في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَـٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (157)

138

( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ؛ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، ويحل لهم الطيبات ، ويحرم عليهم الخبائث ، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم . فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ) .

وإنه لنبأ عظيم ، يشهد بأن بني إسرائيل قد جاءهم الخبر اليقين بالنبي الأمي ، على يدي نبيهم موسى ونبيهم عيسى - عليهما السلام - منذ أمد بعيد . جاءهم الخبر اليقين ببعثه ، وبصفاته ، وبمنهج رسالته ، وبخصائص ملته . فهو ( النبي الأمي ) ، وهو يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، وهو يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ، وهو يضع عمن يؤمنون به من بني إسرائيل الأثقال والأغلال التي علم الله أنها ستفرض عليهم بسبب معصيتهم ، فيرفعها عنهم النبي الأمي حين يؤمنون به . وأتباع هذا النبي يتقون ربهم ، ويخرجون زكاة أموالهم ، ويؤمنون بآيات الله . . وجاءهم الخبر اليقين بأن الذين يؤمنون بهذا النبي الأمي ؛ ويعظمونه ويوقرونه ، وينصرونه ويؤيدونه ، ويتبعون النور الهادي الذي معه ( أولئك هم المفلحون ) . .

وبذلك البلاغ المبكر لبني إسرائيل - على يد نبيهم موسى عليه السلام - كشف الله سبحانه عن مستقبل دينه ، وعن حامل رايته ، وعن طريق أتباعه ، وعن مستقر رحمته . . فلم يبق عذر لأتباع سائر الديانات السابقة ، بعد ذلك البلاغ المبكر بالخبر اليقين .

وهذا الخبر اليقين من رب العالمين لموسى عليه السلام - وهو والسبعون المختارون من قومه في ميقات ربه - يكشف كذلك عن مدى جريمة بني إسرائيل في استقبالهم لهذا النبي الأمي وللدين الذي جاء به . وفيه التخفيف عنهم والتيسير ، إلى جانب ما فيه من البشارة بالفلاح للمؤمنين !

إنها الجريمة عن علم وعن بينة ! والجريمة التي لم يألوا فيها جهداً . . فقد سجل التاريخ أن بني إسرائيل كانوا هم ألأم خلق وقف لهذا النبي وللدين الذي جاء به . . اليهود أولاً والصليبيون أخيراً . . وأن الحرب التي شنوها على هذا النبي ودينه وأهل دينه كانت حرباً خبيثة ماكرة لئيمة قاسية ؛ وأنهم أصروا عليها ودأبوا ؛ وما يزالون يصرون ويدأبون !

والذي يراجع - فقط - ما حكاه القرآن الكريم من حرب أهل الكتاب للإسلام والمسلمين - وقد سبق منه في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة ما سبق - يطلع على المدى الواسع المتطاول الذي أداروا فيه المعركة مع هذا الدين في عناد لئيم !

والذي يراجع التاريخ بعد ذلك - منذ اليوم الذي استعلن فيه الإسلام بالمدينة ، وقامت له دولة - إلى اللحظة الحاضرة ، يدرك كذلك مدى الإصرار العنيد على الوقوف لهذا الدين وإرادة محوه من الوجود !

ولقد استخدمت الصهيونية والصليبية في العصر الحديث من ألوان الحرب والكيد والمكر أضعاف ما استخدمته طوال القرون الماضية . . وهي في هذه الفترة بالذات تعالج إزالة هذا الدين بجملته ؛ وتحسب أنها تدخل معه في المعركة الأخيرة الفاصلة . . لذلك تستخدم جميع الأساليب التي جربتها في القرون الماضية كلها - بالإضافة إلى ما استحدثته منها - جملة واحدة !

ذلك في الوقت الذي يقوم ممن ينتسبون إلى الإسلام ناس يدعون في غرارة ساذجة إلى التعاون بين أهل الإسلام وأهل بقية الأديان للوقوف في وجه تيار المادية والإلحاد ! أهل بقية الأديان الذين يذبحون من ينتسبون إلى الإسلام في كل مكان ؛ ويشنون عليهم حرباً تتسم بكل بشاعة الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش في الأندلس - سواء عن طريق أجهزتهم المباشرة في المستعمرات في آسيا وإفريقية أو عن طريق الأوضاع التي يقيمونها ويسندونها في البلاد [ المستقلة ! ] لتحل محل الإسلام عقائد ومذاهب علمانية ! تنكر " الغيبية " لأنها " علمية ! " و " تطوّر " الأخلاق لتصبح هي أخلاق البهائم التي ينزو بعضها على بعض في " حرية ! " ، و " تطوّر " كذلك الفقه الإسلامي ، وتقيم له مؤتمرات المستشرقين لتطويره . كيما يحل الربا والاختلاط الجنسي وسائر المحرمات الإسلامية ! !

