ثم تمضي الريشة المبدعة في تخطيط وجه الأرض بخطوط جزئية أدق من الخطوط العريضة الأولى :
( وفي الأرض قطع متجاورات ، وجنات من أعناب ، وزرع ، ونخيل صنوان وغير صنوان ، يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل . إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) . .
وهذه المشاهد الأرضية ، فينا الكثيرون يمرون عليها فلا تثير فيهم حتى رغبة التطلع إليها ! إلا أن ترجع النفس إلى حيوية الفطرة والاتصال بالكون الذي هي قطعة منه ، انفصلت عنه لتتأمله ثم تندمج فيه . .
( وفي الأرض قطع متجاورات ) . .
متعددة الشيات ، وإلا ما تبين أنها( قطع )فلو كانت مثماثلة لكانت قطعة . . منها الطيب الخصب ، ومنها السبخ النكد . ومنها المقفر الجدب . ومنها الصخر الصلد . وكل واحد من هذه وتلك أنواع وألوان ودرجات . ومنها العامر والغامر . ومنها المزروع الحي والمهمل الميت . ومنها الريان والعطشان . ومنها ومنها ومنها . . وهي كلها في الأرض متجاورات .
هذه اللمسة العريضة الأولى في التخطيط التفصيلي . . ثم تتبعها تفصيلات : ( وجنات من أعناب ) . ( وزرع ) . ( ونخيل )تمثل ثلاثة أنواع من النبات ، الكرم المتسلق . والنخل السامق . والزرع من بقول وأزهار وما أشبه . مما يحقق تلوين المنظر ، وملء فراغ اللوحة الطبيعية ، والتمثيل لمختلف أشكال النبات .
ذلك النخيل . صنوان وغير صنوان . منه ما هو عود واحد . ومنه ما هو عودان أو أكثر في أصل واحد . . وكله ( يسقى بماء واحد )والتربة واحدة ، ولكن الثمار مختلفات الطعوم :
( ونفضل بعضها على بعض في الأكل ) .
فمن غير الخالق المدبر المريد يفعل هذا وذاك ? !
من منا لم يذق الطعوم مختلفات في نبت البقعة الواحدة . فكم منا التفت هذه اللفتة التي وجه القرآن إليها العقول والقلوب ? إنه بمثل هذا يبقى القرآن جديدا أبدا ، لأنه يجدد أحاسيس البشر بالمناظر والمشاهد في الكون والنفس ؛ وهي لا تنفد ولا يستقصيها إنسان في عمره المحدود ، ولا تستقصيها البشرية في أجلها الموعود .
( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) . .
ومرة ثالثة نقف أمام التقابلات الفنية في اللوحة بين القطع المتجاورات المختلفات . والنخل صنوان وغير صنوان والطعوم مختلفات . والزرع والنخيل والأعناب . . .
تلك الجولة الهائلة في آفاق الكون الفسيحة ، يعود منها السياق ليعجب من قوم ، هذه الآيات كلها في الآفاق لا توقظ قلوبهم ، ولا تنبه عقولهم ، ولا يلوح لهم من ورائها تدبير المدبر ، وقدرة الخالق ، كأن عقولهم مغلولة ، وكأن قلوبهم مقيدة ، فلا تنطلق للتأمل في تلك الآيات :
الأولى : قوله تعالى : " وفي الأرض قطع متجاورات " " وفي الأرض قطع متجاورات " في الكلام حذف ، المعنى : وفي الأرض قطع متجاورات وغير متجاورات ، كما قال : " سرابيل تقيكم الحر{[9330]} " والمعنى : وتقيكم البرد ، ثم حذف لعلم السامع . والمتجاورات المدن وما كان عامرا ، وغير متجاورات الصحارى وما كان غير عامر .
الثانية : " متجاورات " أي قرى متدانيات ، ترابها واحد ، وماؤها واحد ، وفيها زروع وجنات ، ثم تتفاوت في الثمار والتمر ، فيكون البعض حلوا ، والبعض حامضا ، والغصن الواحد من الشجرة قد يختلف الثمر فيه من الصغر والكبر واللون والمطعم ، وإن انبسط الشمس والقمر على الجميع على نسق واحد ، وفي هذا أدل دليل على وحدانيته وعظم صمديته ، والإرشاد لمن ضل عن معرفته ، فإنه نبه سبحانه بقوله : " تسقى بماء واحد " على أن ذلك كله ليس إلا بمشيئته وإرادته ، وأنه مقدور بقدرته ، وهذا أدل دليل على بطلان القول بالطبع ؛ إذ لو كان ذلك بالماء والتراب والفاعل له الطبيعة لما وقع الاختلاف . وقيل : وجه الاحتجاج أنه أثبت التفاوت بين البقاع ، فمن تربة عذبة ، ومن تربة سبخة مع تجاورهما ، وهذا أيضا من دلالات كمال قدرته ، جل وعز تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا .
الثالثة : ذهبت الكفرة - لعنهم الله - إلى أن كل حادث يحدث بنفسه لا من صانع ، وادعوا ذلك في الثمار الخارجة من الأشجار ، وقد أقروا بحدوثها ، وأنكروا محدثها ، وأنكروا الأعراض . وقالت فرقة : بحدوث الثمار لا من صانع ، وأثبتوا للأعراض فاعلا ، والدليل على أن الحادث لا بد له من محدث أنه يحدث في وقت ، ويحدث ما هو من جنسه في وقت آخر ، فلو كان حدوثه في وقته لاختصاصه به ، لوجب أن يحدث في وقته كل ما هو من جنسه ، وإذا بطل اختصاصه بوقته صح أن اختصاصه به لأجل مخصص خصصه به ، ولولا تخصيصه إياه به لم يكن حدوثه في وقته أولى من حدوثه قبل ذلك أو بعده ، واستيفاء هذا في علم الكلام .
الرابعة : قوله تعالى : " وجناتٌ من أعناب " قرأ الحسن " وجناتٍ " بكسر التاء ، على التقدير : وجعل فيها جنات ، فهو محمول على قوله : " وجعل فيها رواسي " . ويجوز أن تكون مجرورة على الحمل على " كل " التقدير : ومن كل الثمرات ، ومن جنات . الباقون " جنات " بالرفع على تقدير : وبينهما جنات . " وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان " بالرفع . ابن كثير وأبو عمرو وحفص عطفا على الجنات ، أي على تقدير : وفي الأرض زرع ونخيل . وخفضها الباقون نسقا على الأعناب ، فيكون الزرع والنخيل من الجنات ، ويجوز أن يكون معطوفا على " كل " حسب ما تقدم في " وجنات " . وقرأ مجاهد والسلمي وغيرهما " صنوان " بضم الصاد ، الباقون بالكسر ، وهما لغتان ، وهما جمع صنو ، وهي النخلات والنخلتان ، يجمعهن أصل واحد ، وتتشعب منه رؤوس فتصير نخيلا ؛ نظيرها قنوان ، واحدها قنو . وروى أبو إسحاق عن البراء قال : الصنوان المجتمع ، وغير الصنوان المتفرق ، النحاس : وكذلك هو في اللغة ، يقال للنخلة إذا كانت فيها نخلة أخرى أو أكثر صنوان . والصنو المثل ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( عم الرجل صنوُ أبيه ) . ولا فرق فيها بين التثنية والجمع ولا بالإعراب ، فتعرب نون الجمع ، وتكسر نون التثنية ، قال الشاعر :
العلمُ والحلمُ خُلَّتَا كَرَمٍ *** للمرءِ زينٌ هُمَا اجتمعَا
صنوانِ لا يَسْتَتِمُّ حسنُهُمَا *** إلا بجمع ذا وذاك مَعَا
الخامسة : قوله تعالى : " يسقى بماء واحد " كصالح بني آدم وخبيثهم ، أبوهم واحد ، قاله النحاس والبخاري . وقرأ عاصم وابن عامر : " يسقى " بالياء ، أي يسقى ذلك كله . وقرأ الباقون بالتاء ، لقوله : " جنات " واختاره أبو حاتم وأبو عبيدة ، قال أبو عمرو : والتأنيث أحسن ، " ونفضل بعضها على بعض في الأكل " ولم يقل بعضه . وقرأ حمزة والكسائي وغيرهما " ويُفَضِّل " بالياء ردا على قوله : " يدبر الأمر " [ الرعد : 2 ] و " يفصل " [ الرعد : 2 ] و " يغشي " [ الرعد :3 ] الباقون بالنون على معنى : ونحن نفضل . وروى جابر بن عبد الله قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعلي رضي الله عنه : ( الناس من شجر شتى وأنا وأنت من شجرة واحدة ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم " وفي الأرض قطع متجاورات " حتى بلغ قوله : " يسقى بماء واحد " ) و " الأكل " الثمر . قال ابن عباس : يعني الحلو والحامض والفارسي{[9331]} والدقل{[9332]} . وروي مرفوعا من حديث أبي هريرة ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله تعالى : " ونفضل بعضها على بعض في الأكل " قال : الفارسي والدقل والحلو والحامض ) ذكره الثعلبي . قال الحسن : المراد بهذه الآية المثل ، ضربه الله تعالى لبني آدم ، أصلهم واحد ، وهم مختلفون في الخير والشر . والإيمان والكفر ، كاختلاف الثمار التي تسقى بماء واحد ، ومنه قول الشاعر :
الناسُ كالنَّبْتِ والنبتُ ألوانُ *** منها شجرُ الصَّنْدَل والكافورِ والبَانِ
ومنها شجر ينضحُ طولَ الدهر قطرانُ
" إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون " أي لعلامات لمن كان له قلب يفهم عن الله تعالى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.