وما قيمة ( متاع الحياة الدنيا )هذا وما حقيقته ? يصور السياق هذه الحقيقة في مشهد من مشاهد القرآن التصويرية الحافلة بالحركة والحياة ، وهي مع ذلك من المشاهدات التي تقع في كل يوم ، ويمر عليها الأحياء دون انتباه :
( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام . حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت ، وظن أهلها أنهم قادرون عليها . . أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس . كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ) . .
ذلك مثل الحياة الدنيا التي لا يملك الناس إلا متاعها ، حين يرضون بها ، ويقفون عندها ، ولا يتطلعون منها إلى ما هو أكرم وأبقى . .
هذا هو الماء ينزل من السماء ، وهذا هو النبات يمتصه ويختلط به فيمرع ويزدهر . وها هي ذي الأرض كأنها عروس مجلوة تتزين لعرس وتتبرج . وأهلها مزهوون بها ، يظنون أنها بجهدهم ازدهرت ، وبإرادتهم تزينت ، وأنهم أصحاب الأمر فيها ، لا يغيرها عليهم مغير ، ولا ينازعهم فيها منازع .
وفي وسط هذا الخصب الممرع ، وفي نشوة هذا الفرح الملعلع ، وفي غمرة هذا الاطمئنان الواثق . .
( أتاها أمرنا ليلا أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس ) . .
في ومضة ، وفي جملة ، وفي خطفة . . وذلك مقصود في التعبير بعد الإطالة في عرض مشهد الخصب والزينة والاطمئنان .
وهذه هي الدنيا التي يستغرق فيها بعض الناس ، ويضيعون الآخرة كلها لينالوا منها بعض المتاع
هذه هي . لا أمن فيها ولا اطمئنان ، ولا ثبات فيها ولا استقرار ، ولا يملك الناس من أمرها شيئا إلا بمقدار .
قوله تعالى : " إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء " معنى الآية التشبيه والتمثيل ، أي صفة الحياة الدنيا في فنائها وزوالها وقلة خطرها والملاذ بها كماء ، أي مثل ماء ، فالكاف في موضع رفع . وسيأتي لهذا التشبيه مزيد بيان في " الكهف{[8460]} " إن شاء الله تعالى . " أنزلناه من السماء " نعت ل " ماء " . " فاختلط " روي عن نافع أنه وقف على " فاختلط " أي فاختلط الماء بالأرض ، " به نبات الأرض " أي بالماء نبات الأرض ، فأخرجت ألوانا من النبات ، فنبات على هذا ابتداء ، وعلى مذهب من لم يقف على " فاختلط " مرفوع باختلط ، أي اختلط النبات بالمطر ، أي شرب منه فتندى وحسن وأخضر . والاختلاط تداخل الشيء بعضه في بعض .
قوله تعالى : " مما يأكل الناس " من الحبوب والثمار والبقول . " والأنعام " من الكلأ والتبن والشعير . " حتى إذا أخذت الأرض زخرفها " أي حسنها وزينتها . والزخرف كمال حسن الشيء ، ومنه قيل للذهب : زخرف . " وازينت " أي بالحبوب والثمار والأزهار ، والأصل تزينت أدغمت التاء في الزاي وجيء بألف الوصل ؛ لأن الحرف المدغم مقام حرفين الأول منهما ساكن والساكن لا يمكن الابتداء به . وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب " وتزينت " على الأصل . وقرأ الحسن والأعرج وأبو العالية " وأَزْيَنَتْ " أي أتت بالزينة عليها ، أي الغلة والزرع ، وجاء بالفعل على أصله ولو أعله لقال وازانت . وقال عوف بن أبي جميلة الأعرابي : قرأ أشياخنا " وازيانت " وزنه اسوادت . وفي رواية المقدمي " وازّاينت " والأصل فيه تزاينت ، وزنه : تقاعست ثم أدغم . وقرأ الشعبي وقتادة " وأزْيَنت " مثل أَفْعلت . وقرأ عثمان النهدي " وازينت " مثل : افعَلَّت ، وعنه أيضا " وازيانت مثل : افعالت ، وروى عنه " ازيأنت " بالهمزة ، ثلاث قراءات .
قوله تعالى : " وظن أهلها " أي أيقن . " أنهم قادرون عليها " أي على حصادها والانتفاع بها ، أخبر عن الأرض والمعنى النبات إذ كان مفهوما وهو منها . وقيل : رد إلى الغلة ، وقيل : إلى الزينة . " أتاها أمرنا " أي عذابنا ، أو أمرنا بهلاكها . " ليلا أو نهارا " ظرفان . " فجعلناها حصيدا " مفعولان ، أي محصودة مقطوعة لا شيء فيها . وقال " حصيدا " ولم يؤنث لأنه فعيل بمعنى مفعول . قال أبو عبيد : الحصيد المستأصل . " كأن لم تغن بالأمس " أي لم تكن عامرة ، من غني إذا أقام فيه وعمره . والمغاني في اللغة : المنازل التي يعمرها الناس . وقال قتادة : كأن لم تنعم . قال لبيد :
وغنيت سبتا قبل مجرى داحس*** لو كان للنفس اللجوج خلود{[8461]}
وقراءة العامة " تغن " بالتاء لتأنيث الأرض . وقرأ قتادة " يغن " بالياء ، يذهب به إلى الزخرف ، يعني فكما يهلك هذا الزرع هكذا كذلك الدنيا . " نفصل الآيات " أي نبينها . " لقوم يتفكرون " في آيات الله .
{ إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء } معنى الآية : تحقير الدنيا وبيان سرعة فنائها وشبهها بالمطر الذي يخرج به النبات ، ثم تصيب ذلك النبات آفة عند حسنه وكماله .
{ مما يأكل الناس } كالزرع والفواكه .
{ والأنعام } يعني : المرعى التي ترعاها من العشب وغيره .
{ أخذت الأرض زخرفها } تمثيل بالعروس إذا تزينت بالحلي والثياب .
{ قادرون عليها } أي : متمكنون من الانتفاع بها .
{ أتاها أمرنا } أي : بعض الجوائح كالريح ، والصر ، وغير ذلك .
{ فجعلناها حصيدا } أي : جعلنا زرعها كالذي حصد وإن كان لم يحصد .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.