إنها المعركة الوحشية الضارية يخوضها أهل الكتاب مع هذا الدين ، الذي بشروا به وبنبيه منذ ذلك الأمد البعيد . ولكنهم تلقوه هذا التلقي اللئيم الخبيث العنيد !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَـٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (157)

فيه عشر مسائل :

الأولى - روى يحيى بن أبي كثير عن نوف البكالي الحميري : لما اختار موسى قومه سبعين رجلا لميقات ربه قال الله تعالى لموسى : أن أجعل لكم الأرض مسجدا وطهورا تصلون حيث أدركتكم الصلاة إلا عند مرحاض أو حمام أو قبر ، وأجعل السكينة في قلوبكم ، وأجعلكم تقرؤون التوراة عن ظهر قلوبكم ، يقرأها الرجل منكم والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير . فقال ذلك موسى لقومه ، فقالوا : لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس ، ولا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا ، ونريد أن تكون كما كانت في التابوت ، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهر قلوبنا ، ولا نريد أن نقرأها إلا نظرا . فقال الله تعالى : " فسأكتبها للذين يتقون - إلى قوله - المفلحون " . فجعلها لهذه الأمة . فقال موسى : يا رب ، اجعلني نبيهم . فقال : نبيهم منهم . قال : رب اجعلني{[7402]} منهم . قال : إنك لن تدركهم . فقال موسى : يا رب ، أتيتك بوفد بني إسرائيل ، فجعلت وفادتنا لغيرنا . فأنزل الله عز وجل : " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون{[7403]} " [ الأعراف : 159 ] . فرضي موسى . قال نوف : فاحمدوا الله الذي جعل وفادة بني إسرائيل لكم . وذكر أبو نعيم أيضا هذه القصة من حديث الأوزاعي قال : حدثنا يحيى بن أبي عمرو الشيباني{[7404]} قال حدثني نوف البكالي{[7405]} إذا افتتح موعظة قال : ألا تحمدون ربكم الذي حفظ غيبتكم وأخذ لكم بعد سهمكم وجعل وفادة القوم لكم . وذلك أن موسى عليه السلام وفد ببني إسرائيل فقال الله{[7406]} لهم : إني قد جعلت لكم الأرض مسجدا حيثما صليتم فيها تقبلت صلاتكم إلا في ثلاثة مواطن من صلى فيمن لم أقبل صلاته المقبرة والحمام والمرحاض . قالوا : لا ، إلا في الكنيسة . قال : وجعلت لكم التراب طهورا إذا لم تجدوا الماء . قالوا : لا ، إلا بالماء . قال : وجعلت لكم حيثما صلى الرجل فكان وحده تقبلت صلاته . قالوا : لا ، إلا في جماعة .

الثانية - قوله تعالى : " الذين يتبعون الرسول النبي الأمي " هذه الألفاظ كما ذكرنا أخرجت اليهود والنصارى من الاشتراك الذي يظهر في قوله : " فسأكتبها للذين يتقون " وخلصت هذه العدة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم . قاله ابن عباس وابن جبير وغيرهما . و " يتبعون " يعني في شرعه ودينه وما جاء به . والرسول والنبي صلى الله عليه وسلم اسمان لمعنيين ، فإن الرسول أخص من النبي . وقدم الرسول اهتماما بمعنى الرسالة ، وإلا فمعنى النبوة هو المتقدم ؛ ولذلك رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على البراء حين قال : وبرسولك الذي أرسلت . فقال له : ( قل آمنت بنبيك الذي أرسلت ) خرجه في الصحيح . وأيضا فإن في قوله : " وبرسولك الذي أرسلت " تكرير الرسالة ، وهو معنى واحد فيكون كالحشو الذي لا فائدة فيه . بخلاف قوله : " ونبيك الذي أرسلت " فإنهما لا تكرار فيهما . وعلى هذا فكل رسول نبي ، وليس كل نبي رسولا ؛ لأن الرسول والنبي قد اشتركا في أمر عام وهو النبأ ، وافترقا في أمر خاص{[7407]} وهي الرسالة . فإذا قلت : محمد رسول من عند الله تضمن ذلك أنه نبي ورسول الله . وكذلك غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم .

