في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ} (30)

18

ثم يتابع السياق التحذير ولمس القلوب خطوة أخرى كذلك باستحضار اليوم المرهوب ؛ الذي لا يند فيه عمل ولا نية ؛ والذي تواجه فيه كل نفس برصيدها كله :

( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ) . .

وهي مواجهة تأخذ المسالك على القلب البشري ، وتحاصره برصيده من الخير والسوء . وتصور له نفسه وهو يواجه هذا الرصيد ، ويود - ولكن لات حين مودة ! - لو أن بينه وبين السوء الذي عمله أمدا بعيدا . أو أن بينه وبين هذا اليوم كله أمدا بعيدا . بينما هو في مواجهته ، آخذ بخناقه ، ولات حين خلاص ، ولات حين فرار !

ثم يتابع السياق الحملة على القلب البشري ، فيكرر تحذير الله للناس من نفسه - سبحانه - :

( ويحذركم الله نفسه ) . .

ويذكرهم رحمته في هذا التحذير والفرصة متاحة قبل فوات الأوان :

( والله رؤوف بالعباد ) . .

ومن رأفته هذا التحذير وهذا التذكير . وهو دليل على إرادته الخير والرحمة بالعباد . .

وتشي هذه الحملة الضخمة المنوعة الإيماءات والإيحاءات والأساليب والإشارات ، بما كان واقعا في حياة الجماعة المسلمة من خطورة تميع العلاقات بين أفراد من المعسكر المسلم وأقربائهم وأصدقائهم وعملائهم في مكة مع المشركين وفي المدينة مع اليهود . تحت دوافع القرابة أو التجارة . . على حين يريد الإسلام أن يقيم أساس المجتمع المسلم الجديد على قاعدة العقيدة وحدها ، وعلى قاعدة المنهج المنبثق من هذه العقيدة . . الأمر الذي لا يسمح الإسلام فيه بالتميع والأرجحة إطلاقا . .

كذلك يشي بحاجة القلب البشري في كل حين إلى الجهد الناصب للتخلص من هذه الأوهاق ، والتحرر من تلك القيود ، والفرار إلى الله والارتباط بمنهجه دون سواه .

والإسلام لا يمنع أن يعامل المسلم بالحسنى من لا يحاربه في دينه ، ولو كان على غير دينه . . ولكن الولاء شيء آخر غير المعاملة بالحسنى . الولاء ارتباط وتناصر وتواد . وهذا لا يكون - في قلب يؤمن بالله حقا - إلا للمؤمنين الذين يرتبطون معه في الله ؛ ويخضعون معه لمنهجه في الحياة ؛ ويتحاكمون إلى كتابه في طاعة واتباع واستسلام .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ} (30)

" يوم " منصوب متصل بقوله : " ويحذركم الله نفسه . يوم تجد " . وقيل : هو متصل بقوله : " وإلى الله المصير . يوم تجد " . وقيل : هو متصل بقوله :

" والله على كل شيء قدير . يوم تجد " ويجوز أن يكون منقطعا على إضمار اذكر ، ومثله قوله : " إن الله عزيز ذو انتقام . يوم تبدل الأرض " {[2997]} [ إبراهيم :47 ، 48 ] . و " محضرا " حال من الضمير المحذوف من صلة " ما " تقديره يوم تجد كل نفس ما عملته من خير محضرا . هذا على أن يكون " تجد " من وجدان الضالة . و " ما " من قوله " وما عملت من سوء " عطف على " ما " الأولى . و " تود " في موضع الحال من " ما " الثانية . وإن جعلت " تجد " بمعنى تعلم كان " محضرا " المفعول الثاني ، وكذلك تكون " تود " في موضع المفعول الثاني ، تقديره يوم تجد كل نفس جزاء ما عملت محضرا . ويجوز أن تكون " ما " الثانية رفعا بالابتداء ، و " تود " في موضع رفع على أنه خبر الابتداء ، ولا يصح أن تكون " ما " بمعنى الجزاء ؛ لأن " تود " مرفوع ، ولو كان ماضيا لجاز أن يكون جزاء ، وكان يكون معنى الكلام : وما عملت من سوء ودت لو أن{[2998]} بينها وبينه أمدا بعيدا ، أي كما بين المشرق والمغرب . ولا يكون المستقبل إذا جعلت " ما " للشرط إلا مجزوما ، إلا أن تحمله على تقدير حذف الفاء ، على تقدير : وما عملت من سوء فهي تود . أبو علي : هو قياس قول الفراء عندي ؛ لأنه قال في قوله تعالى : " وإن أطعتموهم إنكم لمشركون " {[2999]} [ الأنعام : 121 ] : إنه على حذف الفاء . والأمد : الغاية ، وجمعه آماد . ويقال : استولى على الأمد ، أي غلب سابقا . قال النابغة :

إلا لمثلك أو من أنت سابقُه *** سِبْقَ الجواد إذا استولى على الأَمَدِ

والأمد : الغضب . يقال : أمِد أمَداً ، إذا غضب غضبا{[3000]} .


[2997]:- راجع جـ9 ص 382.
[2998]:- في د: لو كان.
[2999]:- راجع جـ7 ص 77.
[3000]:- الزيادة من د و في ب: أي غضب.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ} (30)

{ يوم تجد } منصوب على الظرفية والعامل فيه فعل مضمر تقديره اذكروا أو خافوا وقيل : العامل فيه قدير ، وقيل : المصير وقيل : يحذركم .

{ وما عملت من سوء } مبتدأ خبره تود أو معطوف .

{ أمدا } أي : مسافة .

{ والله رؤوف } ذكر بعد التحذير تأنيسا لئلا يفرط الخوف أو لأن التحذير والتنبيه رأفة .