سورة مريم مكية وآياتها ثمان وتسعون
يدور سياق هذه السورة على محور التوحيد ؛ ونفي الولد والشريك ؛ ويلم بقضية البعث القائمة على قضية التوحيد . . هذا هو الموضوع الأساسي الذي تعالجه السورة ، كالشأن في السور المكية غالبا .
والقصص هو مادة هذه السورة . فهي تبدأ بقصة زكريا ويحيى . فقصة مريم ومولد عيسى . فطرف من قصة إبراهيم مع أبيه . . ثم تعقبها إشارات إلى النبيين : إسحاق ويعقوب ، وموسى وهرون ، وإسماعيل ، وإدريس . وآدم ونوح . ويستغرق هذا القصص حوالي ثلثي السورة . ويستهدف إثبات الوحدانية والبعث ، ونفي الولد والشريك ، وبيان منهج المهتدين ومنهج الضالين من أتباع النبيين .
ومن ثم بعض مشاهد القيامة ، وبعض الجدل مع المنكرين للبعث .
واستنكار للشرك ودعوى الولد ؛ وعرض لمصارع المشركين والمكذبين في الدنيا وفي الآخرة . . وكله يتناسق مع اتجاه القصص في السورة ويتجمع حول محورها الأصيل .
وللسورة كلها جو خاص يظللها ويشيع فيها ، ويتمشى في موضوعاتها . .
إن سياق هذه السورة معرض للانفعالات والمشاعر القوية . . الانفعالات في النفس البشرية ، وفي " نفس " الكون من حولها . فهذا الكون الذي نتصوره جمادا لا حس له يعرض في السياق ذا نفس وحس ومشاعر وانفعالات ، تشارك في رسم الجو العام للسورة . حيث نرى السماوات والأرض والجبال تغضب وتنفعل حتى لتكاد تنفطر وتنشق وتنهد استنكارا :
( أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ) . .
أما الانفعالات في النفس البشرية فتبدأ مع مفتتح السورة وتنتهي مع ختامها . والقصص الرئيسي فيها حافل بهذه الانفعالات في مواقفه العنيفة العميقة . وبخاصة في قصة مريم وميلاد عيسى .
والظل الغالب في الجو هو ظل الرحمة والرضى والاتصال . فهي تبدأ بذكر رحمة الله لعبده زكريا( ذكر رحمة ربك عبده زكريا )وهو يناجي ربه نجاء : ( إذ نادى ربه نداء خفيا ) . . ويتكرر لفظ الرحمة ومعناها وظلها في ثنايا السورة كثيرا . ويكثر فيها اسم( الرحمن ) . ويصور النعيم الذي يلقاه المؤمنون به في صورة ود : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا )ويذكر من نعمة الله على يحيى أن آتاه الله حنانا( وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا ) . ومن نعمة الله على عيسى أن جعله برا بوالدته وديعا لطيفا :
( وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا ) . .
وإنك لتحس لمسات الرحمة الندية ودبيبها اللطيف في الكلمات والعبارات والظلال . كما تحس انتفاضات الكون وارتجافاته لوقع كلمة الشرك التي لا تطيقها فطرته . . كذلك تحس أن للسورة إيقاعا موسيقيا خاصا . فحتى جرس ألفاظها وفواصلها فيه رخاء وفيه عمق : رضيا . سريا . حفيا . نجيا . . فأما المواضع التي تقتضي الشد والعنف ، فتجيء فيها الفاصلة مشددة دالا في الغالب . مدا . ضدا . إدا . هدا ، أو زايا : عزا . أزا .
وتنوع الإيقاع الموسيقى والفاصلة والقافية بتنوع الجو والموضوع يبدو جليا في هذه السورة . فهي تبدأ بقصة زكريا ويحيى فتسير الفاصلة والقافية هكذا :
( ذكر رحمة ربك عبده زكريا . إذ نادى ربه نداء خفيا . . . ) الخ .