الثالثة - قوله تعالى : " الأمي " هو منسوب إلى الأمة الأمية ، التي هي على أصل ولادتها ، لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها قاله ابن عزيز{[7408]} . وقال ابن عباس رضي الله عنه : كان نبيكم صلى الله عليه وسلم أميا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب . قال الله تعالى : " وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك{[7409]} " [ العنكبوت : 48 ] . وروي في الصحيح عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ) . الحديث . وقيل : نسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة أم القرى . ذكره النحاس .

الرابعة - قوله تعالى : " الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل " روى البخاري قال : حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا فليح قال حدثنا هلال عن عطاء بن يسار لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص قلت : أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة . فقال : أجل ، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا{[7410]} ، وحرزا للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب{[7411]} في الأسواق ، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ، ولن يقبضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ، ويفتح بها أعينا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلقا . في غير البخاري{[7412]} قال عطاء : ثم لقيت كعبا فسألته عن ذلك فما اختلفا حرفا ، إلا أن كعبا قال بلغته : قلوبا غلوفيا وآذانا صموميا وأعينا عموميا . قال ابن عطية : وأظن هذا وهما أو عجمة . وقد روي عن كعب أنه قالها : قلوبا غلوفا وآذانا صموما وأعينا عموميا . قال الطبري : هي لغة حميرية . وزاد كعب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم قال : مولده بمكة ، وهجرته بطابة{[7413]} ، وملكه بالشأم ، وأمته الحامدون ، يحمدون الله على كل حال وفي كل منزل ، يوضؤون أطرافهم ويأتزرون إلى أنصاف ساقهم ، رعاة الشمس ، يصلون الصلوات حيثما أدركتهم ولو على ظهر الكناسة{[7414]} ، صفهم في القتال مثل{[7415]} صفهم في الصلاة . ثم قرأ " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص{[7416]} " [ الصف : 4 ] .

الخامسة - قوله تعالى : " يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر " قال عطاء : " يأمرهم بالمعروف " بخلع الأنداد ، ومكارم الأخلاق ، وصلة الأرحام . " وينهاهم عن المنكر " عبادة الأصنام ، وقطع الأرحام .

السادسة - قوله تعالى : " ويحل لهم الطيبات " مذهب مالك أن الطيبات هي المحللات ، فكأنه وصفها بالطيب ؛ إذ هي لفظة تتضمن مدحا وتشريفا . وبحسب هذا نقول في الخبائث : إنها المحرمات ؛ ولذلك قال ابن عباس : الخبائث هي لحم الخنزير والربا وغيره . وعلى هذا حلل مالك المتقذرات كالحيات والعقارب والخنافس ونحوها . ومذهب الشافعي رحمه الله أن الطيبات هي من جهة الطعم ، إلا أن اللفظة عنده ليست على عمومها ؛ لأن عمومها بهذا الوجه من الطعم يقتضي تحليل الخمر والخنزير ، بل يراها مختصة فيما حلله الشرع . ويرى الخبائث لفظا عاما في المحرمات بالشرع وفي المتقذرات ، فيحرم العقارب والخنافس والوزغ وما جرى هذا المجرى . والناس على هذين القولين وقد تقدم في " البقرة{[7417]} " هذا المعنى .

السابعة - قوله تعالى : " ويضع عنهم إصرهم " الإصر : الثقل . قاله مجاهد وقتادة وابن جبير . والإصر أيضا : العهد . قاله ابن عباس والضحاك والحسن . وقد جمعت هذه الآية المعنيين ، فإن بني إسرائيل قد كان أخذ عليهم عهد أن يقوموا بأعمال ثقال ، فوضع عنهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ذلك العهد وثقل تلك الأعمال ، كغسل البول ، وتحليل الغنائم ، ومجالسة الحائض ومؤاكلتها ومضاجعتها ، فإنهم كانوا إذا أصاب ثوب أحدهم بول قرضه . وروي : جلد أحدهم . وإذا جمعوا الغنائم نزلت نار من السماء فأكلتها ، وإذا حاضت المرأة لم يقربوها ، إلى غير ذلك مما ثبت في الحديث{[7418]} الصحيح وغيره .

