ومع هذا فإن هناك من لا ينظر ولا يتعقل ، فيحيد عن التوحيد الذي يوحي به تصميم الوجود ، والنظر في وحدة الناموس الكوني العجيب :
( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ) . .
من الناس من يتخذ من دون الله اندادا . . كانوا على عهد المخاطبين بهذا القرآن أحجارا وأشجارا ، أو نجوما وكواكب ، أو ملائكة وشياطين . . وهم في كل عهد من عهود الجاهلية أشياء أو أشخاص أو شارات أو اعتبارات . . وكلها شرك خفي أو ظاهر ، إذا ذكرت إلى جانب اسم الله ، وإذا أشركها المرء في قلبه مع حب الله . فكيف إذا نزع حب الله من قلبه وأفرد هذه الأنداد بالحب الذي لا يكون إلا لله ؟
إن المؤمنين لا يحبون شيئا حبهم لله . لا أنفسهم ولا سواهم . لا أشخاصا ولا اعتبارات ولا شارات ولا قيما من قيم هذه الأرض التي يجري وراءها الناس :
( والذين آمنوا أشد حبا لله ) . .
أشد حبا لله ، حبا مطلقا من كل موازنة ، ومن كل قيد . أشد حبا لله من كل حب يتجهون به إلى سواه .
والتعبير هنا بالحب تعبير جميل ، فوق أنه تعبير صادق . فالصلة بين المؤمن الحق وبين الله هي صلة الحب . صلة الوشيجة القلبية ، والتجاذب الروحي . صلة المودة والقربى . صلة الوجدان المشدود بعاطفة الحب المشرق الودود .
( ولو يرى الذين ظلموا - إذ يرون العذاب - أن القوة لله جميعا ، وأن الله شديد العذاب )
أولئك الذين اتخذوا من دون الله اندادا . فظلموا الحق ، وظلموا أنفسهم . . لو مدوا بأبصارهم إلى يوم يقفون بين يدي الله الواحد ! لو تطلعوا ببصائرهم إلى يوم يرون العذاب الذي ينتظر الظالمين ! لو يرون لرأوا ( أن القوة لله جميعا ) فلا شركاء ولا انداد . . ( وأن الله شديد العذاب ) .
لما أخبر اللّه سبحانه وتعالى في الآية قبل ما دل على وحدانيته وقدرته وعظم سلطانه أخبر أن مع هذه الآيات القاهرة لذوي العقول من يتخذ معه أندادا ، وواحدها ند ، وقد تقدم{[1387]} . والمراد الأوثان والأصنام التي كانوا يعبدونها كعبادة اللّه مع عجزها ، قاله مجاهد .
قوله تعالى : " يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله " أي يحبون أصنامهم على الباطل كحب المؤمنين لله على الحق ، قاله المبرد ، وقال معناه الزجاج . أي أنهم مع عجز الأصنام يحبونهم كحب المؤمنين لله مع قدرته . وقال ابن عباس والسدي : المراد بالأنداد الرؤساء المتبعون ، يطيعونهم في معاصي اللّه . وجاء الضمير في " يحبونهم " على هذا على الأصل ، وعلى الأول جاء ضمير الأصنام ضمير من يعقل على غير الأصل . وقال ابن كيسان والزجاج أيضا : معنى " يحبونهم كحب اللّه " أي يسوون بين الأصنام وبين اللّه تعالى في المحبة . قال أبو إسحاق : وهذا القول الصحيح ، والدليل على صحته : " والذين آمنوا أشد حبا لله " وقرأ أبو رجاء " يحبونهم " بفتح الياء . وكذلك ما كان منه في القرآن ، وهي لغة ، يقال : حببت الرجل فهو محبوب . قال الفراء : أنشدني أبو تراب :
أحب لحبها السودان حتى *** حببت لحُبِّها سودَ الكلاب
و " من " في قوله " من يتخذ " في موضع رفع بالابتداء ، و " يتخذ " على اللفظ ، ويجوز في غير القرآن " يتخذون " على المعنى ، و " يحبونهم " على المعنى ، و " يحبهم " على اللفظ ، وهو في موضع نصب على الحال من الضمير الذي في " يتخذ " أي محبين ، وإن شئت كان نعتا للأنداد ، أي محبوبة . والكاف من " كحب " نعت لمصدر محذوف ، أي يحبونهم حبا كحب اللّه . " والذين آمنوا أشد حبا لله " أي أشد من حب أهل الأوثان لأوثانهم والتابعين لمتبوعهم . وقيل : إنما قال " والذين آمنوا أشد حبا لله " لأن اللّه تعالى أحبهم أولا ثم أحبوه . ومن شهد له محبوبه بالمحبة كانت محبته أتم ، قال اللّه تعالى : " يحبهم ويحبونه " [ المائدة : 54 ] . وسيأتي بيان حب المؤمنين لله تعالى وحبه لهم في سورة " آل عمران{[1388]} " إن شاء اللّه تعالى .