وتليها قصة مريم وعيسى فتسير الفاصلة والقافية على النظام نفسه :
( واذكر في الكتاب مريم إذا انتبذت من أهلها مكانا شرقيا . فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا . . ) الخ
إلى أن ينتهي القصص ، ويجيء التعقيب ، لتقرير حقيقة عيسى ابن مريم ، وللفصل في قضية بنوته . فيختلف نظام الفواصل والقوافي . . تطول الفاصلة ، وتنتهي القافية بحرف الميم أو النون المستقر الساكن عند الوقف لا بالياء الممدودة الرخية . على النحو التالي :
ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون . ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضي أمرا فإنما يقول له : كن فيكون . . . الخ .
حتى إذا انتهى التقرير والفصل وعاد السياق إلى القصص عادت القافية الرخية المديدة :
واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا . إذ قال لأبيه : يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا . . الخ .
حتى إذا جاء ذكر المكذبين وما ينتظرهم من عذاب وانتقام ، تغير الإيقاع الموسيقي وجرس القافية :
( قل : من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا . حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب ؛ وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا . . ) الخ .
وفي موضع الاستنكار يشتد الجرس والنغم بتشديد الدال :
( وقالوا : اتخذ الرحمن ولدا . لقد جئتم شيئا إدا ، تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتحز الجبال هذا . . ) الخ .
وهكذا يسير الإيقاع الموسيقي في السورة وفق المعنى والجو ؛ ويشارك في إبقاء الظل الذي يتناسق مع المعنى في ثنايا السورة ، وفق انتقالات السياق من جو إلى جو ومن معنى إلى معنى .
ويسير السياق مع موضوعات السورة في أشواط ثلاثة :
الشوط الأول يتضمن قصة زكريا ويحيى ، وقصة مريم وعيسى . والتعقيب على هذه القصة بالفصل في قضية عيسى التي كثر فيها الجدل ، واختلفت فيها أحزاب اليهود والنصارى .
والشوط الثاني يتضمن حلقة من قصة إبراهيم مع أبيه وقومه واعتزاله لملة الشرك وما عوضه الله من ذرية نسلت بعد ذلك الأمة . ثم إشارات إلى قصص النبيين ، ومن اهتدى بهم ومن خلفهم من الغواة ؛ ومصير هؤلاء وهؤلاء . وينتهي بإعلان الربوبية الواحدة ، التي تعبد بلا شريك : ( رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته . هل تعلم له سميا )
والشوط الثالث والأخير يبدأ بالجدل حول قضية البعث ، ويستعرض بعض مشاهد القيامة . ويعرض صورة من استنكار الكون كله لدعوى الشرك ، وينتهي بمشهد مؤثر عميق من مصارع القرون ! ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن . هل تحسن منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ) فنأخذ في الدرس الأول :
هذه الأحرف المتقطعة التي تبدأ بها بعض السور ، والتي اخترنا في تفسيرها أنها نماذج من الحروف التي يتألف منها هذا القرآن ، فيجيء نسقا جديدا لا يستطيعه البشر مع أنهم يملكون الحروف ويعرفون الكلمات ، ولكنهم يعجزون أن يصوغوا منها مثل ما تصوغه القدرة المبدعة لهذا القرآن .
سورة مريم مكية إلا آيتي ( 58 ) و( 71 ) فمدنيتان وآياتها 98 نزلت بعد فاطر لما كانت وقعة بدر ، وقتل الله فيها صناديد الكفار ، قال كفار قريش : إن ثأركم بأرض الحبشة ، فأهدوا إلى النجاشي ، وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم لعله يعطيكم من عنده من قريش ، فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر ، فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة ، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعثهما ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري ، وكتب معه إلى النجاشي ، فقدم على النجاشي ، فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين ، وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم ، ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن ، فقرأ سورة مريم " كهيعص " وقاموا تفيض أعينهم من الدمع ، فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم " ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون " [ المائدة : 82 ] . وقرأ إلى قوله : " الشاهدين " {[1]} . ذكره أبو داود . وفي السيرة ، فقال النجاشي : هل معك مما جاء به عن الله شيء ؟ قال جعفر : نعم ، فقال له النجاشي : اقرأه علي . قال : فقرأ " كهيعص " فبكى ، والله النجاشي حتى أخضل لحيته ، وبكت أساقفتهم حتى أخضلوا لحاهم حين سمعوا ما يتلى عليهم ، فقال النجاشي : هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا فو الله لا أسلمهم إليكما أبدا ، وذكر تمام الخبر .