الثامنة - قوله تعالى : " والأغلال التي كانت عليهم " فالأغلال عبارة مستعارة لتلك الأثقال . ومن الأثقال ترك الاشتغال يوم السبت ، فإنه يروى أن موسى عليه السلام رأى يوم السبت رجلا يحمل قصبا فضرب عنقه . هذا قول جمهور المفسرين . ولم يكن فيهم الدية ، وإنما كان القصاص . وأمروا بقتل أنفسهم علامة لتوبتهم ، إلى غير ذلك . فشبه ذلك بالأغلال ، كما قال الشاعر :

فليس كعهد الدار يا أم مالك *** ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل

عاد الفتى كالكهل ليس بقائل *** سوى العدل شيئا فاستراح العواذل

فشبه حدود الإسلام وموانعه عن التخطي إلى المحظورات بالسلاسل المحيطات بالرقاب . ومن هذا المعنى قول أبي أحمد بن جحش لأبي سفيان :

اذهب بها اذهب بها *** طُوِّقْتَهَا طوقَ الحَمَامَهْ

أي لزمك عارها . يقال : طوق فلان كذا إذا لزمه .

التاسعة - إن قيل : كيف عطف الأغلال وهو جمع على الإصر وهو مفرد ؟ فالجواب أن الإصر مصدر يقع على الكثرة . وقرأ ابن عامر " آصارهم " بالجمع ، مثل أعمالهم . فجمعه لاختلاف ضروب المآثم . والباقون بالتوحيد ؛ لأنه مصدر يقع على القليل والكثير من جنسه مع إفراد لفظه . وقد أجمعوا على التوحيد في قوله : " ولا تحمل علينا إصرا{[7419]} " [ البقرة : 286 ] . وهكذا كلما يرد عليك من هذا المعنى ، مثل " وعلى سمعهم{[7420]} " [ البقرة : 7 ] . " لا يرتد إليهم طرفهم{[7421]} " [ إبراهيم : 43 ] . و " من طرف خفي{[7422]} " [ الشورى : 45 ] . كله بمعنى الجمع .

العاشرة - قوله تعالى : " فالذين آمنوا به وعزروه " أي وقروه ونصروه . قال الأخفش : وقرأ الجحدري وعيسى " وعزروه " بالتخفيف . وكذا " وعزرتموهم{[7423]} " [ المائدة : 12 ] . يقال : عزره يعزره ويعزره . " واتبعوا النور الذي أنزل معه " القرآن " أولئك هم المفلحون " " الفلاح " الظفر بالمطلوب . وقد تقدم هذا{[7424]} .


[7402]:في ج: أخرني حتى تجعلني منهم.
[7403]:راجع ج 302 من هذا الجزء.
[7404]:السيباني في التقريب: بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة وسيبان بطن من حمير. وهـ التهذيب.
[7405]:في ج و ز و ك و ى: قال كان أبو عمرو البكالي إذا افتتح. الخ وأبو عمرو كنية نوف ولعله يحدث عن نفسه.
[7406]:من ج و ز و ى.
[7407]:من ك.
[7408]:من ا و ب و ج و ح و ز و ى. وابن عزيز أو عزيز من علماء المالكية، وفي ل: ابن جرير وفي ك: ابن العربي.
[7409]:راجع ج 13 ص 351.
[7410]:راجع ج 14 ص 199 .
[7411]:في ع: هـ سخاب: بمهملة لغة في صخاب.
[7412]:من ب و ج و ك و ى
[7413]:طابة : طيبة وهي المدينة المنورة
[7414]:كذا في كل الأصول: والكناسة :القمامة ومكانها والصلاة لا تجوز على المزبلة : فتأمل.
[7415]:في ج: كصفهم.
[7416]:راجع ج 18 ص 81
[7417]:راجع ج 2 ص 207.
[7418]:من ع
[7419]:راجع ج 3 ص 430 و ج 1 ص 185 و 181 .
[7420]:راجع ج 3 ص 430 و ج 1 ص 185 و 181.
[7421]:راجع ج 9 ص 377.
[7422]:راجع ج 16 ص 45
[7423]:راجع ج 6 ص 114.
[7424]:من ج و ك
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَـٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (157)

{ الذين يتبعون الرسول } هذا الوصف خصص أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال بعضهم : لما قال الله : { ورحمتي وسعت كل شيء } طمع فيها كل أحد حتى إبليس فلما قال { فسأكتبها للذين يتقون } فيئس إبليس لعنه الله وبقيت اليهود والنصارى .

