في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ} (23)

18

( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ، ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ؟ ذلك بأنهم قالوا : لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ، وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون . فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ، ووفيت كل نفس ما كسبت ؟ وهم لا يظلمون ) . .

إنه سؤال التعجيب والتشهير من هذا الموقف المتناقض الغريب . موقف الذين أوتوا نصيبا من الكتاب . وهو التوراة لليهود ومعها الإنجيل للنصارى . وكل منهما( نصيب ) من الكتاب باعتبار أن كتاب الله هو كل ما أنزل على رسله ، وقرر فيه وحدة ألوهيته ووحدة قوامته . فهو كتاب واحد في حقيقته ، أوتي اليهود نصيبا منه ، وأوتي النصارى نصيبا منه ، وأوتي المسلمون الكتاب كله باعتبار القرآن جامعا لأصول الدين كله ، ومصدقا لما بين يديه من الكتاب . . سؤال التعجيب من هؤلاء ( الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ) . . ثم هم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم في خلافاتهم ، وليحكم بينهم في شؤون حياتهم ومعاشهم ، فلا يستجيبون جميعا لهذه الدعوة ، إنما يتخلف فريق منهم ويعرض عن تحكيم كتاب الله وشريعته . الأمر الذي يتناقض مع الإيمان بأي نصيب من كتاب الله ؛ والذي لا يستقيم مع دعوى أنهم أهل كتاب :

( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ، ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ؟ ) . .

هكذا يعجب الله من أهل الكتاب حين يعرض بعضهم - لا كلهم - عن الاحتكام إلى كتاب الله في أمور الاعتقاد وأمور الحياة . فكيف بمن يقولون : إنهم مسلمون ، ثم يخرجون شريعة الله من حياتهم كلها . ثم يظلون يزعمون أنهم مسلمون ! إنه مثل يضربه الله للمسلمين أيضا كي يعلموا حقيقة الدين وطبيعة الإسلام ؛ ويحذروا أن يكونوا موضعا لتعجيب الله وتشهيره بهم . فإذا كان هذا هو استنكار موقف أهل الكتاب الذين لم يدعوا الإسلام ، حين يعرض فريق منهم عن التحاكم إلى كتاب الله ، فكيف يكون الاستنكار إذا كان " المسلمون " هم الذين يعرضون هذا الاعراض . . إنه العجب الذي لا ينقضي ، والبلاء الذي لا يقدر ، والغضب الذي ينتهي إلى الشقوة والطرد من رحمة الله ! والعياذ بالله !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ} (23)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قال ابن عباس : هذه الآية نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيت المدراس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله . فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد : على أي دين أنت يا محمد ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني على ملة إبراهيم ) . فقالا : فإن إبراهيم كان يهوديا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم ) . فأبيا عليه فنزلت الآية . وذكر النقاش أنها نزلت لأن جماعة من اليهود أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( هلموا إلى التوراة ففيها صفتي ) فأبوا . وقرأ الجمهور " ليحكم " وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع " ليحكم " بضم الياء . والقراءة الأولى أحسن ؛ لقوله تعالى : " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق " [ الجاثية : 29 ] .

الثانية : في هذه الآية دليل على وجوب ارتفاع المدعو إلى الحاكم لأنه دعي إلى كتاب الله ، فإن لم يفعل كان مخالفا يتعين عليه الزجر بالأدب على قدر المخالِف والمخالَف . وهذا الحكم جار عندنا بالأندلس وبلاد المغرب وليس بالديار المصرية . وهذا الحكم الذي ذكرناه مبين في التنزيل في سورة " النور " في قوله تعالى : " وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون " إلى قوله " بل أولئك هم الظالمون " {[2969]}

[ النور : 48 - 49 - 50 ] . وأسند الزهري عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من دعاه خصمه إلى حاكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم ولا حق له ) . قال ابن العربي : وهذا حديث باطل . أما قوله " فهو ظالم " فكلام صحيح . وأما قوله " فلا حق له " فلا يصح ، ويحتمل أن يريد أنه على غير الحق . قال ابن خويز منداد المالكي : واجب على كل من دعي إلى مجلس الحاكم أن يجيب ما لم يعلم أن الحاكم فاسق ، أو يعلم عداؤه{[2970]} من المدعي والمدعى عليه .

الثالثة : وفيها دليل على أن شرائع من قبلنا شريعة لنا إلا ما علمنا نسخه ، وإنه يجب علينا الحكم بشرائع الأنبياء قبلنا ، على ما يأتي بيانه . وإنما لا نقرأ التوراة ولا نعمل بما فيها لأن من هي في يده غير أمين عليها وقد غيرها وبدلها ، ولو علمنا أن شيئا منها لم يتغير ولم يتبدل جاز لنا قراءته . ونحو ذلك روي عن عمر حيث قال لكعب : إن كنت تعلم أنها التوراة التي أنزلها الله على موسى بن عمران فاقرأها . وكان عليه السلام عالما بما لم يغير منها فلذلك دعاهم إليها وإلى الحكم بها . وسيأتي بيان هذا في " المائدة " {[2971]} والأخبار الواردة في ذلك إن شاء الله تعالى وقد قيل : إن هذه الآية نزلت في ذلك . والله أعلم .


[2969]:- راجع جـ12 ص 293 فيما بعد.
[2970]:- في الأصول: عداوة بين المدعي والمدعى عليه، والتصويب من: ز.
[2971]:- راجع جـ6 ص 212.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ} (23)

{ الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } هم اليهود ، والكتاب هنا التوراة ، أو جنس .

{ يدعون إلى كتاب الله } قال ابن عباس : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جماعة من اليهود فيهم النعمان بن عمرو والحارث بن زيد ، فقالوا له : على أي دين أنت ؟ فقال لهم : على دين إبراهيم ، فقالوا : إن إبراهيم كان يهوديا ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم ، فأبوا عليه فنزلت الآية " فكتاب الله على هذا التوراة ، وقيل : هو القرآن : كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إليه فيعرضون عنه .