يتألف هذا الجزء من بقية سورة الأنفال - التي وردت أوائلها في الجزء التاسع - ومن قسم كبير من سورة التوبة . . وسنمضي أولاً مع بقية الأنفال ، أما سورة التوبة فسنعرّف بها في موضعها من هذا الجزء إن شاء الله .
لقد ألممنا بالخطوط الرئيسية للسورة في مطلعها عند نهاية الجزء التاسع . وهذه البقية منها تمضي على هذه الخطوط الرئيسية فيها . . إلا أن الظاهرة التي تلمح بوضوح في سياق السورة ، هي أن هذا الشطر الأخير منها ، يكاد يكون مماثلا في سياقه وترتيب موضوعاته للشطر الأول منها ، ومع انتفاء التكرار بسبب تجدد الموضوعات ، إلا أن ترتيب هذه الموضوعات في السياق يكاد يجعل هذا الشطر دورة ، والشطر الأول دورة ، بينهما هذا التناسق العجيب !
لقد بدأ الشطر الأول بالحديث عن الأنفال وتنازعهم عليها ؛ فردها إلى اللّه والرسول . . ثم دعاهم إلى التقوى ، وبين لهم حقيقة الإيمان ليرتفعوا إليها . . ثم كشف لهم عن تدبير الله وتقديره في الموقعة التي يتنازعون أنفالها ، مستحضراً جانباً من مواقف المعركة مشاهدها ، فإذا التدبير كله للّه والمدد كله من الله ، والمعركة كلها مسوقة لتحقيق إرادة الله وإن هم فيها إلا ستار وأداة . . ثم أهاب بهم من وراء هذا الذي كشفه لهم من حقيقة المعركة إلى الثبات عند الزحف ؛ وطمأنهم إلى نصرة اللّه ومعيته ، وإلى تخذيل اللّه لأعدائهم وأخذهم بذنوبهم . . ثم حذرهم خيانة اللّه وخيانة الرسول وفتنة الأموال والأولاد ؛ وأمر الرسول - [ ص ] - أن يحذر الذين كفروا عاقبة ما هم فيه ؛ وأن يقبل منهم الاستجابة - لو استجابوا - ويكل خبيئهم إلى اللّه ؛ وأمر المسلمين أن يقاتلوهم إن تولوا حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله للّه . .
وكذلك يسير هذا الشطر الثاني . . يبدأ ببيان حكم اللّه في الغنائم - بعد أن ردها إلى اللّه ورسوله - ثم يدعوهم إلى الإيمان باللّه وما أنزله على عبده يوم الفرقان يوم التقى الجمعان . . ثم يكشف لهم عن تدبير اللّه وتقديره في الموقعة التي جاءت بهذه الغنائم ؛ ويستحضر جانبا آخر من مواقف المعركة ومشاهدها ، يتجلى فيه هذا التقدير وذلك التدبير ، كما يتجلى فيه أنهم لم يكونوا سوى أداة لقدر اللّه وستار . . ثم يهيب بهم من وراء هذا الذي كشفه لهم من حقيقة المعركة إلى الثبات عند اللقاء ، وإلى ذكر اللّه ، وطاعته وطاعة رسوله ؛ ويحذرهم التنازع مخافة الفشل والانكسار ؛ ويدعوهم إلى الصبر ؛ وتجنب البطر والرياء في الجهاد ؛ ويحذرهم عاقبة الكفار الذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله ، منخدعين بمكر الشيطان ؛ ويدعوهم إلى التوكل على الله وحده ، القوي القادر على النصر الحكيم في تقديره وتدبيره . . ثم يريهم سنة اللهفي أخذ الكافرين المكذبين بذنوبهم . . وكما ذكر الملائكة في الشطر الأول وهم يثبتون المؤمنين ويضربون أعناق الكفار وأيديهم ، فكذلك يذكر في هذا الشطر الثاني أن الملائكة يتوفون الذين كفروا يضربون وجوههم وأدبارهم . . وكما قال في الشطر الأول عن الذين كفروا : إنهم شر الدواب ، فكذلك يكرر هنا هذا الوصف بمناسبة الحديث عن نقضهم لعهدهم كلما عاهدوا ، وتمهيدا لما يأمر به الله رسوله [ ص ] من أحكام التعامل معهم في الحرب والسلم ؛ وهي أحكام مفصلة للعلاقات بين المعسكر الإسلامي والمعسكرات المعادية والمسالمة ، بعضها أحكام نهائية ، وبعضها أحكام استكملت فيما بعد في سورة التوبة .