تقدم الكلام في أوائل السور{[10771]} . وقال ابن عباس في " كهيعص " : أن الكاف من كاف ، والهاء من هاد ، والياء من حكيم ، والعين من عليم ، والصاد من صادق ، ذكره ابن عزيز والقشيري عن ابن عباس ، معناه كاف لخلقه ، هاد لعباده ، يده فوق أيديهم ، عالم بهم ، صادق في وعده ، ذكره الثعلبي عن الكلبي والسدي ومجاهد والضحاك . وقال الكلبي أيضا : الكاف من كريم وكبير وكاف ، والهاء من هاد ، والياء من رحيم ، والعين من عليم وعظيم ، والصاد من صادق ، والمعنى واحد . وعن ابن عباس أيضا : هو اسم من أسماء الله تعالى ، وعن علي رضي الله عنه هو اسم الله عز وجل وكان يقول : يا كهيعص اغفر لي ، ذكره الغزنوي . السدي : هو اسم الله الأعظم الذي سئل به أعطى ، وإذا دعي به أجاب . وقتادة : هو اسم من أسماء القرآن ، ذكره عبدالرزاق . عن معمر عنه . وقيل : هو اسم للسورة ، وهو اختيار القشيري في أوائل الحروف ، وعلى هذا قيل : تمام الكلام عند قوله : " كهيعص " كأنه إعلام باسم السورة ، كما تقول : كتاب كذا ، أو باب كذا ثم تشرع في المقصود . وقرأ ابن جعفر هذه الحروف متقطعة ، ووصلها الباقون ، وأمال أبو عمرو الهاء وفتح الياء ، وابن عامر وحمزة بالعكس ، وأمالهما جميعا الكسائي وأبو بكر وخلف . وقرأهما بين اللفظين أهل المدينة نافع وغيره . وفتحهما الباقون . وعن خارجة أن الحسن كان يضم كاف ، وحكى غيره أنه كان يضم ها ، وحكى إسماعيل بن إسحاق أنه كان يضم يا . قال أبو حاتم : ولا يجوز ضم الكاف والهاء والياء ، قال النحاس : قراءة أهل المدينة من أحسن ما في هذا ، والإمالة جائزة في ها ويا . وأما قراءة الحسن فأشكلت على جماعة حتى قالوا : لا تجوز ، منهم أبو حاتم . والقول فيها ما بينه هارون القارئ ، قال : كان الحسن يشم الرفع ، فمعنى هذا أنه كان يومئ ، كما سيبويه أن من العرب من يقول : الصلاة والزكاة يومئ إلى الواو ، ولهذا كتبها في المصحف بالواو . وأظهر الدال من هجاء " ص " نافع وابن كثير وعاصم ويعقوب ، وهو اختيار أبي عبيد ، وأدغمها الباقون .
{ كهيعص } قد تكلمنا في أول البقرة على حروف الهجاء ، وقيل : في هذا إن الكاف من كريم أو كبير أو كاف ، والهاء من هادي ، والياء من علي ، والعين من عزيز أو عليم ، والصاد من صادق ، وكان علي بن أبي طالب يقول في دعائه : يا كهيعص فيحتمل أن تكون الجملة عنده اسما من أسماء الله تعالى ، أو ينادي بالأسماء التي اقتطعت منها هذه الحروف .