{ النبي الأمي } أي : الذي لا يقرأ ولا يكتب وذلك من أعظم دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم كأنه أتى بالعلوم الجمة من غير قراءة ولا كتابة ، ولذلك قال تعالى : { وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون } [ العنكبوت : 48 ] ، قال بعضهم : الأمي منسوب إلى الأم ، وقيل : إلى الأمة .

{ الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } ضمير الفاعل في { يجدونه } لبني إسرائيل ، وكذلك الضمير في عندهم ، ومعنى { يجدونه } يجدون نعته وصفته ولنذكر هنا ما ورد في التوراة والإنجيل وأخبار المتقدمين من ذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .

فمن ذلك ما ورد في البخاري وغيره أن في التوراة من صفة النبي صلى الله عليه وسلم : " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي أسميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق لا تجزي بالسيئة السيئة ، ولكن تعفو وتصفح ، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ، فيفتح به عيونا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلفا " .

ومن ذلك ما في التوراة مما أجمع عليه أهل الكتاب وهو باق بأيديهم إلى الآن إن الملك نزل على إبراهيم فقال له في هذا العام يولد غلام اسمه إسحاق ، فقال إبراهيم يا رب ليت إسماعيل يعيش يخدمك فقال الله لإبراهيم ذلك لك قد استجيب لك في إسماعيل وأنا أباركه وأنميه وأكبره وأعظمه بماذماذ ، وتفسير هذه الحروف محمد .

ومن ذلك في التوراة إن الرب تعالى جاء في طور سيناء ، وطلع من ساعد وظهر من جبال فاران ، ويعني : بطور سيناء موضع مناجاة موسى عليه السلام ، وساعد موضع عيسى وفاران هي مكة ، موضع مولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه ، ومعنى ما ذكر من مجيء الله وطلوعه وظهوره هو ظهور دينه على يد الأنبياء الثلاثة المنسوبين لتلك المواضع ، وتفسير ذلك ما في كتاب شعيا خطابا لمكة : قومي فأزهري مصباحك فقد دنا وقتك وكرامة الله طالعة عليك ، فقد تخلل الأرض الظلام ، وعلا على الأمم المصاب ، والرب يشرق عليك إشراقا ، ويظهر كرامة عليك ، تسير الأمم إلى نورك ، والملوك إلى ضوء طلوعك ، ارفعي بصرك إلى ما حولك ، وتأملي فإنهم مستجمعون عندك ، وتحج إليك عساكر الأمم وفي بعض كتبهم لقد تقطعت السماء من بهاء محمد المحمود وامتلأت الأرض من حمده ، لأنه ظهر بخلاص أمته .

ومن ذلك في التوراة أن هاجر أم إسماعيل لما غضبت عليها سارة تراء لها ملك فقال لها : يا هاجر أين تريدين ومن أين أقبلت فقالت : أهرب من سيدتي سارة ، فقال لها : ارجعي إلى سارة وستحبلين وتلدين ولدا اسمه إسماعيل ، وهو يكون عين الناس ، وتكون يده فوق الجميع ، وتكون يد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع ، ووجه دلالة هذا الكلام على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أن هذا الذي وعدها به الملك من أن يد ولدها فوق الجميع وأن يد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع إنما ظهرت بمبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم وظهور دينه وعلو كلمته ، ولم يكن ذلك لإسماعيل ولا لغيره قبل محمد صلى الله عليه وسلم .