وإلى هنا تكاد تكون هذه الدورة الثانية في السورة مطابقة - من حيث طبيعة الموضوعات ومن حيث ترتيبها في السياق - لما جاء في الدورة الأولى ، مع شيء من التفصيل في أحكام المعاملات بين المعسكر الإسلامي وسائر المعسكرات .
ثم تزيد في ختام السورة موضوعات وأحكام أخرى متصلة بها ، ومكملة لها :
يذكر الله - سبحانه - رسوله [ ص ] والذين آمنوا معه ، بمنته عليهم في تأليف قلوبهم ، وقد كانت مستعصية على التأليف لولا إرادة الله ورحمته ومنته .
ويطمئنهم الله كذلك إلى كفايته لهم وحمايته . . ومن ثم يأمر رسوله بتحريضهم على القتال ؛ ويريهم أنهم بإيمانهم - إذا صبروا - أكفاء لعشرة أضعافهم من الذين كفروا الذين لا يفقهون ، لأنهم لا يؤمنون ! وأنهم في أضعف حالاتهم أكفاء لضعفهم من الذين كفروا - متى صبروا . والله مع الصابرين .
ثم يعاتبهم الله سبحانه على قبولهم الفدية في الأسرى ؛ وهم لم يثخنوا في الأرض بعد ، ولم يخضدوا شوكة عدوهم ؛ ولم يستقر سلطانهم وتثبت دولتهم . فيقرر بهذا منهج الحركة الإسلامية في المراحل المختلفة والأحوال المتعددة ، ويدل على مرونة هذا المنهج وواقعيته في مواجهة الواقع في المراحل المختلفة . . وكذلك يبين الله لهم كيف يعاملون من في أيديهم من الأسرى ، وكيف يحببونهم في الإيمان ، ويزينونه في قلوبهم ؛ ثم يخذل الله هؤلاء الأسرى عن محاولة الخيانة مرة أخرى وييئسهم من جدواها ؛ فالله الذي أمكن منهم أول مرة حين خانوه بالكفر ، سيمكن منهم مرة أخرى لو خانوا رسوله [ ص ] .
وأخيراً تجيء الأحكام المنظمة لعلاقات الجماعة المسلمة فيما بينها ، وعلاقاتها بالمجموعات التي تدخل في الإسلام ، ولكنها لا تلحق بدار الإسلام ، ثم علاقاتها بالذين كفروا في حالات معينة ، ومن حيث المبدأ العام أيضاً . حيث تتجلى في هذه الأحكام طبيعة التجمع الإسلامي ؛ وطبيعة المنهج الإسلامي كله ؛ وحيث يبدو بوضوح كامل أن " التجمع الحركي " هو قاعدة الوجود الإسلامي ، الذي تنبثق منه أحكامه في المعاملات الداخلية والخارجية ؛ وأنه لا يمكن فصل العقيدة والشريعة في هذا الدين عن الحركة والوجود الفعلي للمجتمع المسلم .
وهذا حسبنا في هذا التمهيد القصير ، لنواجه بعده النصوص القرآنية بالتفصيل :
( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ، وللرسول ، ولذي القربى ، واليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل . . إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان . . والله على كل شيء قدير ) . .
