في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ} (106)

وحتى الذين يؤمنون ، كثير منهم يتدسس الشرك - في صورة من صوره - إلى قلوبهم . فالإيمان الخالص يحتاج إلى يقظة دائمة تنفي عن القلب أولا بأول كل خالجة شيطانية ، وكل اعتبار من اعتبارات هذه الأرض في كل حركة وكل تصرف ، لتكون كلها لله ، خالصة له دون سواه . والإيمان الخالص يحتاج إلى حسم كامل في قضية السلطان على القلب وعلى التصرف والسلوك فلا تبقى في القلب دينونة إلا لله سبحانه ، ولا تبقى في الحياة عبودية إلا للمولى الواحد الذي لا راد لما يريد :

( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) . .

مشركون قيمة من قيم هذه الأرض في تقريرهم للأحداث والأشياء والأشخاص . مشركون سببا من الأسباب مع قدرة الله في النفع أو الضر سواء . مشركون في الدينونة لقوة غير قوة الله من حاكم أو موجه لا يستمد من شرع الله دون سواه . مشركون في رجاء يتعلق بغير الله من عباده على الإطلاق . مشركون في تضحية يشوبها التطلع إلى تقدير الناس . مشركون في جهاد لتحقيق نفع أو دفع ضر ولكن لغير الله . مشركون في عبادة يلحظ فيها وجه مع وجه الله . . لذلك يقول رسول الله [ ص ] : " الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل " .

وفي الأحاديث نماذج من هذا الشرك الخفي :

روى الترمذي - وحسنه - من رواية ابن عمر : " من حلف بغير الله فقد أشرك " .

وروى أحمد وأبو داود وغيره عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله [ ص ] : " إن الرقى والتمائم شرك " .

وفي مسند الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر قال : قال رسول الله [ ص ] : " من علق تميمة فقد أشرك " .

وعن أبي هريرة - بإسناده - قال : قال رسول الله [ ص ] : " يقول الله : أنا أغني الشركاء عن الشرك ، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشريكه " .

وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد ابن أبي فضالة قال : سمعت رسول الله [ ص ] يقول : " إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه ينادي مناد : من كان أشرك في عمل عمله لله ، فليطلب ثوابه من عند غير الله ، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك " .

وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن محمود بن لبيد أن رسول الله [ ص ] قال : " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : " الرياء . يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جاء الناس بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم من جزاء " ؟

فهذا هو الشرك الخفي الذي يحتاج إلى اليقظة الدائمة للتحرز منه ليخلص الإيمان .

وهناك الشرك الواضح الظاهر ، وهو الدينونة لغير الله في شأن من شؤون الحياة . الدينونة في شرع يتحاكم إليه - وهو نص في الشرك لا يجادل عليه - والدينونة في تقليد من التقاليد كاتخاذ أعياد ومواسم يشرعها الناس ولم يشرعها الله . والدينونة في زي من الأزياء يخالف ما أمر الله به من الستر ويكشف أو يحدد العورات التي نصت شريعة الله أن تستر . .

والأمر في مثل هذه الشؤون يتجاوز منطقة الإثم والذنب بالمخالفة حين يكون طاعة وخضوعا ودينونة لعرف اجتماعي سائد من صنع العبيد ، وتركا للأمر الواضح الصادر من رب العبيد . . إنه عندئذ لا يكون ذنبا ، ولكنه يكون شركا . لأنه يدل على الدينونة لغير الله فيما يخالف أمر الله . . وهو من هذه الناحية أمر خطير .

ومن ثم يقول الله :

( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) . .

فتنطبق على من كان يواجههم رسول الله في الجزيرة ، وتشمل غيرهم على تتابع الزمان وتغير المكان .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ} (106)

قوله تعالى : " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " نزلت في قوم أقروا بالله خالقهم وخالق الأشياء كلها ، وهم يعبدون الأوثان ، قاله الحسن ، ومجاهد وعامر الشعبي وأكثر المفسرين . وقال عكرمة هو قوله : " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله{[9297]} " [ الزخرف : 87 ] ثم يصفونه بغير صفته ويجعلون له أندادا ، ودعن الحسن أيضا : أنهم أهل كتاب معهم شرك وإيمان ، آمنوا بالله وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فلا يصح إيمانهم ، حكاه ابن الأنباري . وقال ابن عباس : نزلت في تلبية مشركي العرب : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك . وعنه أيضا أنهم النصارى . وعنه أيضا أنهم المشبهة ، آمنوا مجملا وأشركوا مفصلا . وقيل : نزلت في المنافقين ، المعنى : " وما يؤمن أكثرهم بالله " أي باللسان إلا وهو كافر بقلبه ، ذكره الماوردي عن الحسن أيضا . وقال عطاء : هذا في الدعاء ، وذلك أن الكفار ينسون ربهم في الرخاء ، فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء ، بيانه : " وظنوا أنهم أحيط بهم{[9298]} " [ يونس : 22 ] الآية . وقوله : " وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه{[9299]} " [ يونس : 12 ] الآية . وفي آية أخرى : " وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض{[9300]} " [ فصلت : 51 ] . وقيل : معناها أنهم يدعون الله ينجيهم من الهلكة ، فإذا أنجاهم قال قائلهم : لولا فلان ما نجونا ، ولولا الكلب لدخل علينا اللص ، ونحو هذا ، فيجعلون نعمة الله منسوبة إلى فلان ، ووقايته منسوبة إلى الكلب .

قلت : وقد يقع في هذا القول والذي قبله كثير من عوام المسلمين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . وقيل : نزلت هذه الآية في قصة الدخان ، وذلك أن أهل مكة لما غشيهم الدخان في سني القحط قالوا : " ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون{[9301]} " [ الدخان : 12 ] فذلك إيمانهم ، وشركهم عودهم إلى الكفر بعد كشف العذاب ، بيانه قوله : " إنكم عائدون " [ الدخان : 15 ] والعود لا يكون إلا بعد ابتداء ، فيكون معنى : " إلا وهم مشركون " أي إلا وهم عائدون إلى الشرك{[9302]} ، والله أعلم .


[9297]:راجع ج 16 ص 123.
[9298]:راجع ج 8 ص 325 و ص 317.
[9299]:راجع ج 8 ص 325 و ص 317.
[9300]:راجع ج 15 ص 373 و ص 38.
[9301]:راجع ج 16 ص 132.
[9302]:من ع، وفي ع: أصابهم.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ} (106)

{ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } نزلت في كفار العرب الذين يقرون بالله ويعبدون معه غيره ، وقيل : في أهل الكتاب لقولهم : { عزير ابن الله } [ التوبة : 30 ] و{ المسيح ابن الله } [ التوبة : 30 ] .