ومن ذلك أيضا في التوراة أن الرب يقيم لهم نبيا من إخوتهم ، وأي رجل لم يسمع ذلك الكلام الذي يؤديه ذلك النبي عن الله فينتقم الله منه ، ودلالة هذا الكلام ظاهرة بأن أولاد إسماعيل هم إخوة أولاد إسحاق ، وقد انتقم الله من اليهود الذين لم يسمعوا كلام محمد صلى الله عليه وسلم كبني قريظة وبني قينقاع وغيرهم .

ومن ذلك في التوراة : إن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام وقد أجبت دعاءك في إسماعيل ، وباركت عليه وسيلد اثني عشر عظيما ، وأجعله لأمة عظيمة .

ومن ذلك في الإنجيل أن المسيح قال للحواريين : إني ذاهب عنكم وسيأتيكم الفارقليط الذي لا يتكلم من قبل نفسه إنما يقول كما يقال له وبهذا وصف الله سبحانه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في قوله : { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } [ النجم : 3و 4 ] وتفسير الفارقليط أنه مشتق من الحمد واسم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم محمد وأحمد ، وقيل : معنى الفارقليط الشافع المشفع .

ومن ذلك في التوراة : مولده بمكة أو مسكنه بطيبة وأمته الحمادون ، وبيان ذلك أن أمته يقرؤون الحمد لله في صلاتهم مرارا كثيرة في كل يوم وليلة .

وعن شهر بن حوشب مثل ذلك في إسلام كعب الأحبار ، وهو من اليمن من حمير أن كعبا أخبره بأمره وكيف كان ذلك ، وقيل : كان أبوه من مؤمني أهل التوراة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان من عظمائهم وخيارهم .

قال كعب وكان من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى من التوراة ، وبكتب الأنبياء ، ولم يكن يدخر عني شيئا مما كان يعلم ، فلما حضرته الوفاة دعاني ، فقال يا بني : قد علمت أني لم أكن أدخر عنك شيئا مما كنت أعلم ، إلا أني حبست عنك ورقتين فيهما ذكر نبي يبعث ، وقد أطل زمانه ، فكرهت أن أخبرك بذلك فلا آمن عليك بعد وفاتي أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتتبعهم ؛ وقد قطعتهما في موضعهما حتى يخرج ذلك النبي ، فإذا خرج فاتبعه وانظر فيهما ، فإن الله يزيدك بهذا خيرا .

فلما مات والدي لم يكن شيء أحب إلي من أن ينقضي المأتم حتى أنظر ما في الورقتين فلما انقضى المأتم فتحت الكوة ثم استخرجت الورقتين فإذا فيهما محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ، لا نبي بعده ، مولده بمكة ومهاجره بطيبة ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة ويعفو ويغفر ويصفح ، أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل شرف وعلى كل حال وتذلل بالتكبير ألسنتهم ، وينصر الله نبيهم على كل من ناوأه ، يغسلون فروجهم بالماء ويأتزرون على أوساطهم وأناجيلهم في صدورهم ويأكلون قربانهم في بطونهم ويؤجرون عليها وتراحمهم بينهم تراحم بني الأم والأب ، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم ، وهم السابقون المقربون والشافعون المشفع لهم ، فلما قرأت هذا قلت في نفسي : والله ما علمني شيئا خيرا لي من هذا فمكثت ما شاء الله حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم وبيني وبينه بلاد بعيدة منقطعة لا أقدر على إتيانه ، وبلغني أنه خرج في مكة فهو يظهر مرة ويستخفي مرة ، فقلت : هو هذا وتخوفت ما كان والدي حذرني ، وخوفني من ذكر الكذابين ، وجعلت أحب أن أتبين وأتثبت فلم أزل بذلك حتى بلغني أنه أتى المدينة فقلت في نفسي : إني لأرجو أن يكون إياه وجعلت ألتمس السبيل إليه فلم يقدر لي حتى بلغني أنه توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت في نفسي : لعله لم يكن الذي كنت أظن ، ثم بلغني أن خليفة قام مقامه ، ثم لم ألبث إلا قليلا حتى جاءتنا جنوده فقلت في نفسي : لا أدخل في هذا الدين حتى أعلم أهم الذين كنت أرجو وأنتظر وأنظر كيف سيرتهم وأعمالهم ، وإلى ما تكون عاقبتهم فلم أزل أدفع ذلك وأؤخره لأتبين وأتثبت حتى قدم علينا عمر بن الخطاب ، فلما رأيت صلاة المسلمين وصيامهم وبرهم ووفاءهم بالعهد وما صنع الله لهم على الأعداء علمت أنهم هم الذين كنت أنتظر فحدثت نفسي بالدخول في دين الإسلام ، فوالله إني ذات ليلة فوق سطح إذا برجل من المسلمين يتلو كتاب الله حتى أتى على هذه الآية { يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا } [ النساء : 47 ] ، فلما سمعت هذه الآية خشيت الله ألا أصبح حتى يحول وجهي في قفاي ، فما كان شيء أحب إلي من الصباح ، فغدوت على عمر فأسلمت حين أصبحت ، وقال كعب لعمر عند انصرافهم إلى الشام : يا أمير المؤمنين إنه مكتوب في كتاب الله إن هذه البلاد التي كان فيها بنو إسرائيل ، وكانوا أهلها مفتوحة على يد رجل من الصالحين رحيم بالمؤمنين شديد على الكافرين سره مثل علانيته وعلانيته مثل سره ، وقوله لا يخالف فعله ، والقريب والبعيد عنده في الحق سواء وأتباعه رهبان بالليل وأسد بالنهار متراحمون متواصلون متبادلون ، فقال له عمر : ثكلتك أمك ، أحق ما تقول ؟ قال أي : والذي أنزل التوراة على موسى والذي يسمع ما تقول إنه لحق فقال عمر : الحمد لله الذي أعزنا وشرفنا وأكرمنا ورحمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم برحمته التي وسعت كل شيء .