وبين الروايات المأثورة والآراء الفقهية خلاف طويل . . أولاً : حول مدلول " الغنائم " ومدلول " الأنفال " هل هما شيء واحد ، أم هما شيئان مختلفان ? وثانياً : حول هذا الخمس - الذي يتبقى بعد الأخماس الأربعة التي منحها الله للمقاتلين - كيف يقسم ? وثالثاً : حول خمس الخمس الذي لله . أهو الخمس الذي لرسول الله ، أم هو خمس مستقل ? : ورابعا : حول خمس الخمس الذي لرسول الله [ ص ] أهو خاص به أم ينتقل لكل إمام بعده ? وخامساً : حول خمس الخمس الذي لأولي القربى ، أهو باق في قرابة رسول الله [ ص ] من بني هاشم وبني عبد المطلب ، كما كان على عهد رسول الله [ ص ] ، أم يرجع إلى الإمام يتصرف فيه ? وسادساً : أهي أخماس محددة يقسم إليها الخمس ، أم يترك التصرف فيه كله لرسول الله [ ص ] ولخلفائه من بعده ? . . . وخلافات أخرى فرعية .
ونحن - على طريقتنا في هذه الظلال - لا ندخل في هذه التفريعات الفقهية التي يحسن أن تطلب في مباحثها الخاصة . . هذا بصفة عامة . . وبصفة خاصة فإن موضوع الغنائم بجملته ليس واقعا إسلاميا يواجهنا اليوم أصلا . فنحن اليوم لسنا أمام قضية واقعة ، لسنا أمام دولة مسلمة وإمامة مسلمة وأمة مسلمة تجاهد في سبيل الله ، ثم تقع لها غنائم تحتاج إلى التصرف فيها ! لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية أول مرة ؛ ورجع الناس إلى الجاهلية التي كانوا عليها ، فأشركوا مع الله أرباباً أخرى تصرف حياتهم بشرائعها البشرية ! ولقد عاد هذا الدين أدراجه ليدعو الناس من جديد إلى الدخول فيه . . إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . . إلى إفراد الله سبحانه بالألوهية والحاكمية والسلطان . والتلقي في هذا الشأن عن رسول الله وحده ! وإلى التجمع تحت قيادة مسلمة تعمل لإعادة إنشاء هذا الدين في حياة البشر ، والتوجه بالولاء كله لهذا التجمع ولقيادته المسلمة ؛ ونزع هذا الولاء من المجتمعات الجاهلية وقياداتها جميعاً .
هذه هي القضية الحية الواقعية التي تواجه اليوم هذا الدين ؛ وليس هناك - في البدء - قضية أخرى سواها . . ليس هناك قضية غنائم ، لأنه ليس هناك قضية جهاد ! بل ليس هناك قضية تنظيمية واحدة ، لا في العلاقات الداخلية ولا في العلاقات الخارجية ، وذلك لسبب بسيط : هو أنه ليس هناك مجتمع إسلامي ذو كيان قائم مستقل ، يحتاج إلى الأحكام التي تضبط العلاقات فيه والعلاقات بينه وبين غيره من المجتمعات الأخرى ! ! !
والمنهج الإسلامي منهج واقعي ، لا يشتغل بقضايا ليست قائمة بالفعل ؛ ومن ثم لا يشتغل أصلاً بأحكام تتعلق بهذه القضايا التي لا وجود لها من ناحية الواقع ! . . إنه منهج أكثر جدية وواقعية من أن يشتغل بالأحكام ! هذا ليس منهج هذا الدين . هذا منهج الفارغين الذين ينفقون أوقات الفراغ في البحوث النظرية وفي الأحكام الفقهية ، حيث لا مقابل لها من الواقع أصلا ! بدلا من أن ينفقوا هذه الجهود في إعادة إنشاء المجتمع المسلم وفق المنهج الحركي الواقعي لهذا الدين نفسه : دعوة إلى لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ؛ ينشأ عنها دخول فئة في هذا الدين من جديد - كما دخل فيه الناس أول مرة - كما ينشأ عن هذا الدخول في الدين تجمع حركي ذو قيادة مسلمة وذو ولاء خاص به وذو كينونة مستقلة عن المجتمعات الجاهلية . . ثم يفتح الله بينه وبين قومه بالحق . . ثم يحتاج حينئذ - وحينئذ فقط - إلى الأحكام التي تنظم علاقاته فيما بينه ؛ كما يحتاج إلى الأحكام التي تنظم علاقاته مع غيره . . وحينئذ - وحينئذ فقط - يجتهد المجتهدون فيه لاستنباط الأحكام التي تواجه قضاياه الواقعية - في الداخل وفي الخارج - وحينئذ - وحينئذ فقط - تكون لهذا الاجتهاد قيمته ، لأنه تكون لهذا الاجتهاد جديته وواقعيته !
