في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (39)

في مقابل ذلك النور المتجلي في السماوات والأرض ، المتبلور في بيوت الله ، المشرق في قلوب أهل الإيمان . . يعرض السياق مجالا آخر . مجالا مظلما لا نور فيه . مخيفا لا أمن فيه . ضائعا لا خير فيه . ذلك هو مجال الكفر الذي يعيش فيه الكفار :

( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة ، يحسبه الظمآن ماء ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، ووجد الله عنده فوفاه حسابه . والله سريع الحساب . أو كظلمات في بحر لجي ، يغشاه موج من فوقه موج ، من فوقه سحاب . ظلمات بعضها فوق بعض ، إذا أخرج يده لم يكد يراها . ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) . .

والتعبير يرسم لحال الكافرين ومآلهم مشهدين عجيبين ، حافلين بالحركة والحياة .

في المشهد الأول يرسم أعمالهم كسراب في أرض مكشوفة مبسوطة ، يلتمع التماعا كاذبا ، فيتبعه صاحبه الظامى ء ، وهو يتوقع الري غافلا عما ينتظره هناك . . وفجأة يتحرك المشهد حركة عنيفة . فهذا السائر وراء السراب ، الظامىء الذي يتوقع الشراب ، الغافل عما ينتظره هناك . . يصل . فلا يجد ماء يرويه ، إنما يجد المفاجأة المذهلة التي لم تخطر له ببال ، المرعبة التي تقطع الأوصال ، وتورث الخبال : ( ووجد الله عنده ) ! الله الذي كفر به وجحده ، وخاصمه وعاداه . وجده هنالك ينتظره ! ولو وجد في هذه المفاجأة خصما له من بني البشر لروعه ، وهو ذاهل غافل على غير استعداد . فكيف وهو يجد الله القوي المنتقم الجبار ?

( فوفاه حسابه ) . . هكذا في سرعة عاجلة تتناسق مع البغتة والفجاءة ، ( والله سريع الحساب ) . . تعقيب يتناسق مع المشهد الخاطف المرتاع !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (39)

قوله تعالى : " والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة " لما ضرب مثل المؤمن ضرب مثل الكافر . قال مقاتل : نزلت في شيبة بن ربيعة بن عبد شمس ، كان يترهب متلمسا للدين ، فلما خرج صلى الله عليه وسلم كفر . أبو سهل : في أهل الكتاب . الضحاك : في أعمال الخير للكافر ، كصلة الرحم ونفع الجيران . والسراب : ما يرى نصف النهار في اشتداد الحر ، كالماء في المفاوز يلتصق بالأرض . والآل الذي يكون ضحا كالماء إلا أنه يرتفع عن الأرض حتى يصير كأنه بين الأرض والسماء . وسمي السراب سرابا لأنه يسرب أي يجري كالماء . ويقال : سرب الفحل أي مضى وسار في الأرض . ويسمي الآل أيضا ، ولا يكون إلا في البرية والحر فيغتر به العطشان . قال الشاعر :

فكنت كمُهْريق الذي في سِقَائه *** لِرَقْرَاقِ آلٍ فوقَ رابيةٍ صَلْدِ

وقال آخر :

فلما كففنا الحرب كانت عهودهم *** كَلَمْعِ سراب بالفَلاَ متألِّق

وقال امرؤ القيس :

ألم أُنْضِ المَطِيَّ بكلِّ خَرْقٍ *** أَمَقِّ الطُّولِ لَمَّاعِ السَّرَابِ{[12014]}

والقيعة جمع القاع ، مثل جيرة وجار ، قاله الهروي . وقال أبو عبيدة : قيعة وقاع واحد ، حكاه النحاس . والقاع ما انبسط من الأرض واتسع ولم يكن فيه نبت ، وفيه يكون السراب . وأصل القاع الموضع المنخفض الذي يستقر فيه الماء ، وجمعه قيعان . قال الجوهري : والقاع المستوي من الأرض ، والجمع أقوع وأقواع وقيعان ، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها ، والقيعة مثل القاع ، وهو أيضا من الواو . وبعضهم يقول : هو جمع . " يحسبه الظمآن " أي العطشان . " ماء " أي يحسب السراب ماء . " حتى إذا جاءه لم يجده شيئا " مما قدره ووجد أرضا لا ماء فيها . وهذا مثل ضربه الله تعالى للكفار ، يعولون على ثواب أعمالهم فإذا قدموا على الله تعالى وجدوا ثواب أعمالهم محبطة بالكفر ، أي لم يجدوا شيئا كما لم يجد صاحب السراب إلا أرضا لا ماء فيها ، فهو يهلك أو بموت . " ووجد الله عنده " أي وجد الله بالمرصاد . " فوفاه حسابه " أي جزاء عمله . قال امرؤ القيس :

فولَّى مُدْبِرًا يَهْوَى حَثِيثًا *** وأيْقَنَ أَنَّهُ لاَقَى الحِسَابَا

وقيل : وجد وعد الله بالجزاء على عمله . وقيل : وجد أمر الله عند حشره ، والمعنى متقارب . وقرئ " بقيعات " . المهدوي : ويجوز أن تكون الألف مشبعة من فتحه العين . ويجوز أن تكون مثل رجل عِزْهٍ وعِزْهَاة ، للذي لا يقرب النساء . ويجوز أن يكون جمع قيعة ، ويكون على هذا بالتاء في الوصل والوقف . وروي عن نافع وأبي جعفر وشيبة " الظمآن " بغير همز ، والمشهور عنهما الهمز ، يقال : ظمئ يظمأ ظمأ فهو ظمآن ، وإن خففت الهمزة قلت الظمان . وقوله : " والذين كفروا " ابتداء " أعمالهم " ابتداء ثان . والكاف من " كسراب " الخبر ، والجملة خبر عن " الذين " . ويجوز أن تكون " أعمالهم " بدلا من " الذين كفروا " ، أي وأعمال الذين كفروا كسراب ، فحذف المضاف .