ومن ذلك كتاب فروة بن عمر الجذامي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من ملوك العرب بالشام ، فكتب إليه : بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد رسول الله من فروة بن عمر إني مقر بالإسلام مصدق ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم عليه السلام ، فأخذه هرقل لما بلغه إسلامه وسجنه فقال : والله لا أفارق دين محمد أبدا فإنك تعرف إنه النبي الذي بشر به عيسى ابن مريم . ولكنك حرصت على ملكك وأحببت بقاءه فقال قيصر : صدق والإنجيل ، يشهد لهذا ما خرجه البخاري ومسلم من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وسؤال هرقل عن أحواله وأخلاقه صلى الله عليه وسلم . فلما أخبر بها علم أنه رسول الله ، وقال : إنه يملك موضع قدمي ولو خلصت إليه لغسلت قدميه ومن حديث زيد بن أسلم عن أبيه وهو عندنا بالإسناد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج زمان الجاهلية مع ناس من قريش في التجارة إلى الشام ، قال فإني لفي سوق من أسواقها إذا أنا ببطريق قد قبض على عنقي فذهبت أنازعه فقيل لي : لا تفعل فإنه لا نصيف لك منه فأدخلني كنيسة فإذا تراب عظيم ملقى فجاءني بزنبيل ومجرفة فقال لي : أنقل ما ههنا فجعلت أنظر ، كيف أصنع فلما كان من الهاجرة وافاني وعليه ثوب أرى سائر جسده منه ، فقال أئنك على ما أرى ما نقلت شيئا ، ثم جمع يديه فضرب بهما دماغي فقلت : واثكل أمك يا عمر أبلغت ما أرى ثم وثبت إلى المجرفة فضربت بها هامته فنشرت دماغه ثم واريته في التراب وخرجت على وجهي لا أدري أين أسير فسرت بقية يومي وليلتي من العد إلى الهاجرة فانتهيت إلى دير فاستظللت بفنائه فخرج إلي رجل منه فقال لي : يا عبد الله ما يقعدك هنا ، فقلت : أضللت أصحابي ، فقال لي : ما أنت على طريق وإنك لتنظر بعيني خائف فادخل فأصب من الطعام واسترح فدخلت فأتاني بطعام وشراب وأطعمني ، ثم صعد في النظر وصوبه ، فقال : قد علم والله أهل الكتاب أنه ما على الأرض أعلم بالكتاب مني ، وإني لأرى صفتك الصفة التي تخرجنا من هذا الدير وتغلبنا عليه فقلت : يا هذا لقد ذهبت بي في غير مذهب ، فقال لي : ما اسمك ؟ فقلت عمر ابن الخطاب ، فقال : أنت والله صاحبنا فاكتب لي على ديري هذا وما فيه ، فقلت : يا هذا إنك قد صنعت إلي صنيعة فلا تكررها ، فقال إنما هو كتاب في رق ، فإن كنت صاحبنا فذلك ، وإلا لم يضرك شيء فكتب له على ديره وما فيه ، فأتاني بثياب ودراهم فدفعها إلي ثم أو كف أتانا فقال لي : أتراها فقلت : نعم ، قال سر بها كذلك حتى ترجع إليّ قال : فركبتها فكان كما قال حتى لحقت بأصحابي وهم متوجهون إلى الحجاز فضربتها مدبرة وانطلقت معهم ، فلما وافى عمر الشام في زمان خلافته جاءه ذلك الراهب بالكتاب وهو صاحب دير العرس فلما رآه عرفه ، فقال قد جاء مالا مذهب لعمر عنه ، ثم أقبل على أصحابه فحدثهم بحديثه فلما فرغ منه اقبل على الراهب فقال : هل عندكم من نفع للمسلمين ، قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال إن أضفتم المسلمين ومرضتموهم وأرشدتموهم فعلنا ذلك قال : نعم يا أمير المؤمنين فوفى له عمر رضي الله عنه ورحمه . وعن سيف يرفعه إلى سالم بن عبد الله قال : لما دخل عمر الشام تلقاه رجل من يهود دمشق فقال : السلام عليك يا فاروق أنت صاحب إيلياء ؛ والله لا ترجع حتى يفتح الله إيلياء .