من أجل هذا الإدراك لجدية المنهج الحي الواقعي الحركي لهذا الدين ، لا ندخل هنا في تلك التفصيلات الفقهية الخاصة بالأنفال والغنائم ؛ حتى يحين وقتها عندما يشاء الله ؛ وينشأ المجتمع الإسلامي ، ويواجه حالة جهاد فعلي ، تنشأ عنه غنائم تحتاج إلى أحكام ! وحسبنا - في هذه الظلال - أن نتتبع الأصل الإيماني في السياق التاريخي الحركي ، والمنهج القرآني التربوي . فهذا هو العنصر الثابت ، الذي لا يتأثر بالزمن في هذا الكتاب الكريم . . وكل ما عداه تبع له وقائم عليه :
إن الحكم العام الذي تضمنه النص القرآني :
( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ، وللرسول ، ولذي القربى ، واليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل ) .
يتلخص في رد أربعة أخماس كل شيء من الغنيمة إلى المقاتلين ، واستبقاء الخمس يتصرف فيه رسول الله [ ص ] والأئمة المسلمون القائمون على شريعة الله المجاهدون في سبيل الله ، من بعده في هذه المصارف : لله وللرسول ، ولذي القربى ، واليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل . . بما يواجه الحاجة الواقعة عند وجود ذلك المغنم . . . وفي هذا كفاية . .
أما التوجيه الدائم بعد ذلك فهو ما تضمنه شطر الآية الأخير :
( إن كنتم آمنتم بالله ، وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ، والله على كل شيء قدير ) . .
إن للإيمان إمارات تدل عليه ؛ والله - سبحانه - يعلق الاعتراف لأهل بدر - وهم أهل بدر - بأنهم آمنوا بالله ، وبما أنزله على عبده يوم الفرقان يوم التقى الجمعان . . يعلق الاعتراف لأهل بدر هؤلاء بالإيمان ، على قبولهم لما شرع الله لهم في أمر الغنائم في صدر الآية ؛ فيجعل هذا شرطاً لاعتبارهم عنده قد آمنوا بالله وبما أنزله على عبده من القرآن ؛ كما يجعله مقتضى لإعلانهم الإيمان لا بد أن يتحقق ليتحقق مدلول هذا الإعلان .
وهكذا نجد مدلول الإيمان - في القرآن - واضحاً جازماً لا تميع فيه ، ولا تفصيص ولا تأويل مما استحدثته التطويلات الفقهية فيما بعد ، عندما وجدت الفرق والمذاهب والتأويلات ، ودخل الناس في الجدل والفروض المنطقية الذهنية ، كما دخل الناس - بسبب الفرق المذهبية والسياسية - في الاتهامات ودفع الاتهامات ؛ وصار النبز بالكفر ، ودفع هذا النبز ، لا يقومان على الأصول الواضحة البسيطة لهذا الدين ؛ إنما يقومان على الغرض والهوى ومكايدة المنافسين والمخالفين ! عندئذ وجد من ينبز مخالفيه بالكفر لأمور فرعية ؛ ووجد من يدفع هذا الاتهام بالتشدد في التحرج والتغليظ على من ينبز غيره بهذه التهمة . . وهذا وذلك غلو سببه تلك الملابسات التاريخية . . أما دين الله فواضح جازم لا تميع فيه ولا تفصيص ولا غلو . . " ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل " . . ولا بد لقيامه من قبول ما شرع الله وتحقيقه في واقع الحياة . . والكفر : رفض ما شرع الله ، والحكم بغير ما أنزل الله ، والتحاكم إلى غير شرع الله . . في الصغير وفي الكبير سواء . . أحكام صريحة جازمة بسيطة واضحة . . وكل ما وراءها فهو من صنع تلك الخلافات والتأويلات . .