قوله تعالى : " ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب " قراءة أهل المدينة وأهل الشام بالتاء ، وأهل مكة وأهل الكوفة وأبو عمرو بالياء ، وهو اختيار أبي عبيد . وفي الآية إشكال وحذف ، فقال أبو عبيد : المعنى لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أن القوة لله جميعا . و " يرى " على هذا من رؤية البصر . قال النحاس في كتاب " معاني القرآن " له : وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير . وقال في كتاب " إعراب القرآن " له : وروي عن محمد بن يزيد أنه قال : هذا التفسير الذي جاء به أبو عبيد بعيد ، وليست عبارته فيه بالجيدة ، لأنه يقدر : ولو يرى الذين ظلموا العذاب ، فكأنه يجعله مشكوكا فيه وقد أوجبه اللّه تعالى ، ولكن التقدير وهو قول الأخفش : ولو يرى الذين ظلموا أن القوة لله . و " يرى " بمعنى يعلم ، أي لو يعلمون حقيقة قوة اللّه عز وجل وشدة عذابه ، ف " يرى " واقعة على أن القوة لله ، وسدت مسد المفعولين . و " الذين " فاعل " يرى " ، وجواب " لو " محذوف ، أي لتبينوا ضرر اتخاذهم الآلهة ، كما قال عز وجل . " ولو ترى إذ وقفوا على ربهم{[1389]} " [ الأنعام : 30 ] ، " ولو ترى إذ وقفوا على النار{[1390]} " [ الأنعام : 27 ] ولم يأت ل " لو " جواب . قال الزهري وقتادة : الإضمار أشد للوعيد ، ومثله قول القائل : لو رأيت فلانا والسياط تأخذه ومن قرأ بالتاء فالتقدير : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه واستعظامهم له لأقروا أن القوة لله ، فالجواب مضمر على هذا النحو من المعنى وهو العامل في " أن " . وتقدير آخر : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوة لله جميعا . وقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم علم ذلك ، ولكن خوطب والمراد أمته ، فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا . ويجوز أن يكون المعنى : قل يا محمد للظالم هذا . وقيل : " أن " في موضع نصب مفعول من أجله ، أي لأن القوة لله جميعا . وأنشد سيبويه .
وأغفرُ عوراءَ الكريم ادِّخَارَه *** وأعرِضُ عن شَتْمِ اللئيم تكرُّما
أي لادخاره ، والمعنى : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب لأن القوة لله لعلمت مبلغهم من النكال ولاستعظمت ما حل بهم . ودخلت " إذ " وهي لما مضى في إثبات هذه المستقبلات تقريبا للأمر وتصحيحا لوقوعه . وقرأ ابن عامر وحده " يرون " بضم الياء ، والباقون بفتحها . وقرأ الحسن ويعقوب وشيبة وسلام وأبو جعفر " إن القوة ، وإن اللّه " بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف أو على تقدير القول ، أي ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب يقولون إن القوة لله . وثبت بنص هذه الآية القوة لله ، بخلاف قول المعتزلة في نفيهم معاني الصفات القديمة ، تعالى اللّه عن قولهم .
{ والذين آمنوا أشد حبا لله } اعلم أن محبة العبد لربه على درجتين :
إحداهما : المحبة العامة التي لا يخلو منها كل مؤمن ، وهي واجبة .
والأخرى : المحبة الخاصة التي ينفرد بها العلماء الربانيون ، والأولياء والأصفياء ، وهي أعلى المقامات ، وغاية المطلوبات ، فإن سائر مقامات الصالحين : كالخوف ، والرجاء ، والتوكل ، وغير ذلك فهي مبنية على حظوظ النفس ، ألا ترى أن الخائف إنما يخاف على نفسه وأن الراجي إنما يرجو منفعة نفسه ؛ بخلاف المحبة فإنها من أجل المحبوب فليست من المعاوضة . واعلم أن سبب محبة الله معرفته فتقوى المحبة على قدر قوة المعرفة ، وتضعف على قدر ضعف المعرفة ، فإن الموجب للمحبة إحدى أمرين ، وكلاهما إذا اجتمع في شخص من خلق الله تعالى كان في غاية الكمال : الموجب الأول : الحسن والجمال ، والآخر : الإحسان والإجمال .
فأما الجمال فهو محبوب بالطبع ، فإن الإنسان بالضرورة يحب كل ما يستحسن . والإجمال مثل جمال الله في حكمته البالغة وصنائعه البديعة ، وصفاته الجميلة الساطعة الأنوار ، التي تروق العقول وتهيج القلوب ، وإنما يدرك جمال الله تعالى بالبصائر ، لا بالأبصار .
وأما الإحسان فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها ، وإحسان الله إلى عباده متواتر وإنعامه عليهم باطن وظاهر ، { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها }[ إبراهيم :34 ] ، ويكفيك أنه يحسن إلى المطيع والعاصي ، والمؤمن والكافر ، وكل إحسان ينسب إلى غيره فهو في الحقيقة منه ، وهو المستحق للمحبة وحده .
واعلم أن محبة الله إذا تمكنت من القلب ظهرت آثارها على الجوارح من الجد في طاعته والنشاط لخدمته ، والحرص على مرضاته والتلذذ بمناجاته ، والرضا بقضائه ، والشوق إلى لقائه والأنس بذكره ، والاستيحاش من غيره ، والفرار من الناس ، والانفراد في الخلوات ، وخروج الدنيا من القلب ، ومحبة كل من يحبه الله وإيثاره على كل من سواه ، قال الحارث المحاسبي : المحبة تسليمك إلى المحبوب بكليتك ثم إيثارك له على نفسك وروحك ثم موافقته سرا وجهرا ثم علمك بتقصيرك في حبه .
{ والذين ظلموا } مفعول ، وجواب لو محذوف وهو العامل في أن التقدير لو ترى الذين ظلموا لعلمت أن القوة لله أو لعلموا أن القوة لله ، والقوي بالياء ، وهو على هذه القراءة من رؤيا القلب ، والذين ظلموا فاعل ، وأن القوة مفعول يرى ، وجواب لو محذوف والتقدير لو يرى الذين ظلموا أن القوة لله لندموا ، ولاستعظموا ما حل بهم .