ذكريات الطاعة والإنابة ، والتوجه إلى الله منذ نشأة هذه الأمة المسلمة . فهي والدعاء والصلاة سواء .
الأولى-قوله تعالى : " ذلك " فيه ثلاثة أوجه . قيل : يكون في موضع رفع بالابتداء ، أي ذلك أمر الله . ويجوز أن يكون في موضع رفع على خبر ابتداء محذوف . ويجوز أن يكون في موضع نصب ، أي اتبعوا ذلك .
الثانية- " ومن يعظم شعائر الله " الشعائر جمع شعيرة ، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمر أشعر به وأعلم ، ومنه شعار القوم في الحرب ، أي علامتهم التي يتعارفون بها . ومنه إشعار البدنة وهو الطعن في جانبها الأيمن حتى يسيل الدم فيكون علامة ، فهي تسمى شعيرة بمعنى المشعورة . فشعائر الله أعلام دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك . وقال قوم : المراد هنا تسمين البدن والاهتمام بأمرها والمغالاة بها ، قاله ابن عباس ومجاهد وجماعة . وفيه إشارة لطيفة ، وذلك أن أصل شراء البدن ربما يحمل على فعل ما لا بد منه ، فلا يدل على الإخلاص ، فإذا عظمها مع حصول الإجزاء بما دونه فلا يظهر له عمل إلا تعظيم الشرع ، وهو من تقوى القلوب . والله أعلم .
الثالثة-قوله تعالى : " فإنها من تقوى القلوب " الضمير في " إنها " عائد على الفعلة التي يتضمنها الكلام ، ولو قال فإنه لجاز . وقيل إنها راجعة إلى الشعائر ، أي فإن تعظيم الشعائر ، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه ، فرجعت الكناية إلى الشعائر .
الرابعة- " فإنها من تقوى القلوب " قرئ " القلوب " بالرفع على أنها فاعلة بالمصدر الذي هو " تقوى " وأضاف التقوى إلى القلوب{[11509]} لأن حقيقة التقوى في القلب ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في صحيح الحديث : ( التقوى هاهنا ) وأشار إلى صدره .
{ ذلك } أي الأمر العظيم الكبير ذلك ، فمن راعاه فاز ، ومن حاد عنه خاب ؛ ثم عطف عليه ما هو أعم من هذا المقدر فقال : { ومن } ويجوز أن يكون حالاً ، أي أشير إلى الأمر العظيم والحال أنه من { يعظم شعائر الله } أي معالم دين الملك الأعظم التي ندب إليها وأمر بالقيام بها في الحج ، جمع شعيرة وهي المنسك والعلامة في الحج ، والشعيرة أيضاً : البدنة المهداة إلى البيت الحرام ، قال البغوي : وأصلها من الإشعار وهو إعلامها ليعرف أنها هدي - انتهى . ولعله مأخوذ من الشعر لأنها إذا جرحت قطع شيء من شعرها أو أزيل عن محل الجرح ، فيكون من الإزالة ، وتعظيمها استحسانها ، فتعظيمها خير له لدلالته على تقوى قلبه { فإنها } أي تعظيمها { من } أي مبتدىء من { تقوى القلوب* } التي من شأنها الشعور بما هو أهل لأن يعظم ، فمعظمها متق ، وقد علم بما ذكرته أنه حذف من هذه جملة الخير ومن قوله { ومن يعظم حرمات الله } سبب كونه خيراً له ، وهو التقوى ، ودل على إرادته هناك بذكره هنا ، وحذف هنا كون التعظيم خيراً ، ودل عليه بذكره هناك ، فقد ذكر في كل جملة ما دل على ما حذف من الأخرى كما تقدم في{ قد كان لكم آية في فئتين }[ آل عمران : 13 ] في آل عمران ، وأنه يسمى الاحتباك ، وتفسيري للشعائر بما ذكرته من الأمر العام جائز الإرادة ، ويكون إعادة الضمير على نوع منه نوعاً من الاستخدام ،
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.