وهذا نموذج من التقريرات الصريحة الواضحة الجازمة من قول الله سبحانه :
( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل . . إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ) . .
ومثله سائر التقريرات الواضحة الجازمة الصريحة التي ترسم حقيقة الإيمان وحدوده في كتاب الله .
لقد نزع الله ملكية الغنيمة ممن يجمعونها في المعركة ؛ وردها الى الله والرسول - في أول السورة - ليخلص الأمر كله لله والرسول ؛ وليتجرد المجاهدون من كل ملابسة من ملابسات الأرض ؛ وليسلموا أمرهم كله - أوله وآخره - لله ربهم وللرسول قائدهم ؛ وليخوضوا المعركة لله وفي سبيل الله ، وتحت راية الله ، طاعة لله ؛ يحكمونه في أرواحهم ، ويحكمونه في أموالهم ويحكمونه في أمرهم كله بلا تعقيب ولا اعتراض . . فهذا هو الايمان . . كما قال لهم في مطلع السورة وهو ينتزع منهم ملكية الغنيمة ويردها إلى الله ورسوله : ( يسألونك عن الأنفال . قل الأنفال لله والرسول ، فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ، وأطيعوا الله ورسوله . . إن كنتم مؤمنين )
حتى إذا استسلموا لأمر الله ، وارتضوا حكمه ذاك ، فاستقر فيهم مدلول الإيمان . . عاد ليرد عليهم أربعة أخماس الغنيمة ، ويستبقي الخمس على الأصل - لله والرسول - يتصرف فيه رسول الله [ ص ] ، وينفق منه على من يعولهم في الجماعة المسلمة من ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل . . عاد ليرد عليهم الأخماس الأربعة ، وقد استقر في نفوسهم أنهم لا يملكونها ابتداء بحق الغزو والفتح ، فهم إنما يغزون لله ويفتحون لدين الله ؛ إنما هم يستحقونها بمنح الله لهم إياها ؛ كما أنه هو الذي يمنحهم النصر من عنده ؛ ويدبر أمر المعركة وأمرهم كله . . وعاد كذلك ليذكرهم بأن الاستسلام لهذا الأمر الجديد هو الإيمان . . هو شرط الإيمان ، وهو مقتضى الإيمان . .
واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسة وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل . . إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان . .
وهكذا تتواتر النصوص ، لتقرر أصلا واضحاً جازماً من أصول هذا الدين في اعتبار مدلول الإيمان وحقيقته وشرطه ومقتضاه .
ثم نقف أمام وصف الله - سبحانه - لرسوله [ ص ] بقوله : ( عبدنا )في هذا الموضع الذي يرد إليه فيه أمر الغنائم كلها ابتداء ، وأمر الخمس المتبقي أخيراً :
( إن كنتم آمنتم بالله ، وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ) . .
إنه وصف موحٍ . . إن العبودية لله هي حقيقة الإيمان ؛ وهي في الوقت ذاته أعلى مقام للإنسان يبلغ إليه بتكريم الله له ؛ فهي تجلى وتذكر في المقام الذي يوكل فيه إلى رسول الله [ ص ] التبليغ عن الله ، كما يوكل إليه فيه التصرف فيما خوله الله .
وإنه لكذلك في واقع الحياة ! إنه لكذلك مقام كريم . . أكرم مقام يرتفع إليه الإنسان . .