ومن ذلك أن عمرو بن العاص قدم المدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسله إلى عمان واليا عليها فجاءه يوما يهودي من يهود عمان فقال له : أنشدك بالله ، من أرسلك إلينا ، فقال له : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال اليهودي : والله إنك لتعلم أنه رسول الله ، قال : عمرو اللهم نعم ، فقال اليهودي : لئن كان حقا ما تقول لقد مات اليوم فلما سمع عمرو ذلك جمع أصحابه وكتب ذلك اليوم الذي قال له : اليهودي أن النبي صلى الله عليه وسلم مات فيه . ثم خرج فأخبر بموت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الطريق ووجده قد مات في ذلك اليوم صلى الله عليه وسلم وبارك وشرف وكرم ومن ذلك أن وفد غسان قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيهم ابو بكر الصديق فقال لهم : من أنتم ؟ قالوا : رهط من غسان قدمنا على محمد لنسمع كلامه ، فقال لهم : انزلوا حيث تنزل الوفود ، ثم ائتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلموه ، فقالوا : وهل نقدر على كلامه كما أردنا فتبسم أبو بكر ، وقال : إنه ليطوف بالأسواق ويمشي وحده ولا شرطة معه ويرغب من يراه منه فقالوا لأبي بكر : من أنت أيها الرجل ، فقال أنا أبو بكر بن أبي قحافة ، فقالوا أنت تقوم بهذا الأمر بعده فقال أبو بكر : الأمر إلى الله ، فقال لهم : كيف تخدعون عن الإسلام وقد أخبركم أهل الكتاب بصفته ، وأنه آخر الأنبياء ثم لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا { يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر } يحتمل أن يكون هذا من وصف النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة ، فتكون الجملة في موضع الحال من ضمير المفعول في { يجدونه } أو تفسير لما كتب من ذكره أو يكون استئناف وصف من الله تعالى غير مذكور في التوراة والإنجيل . { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث } مذهب مالك أن الطيبات هي الحلال ، وأن الخبائث هي الحرام ، ومذهب الشافعي أن الطيبات هي المستلذات إلا ما حرمه الشرع منها كالخمر والخنزير ، وأن الخبائث هي المستقذرات : كالخنافس والعقارب وغيرها .

{ ويضع عنهم إصرهم } وهو مثل لما كلفوا في شرعهم من المشقات كقتل الأنفس في التوبة ؛ وقطع موضع النجاسة من الثوب ، وكذلك الأغلال عبارة عما منعت منه شريعتهم كتحريم الشحوم وتحريم العمل يوم السبت وشبه ذلك .

{ وعزروه } أي : منعوه بالنصر حتى لا يقوى عليه عدو .

{ واتبعوا النور الذي أنزل معه } هو القرآن أو الشرع كله ، ومعنى معه : مع بعثه ورسالته .