[12014]:في الأصول: "طويل الطول" والتصويب عن ديوان امرئ القيس. والأمق: الطويل. قال الوزير أبو بكر عاصم بن أيوب (شارح الديوان): وفي البيت ما يسأل عنه من طريق العربية، وهو إضافة "أمق" إلى "الطول" فيتوهم أنه من إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن الأمق هو الطويل، وليس على ما يتوهم؛ إنما هو كما تقول: "بعيد البعد".
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (39)

ولما أخبر تعالى أن الذين اتبعوا نور الحق سبحانه ، وصلوا - من جزائه بسبب ما هداهم إليه النور من الأعمال الصالحة - إلى حقائق هي في نفس الأمر الحقائق ، أخبر عن أضدادهم الذين اتبعوا الباطل فحالت جباله الوعرة الشامخة بين أبصار بصائرهم وبين تلك الأنوار بضد حالهم فقال : { والذين كفروا } أي ستروا بما لزموه من الضلال ما انتشر من نور الله { أعمالهم } كائنة في يوم الجزاء { كسراب } وهو ما تراه نصف النهار في البراري لاصقاً بالأرض يلمع كأنه ماء ، وكلما قربت منه بعد حتى تصل إلى جبل ونحوه فيخفى ؛ قال الرازي في اللوامع : والسراب شعاع ينكشف فينسرب ويجري كالماء تخيلاً ؛ وقال ابن كثير : يرى عن بعد كأنه بحر طام ، وإنما يكون ذلك بعد نصف النهار ، وأما الآل فإنما يكون أول النهار ، يرى كأنه ماء بين السماء والأرض - انتهى . وقال البغوي : والآل ما ارتفع عن الأرض ، وهو شعاع يرى بين السماء والأرض بالغدوات شبه الملاءة ، يرفع فيه الشخوص ، يرى فيه الصغير كبيراً ، والقصير طويلاً ، والرقراق يكون بالعشايا ، وهو ما ترقرق من السراب ، أي جاء وذهب . { بقيعة } جمع قاع ، وهو أرض سهلة مطمئنة فد انفرجت عنها الجبال والآكام - قاله في القاموس . وقال أبو عبد الله القزاز في ديوانه : القيعة والقاع واحد ، وهما الأرض المستوية الملساء يحفن فيها التراب ، الفراء : القيعة جمع قاع كجار وجيرة . وقال الصغاني في مجمع البحرين : والقاع : المستوي من الأرض ، والجمع أقواع وأقوع وقيعان ، صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها ، والقيعة مثل قاع ، وهو أيضاً من الواو ، وبعضهم يقول : هو جمع ؛ وقال ابن جرير : والقاع ما انبسط من الأرض واتسع ، وفيه يكون السراب . وقال عبد الغافر الفارسي في مجمع الغرائب : قال الفراء : القاع : مستنقع الماء ، والقاع : المكان المستوي الواسع في وطأة من الأرض يعلوه المطر فيمسكه ويستوي نباته ، وجمعه قيعة وقيعان .

{ يحسبه الظمآن } أي العطشان الشديد العطش من ضعف العقل { ماء } فيقصده ولا يزال سائراً { حتى إذا جاءه } أي جاء الموضع الذي توهمه به { لم يجده شيئاً } من الأشياء ، فلم يفده قصده غير زيادة العطش بزيادة التعب ، وبعده عن مواطن الرجاء ، فيشتد بأسه ، وتنقطع حيله فيهلك ، وهكذا الكافر يظن أعماله تجديه شيئاً فإذا هي قد أهلكته .

ولما كان الله محيطاً بعلمه وقدرته بكل مكان قال : { ووجد الله } أي قدرة المحيط بكل شيء { عنده } أي عند ذلك الموضع الذي قصده لما تخيل فيه الخير فخاب ظنه { فوفاه حسابه } أي جزاء عمله على ما تقتضيه أعماله على حكم العدل ، فلم يكفِ هذا الجاهل خيبة وكمداً أنه لم يجد ما قصده شيئاً كغيره من السراب حتى وجد عنده الزبانية تعتله إلى نار ، لا يفك أسيرها ، ولا يخمد سعيرها .

ولما كان سبحانه لا يحتاج إلى كاتب ، ولا يدخل عليه لبس ، ولا يصعب عليه ضبط شيء وإن كثر ، ولا يقد أحد أن يتأخر عما يريده به بنوع حيلة ، عبر عن ذلك بقوله : { والله } أي الذي له القدرة الكاملة والعلم الشامل { سريع الحساب* } أي لأنه لا يحتاج إلى حفظ بقلب ، ولا عقد بأصابع ، ولا شيء غير ذلك ، ولكنه عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد وبعد عمله له ، لا يعزب عنه منه ولا من غيره شيء .