( ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ، وتفصيلاً لكل شيء ، وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون ) . .
هذا الكلام معطوف بثم على ما قبله . . وتأويله : ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا . . ) ( وأن هذا صراطي مستقيماً ) . . معطوفة على جملة : ألا تشركوا . . ( ثم آتينا موسى الكتاب . . )معطوف عليهما كذلك باعتباره من القول الذي دعاهم ليقوله لهم [ ص ] فالسياق مطرد كما أسلفنا .
وقوله ( تماماً على الذي أحسن ) . . تأويله - كما اختار ابن جرير - : 3 آتينا موسى التوراة تماما لنعمنا عنده ، وأيادينا قبله ، تتم به كرامتنا عليه ، على إحسانه وطاعته ربه ، وقيامه بما كلفه من شرائع دينه ، وتبيينا لكل ما بقومه وأتباعه إليه الحاجة من أمر دينهم . .
وقوله : وتفصيلا لكل شيء . كما قال قتادة : فيه حلاله وحرامه .
وهدى ورحمة لعل قومه يهتدون ويؤمنون بلقاء ربهم فيرحمهم من عذابه . .
هذا الغرض الذي من أجله آتينا موسى الكتاب ، جاء من أجله كتابكم ، لعلكم تنالون به الهدى والرحمة :
قوله تعالى : " ثم آتينا موسى الكتاب " مفعولان . " تماما " مفعول من أجله أو مصدر . " على الذي أحسن " قرئ بالنصب والرفع . فمن رفع - وهي قراءة يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق . فعلى تقدير : تماما على الذي هو أحسن . قال المهدوي : وفيه بعد من أجل حذف المبتدأ العائد على الذي . وحكى سيبويه عن الخليل أنه سمع " ما أنا بالذي قائل لك شيئا " . ومن نصب فعلى أنه فعل ماضي داخل في الصلة . هذا قول البصريين . وأجاز الكسائي والفراء أن يكون اسما نعتا للذي . وأجازا " مررت بالذي أخيك " ينعتان الذي بالمعرفة وما قاربها . قال النحاس : وهذا محال عند البصريين ؛ لأنه نعت للاسم قبل أن يتم ، والمعنى عندهم : على المحسن . قال مجاهد : تماما على المحسن المؤمن . وقال الحسن في معنى قوله : " تماما على الذين أحسن " كان فيهم محسن وغير محسن ، فأنزل الله الكتاب تماما على المحسنين . والدليل على صحة هذا القول أن ابن مسعود قرأ : " تماما على الذين أحسنوا " . وقيل : المعنى أعطينا موسى التوراة زيادة على ما كان يحسنه موسى مما كان علمه الله قبل نزول التوراة عليه . قال محمد بن يزيد : فالمعنى " تماما على الذي أحسن " أي تماما على الذي أحسنه الله عز وجل إلى موسى عليه السلام من الرسالة وغيرها . وقال عبدالله بن زيد : معناه على إحسان الله تعالى إلى أنبيائه عليهم السلام من الرسالة وغيرها . وقال الربيع بن أنس : تماما على إحسان موسى من طاعته لله عز وجل ، وقاله الفراء . ثم قيل : " ثم " يدل على أن الثاني بعد الأول ، وقصة موسى صلى الله عليه وسلم وإتيانه الكتاب قبل هذا ؛ فقيل : " ثم " بمعنى الواو ؛ أي وآتينا موسى الكتاب ، لأنهما حرفا عطف . وقيل : تقدير الكلام ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : المعنى قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ، ثم أتل ما آتينا موسى تماما . " وتفصيلا " عطف عليه . وكذا " وهدى ورحمة " .
{ ثم آتينا } معطوف على وصاكم به فإن قيل : فإن إيتاء موسى الكتاب متقدم على هذه الوصية فكيف عطفه عليها بثم ، فالجواب : أن هذه الوصية قديمة لكل أمة على لسان نبيها ، فصح الترتيب ، وقيل : إنها هنا لترتيب الأخبار والقول ، لا لترتيب الزمان .
{ تماما على الذي أحسن } فيه ثلاث تأويلات :
أحدها : أن المعنى تماما للنعمة على الذي أحسن من قوم موسى ففاعل أحسن ضمير يعود على { الذي } ، و{ الذي أحسن } يراد به جنس المحسنين .
والآخر : أن المعنى { تماما } أي : تفضلا ، أو جزاء على ما أحسن موسى عليه السلام من طاعة ربه وتبليغ رسالته ، فالفاعل على هذا ضمير موسى عليه السلام والذي صفة لعمل موسى .
والثالث : { تماما } أي : إكمالا على ما أحسن الله به إلى عباده ، فالعامل على هذا ضمير الله تعالى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.