إن العبودية لله وحده هي العاصم من العبودية للهوى ، والعاصم من العبودية للعباد . . وما يرتفع الإنسان إلى أعلى مقام مقدر له ، إلا حين يعتصم من العبودية لهواه كما يعتصم من العبودية لسواه .
إن الذين يستنكفون أن يكونوا عبيداً لله وحده ، يقعون من فورهم ضحايا لأحط العبوديات الأخرى . يقعون من فورهم عبيداً لهواهم وشهواتهم ونزواتهم ودفعاتهم ؛ فيفقدون من فورهم إرادتهم الضابطة التي خص الله بها نوع " الإنسان " من بين سائر الأنواع ؛ وينحدرون في سلم الدواب فإذا هم شر الدواب ، وإذا هم كالأنعام بل هم أضل ، وإذا هم أسفل سافلين بعد أن كانوا - كما خلقهم الله - في أحسن تقويم .
كذلك يقع الذين يستنكفون أن يكونوا عبيداً لله في شر العبوديات الأخرى وأحطها . . يقعون في عبودية العبيد من أمثالهم ، يصرفون حياتهم وفق هواهم ، ووفق ما يبدو لهم من نظريات واتجاهات قصيرة النظر ، مشوبة بحب الاستعلاء ، كما هي مشوبة بالجهل والنقص والهوى !
ويقعون في عبودية " الحتميات " التي يقال لهم : إنه لا قبل لهم بها ، وإنه لا بد من أن يخضعوا لها ولا يناقشوها . . " حتمية التاريخ " . . و " حتمية الاقتصاد " . . و " حتمية التطور " وسائر الحتميات المادية التي تمرغ جبين " الإنسان " في الرغام وهو لا يملك أن يرفعه ، ولا أن يناقش - في عبوديته البائسة الذليلة - هذه الحتميات الجبارة المذلة المخيفة !
ثم نقف كذلك أمام وصف الله - سبحانه - ليوم بدر بأنه يوم الفرقان :
( إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ) . .
لقد كانت غزوة بدر - التي بدأت وانتهت بتدبير الله وتوجيهه وقيادته ومدده - فرقاناً . . فرقاناً بين الحق والباطل - كما يقول المفسرون إجمالاً - وفرقاناً بمعنى أشمل وأوسع وأدق وأعمق كثيراً . .
كانت فرقاناً بين الحق والباطل فعلاً . . ولكنه الحق الأصيل الذي قامت عليه السماوات والأرض ، وقامت عليه فطرة الأشياء والأحياء . . الحق الذي يتمثل في تفرد الله - سبحانه - بالألوهية والسلطان والتدبير والتقدير ، وفي عبودية الكون كله : سمائه وأرضه ، أشيائه وأحيائه ، لهذه الألوهية المتفردة ولهذا السلطان المتوحد ، ولهذا التدبير وهذا التقدير بلا معقب ولا شريك . . والباطل الزائف الطارئ الذي كان يعم وجه الأرض إذ ذاك ؛ ويغشي على ذلك الحق الأصيل ؛ ويقيم في الأرض طواغيت تتصرف في حياة عباد الله بما تشاء ، وأهواء تصرف أمر الحياة والأحياء ! . . فهذا هو الفرقان الكبير الذي تم يوم بدر ؛ حيث فرق بين ذلك الحق الكبير وهذا الباطل الطاغي ؛ وزيل بينهما فلم يعودا يلتبسان !
لقد كانت فرقاناً بين الحق والباطل بهذا المدلول الشامل الواسع الدقيق العميق ، على أبعاد وآماد : كانت فرقاناً بين هذا الحق وهذا الباطل في أعماق الضمير . . فرقاناً بين الوحدانية المجردة المطلقة بكل شعبها في الضمير والشعور ، وفي الخلق والسلوك ، وفي العبادة والعبودية ؛ وبين الشرك في كل صوره التي تشمل عبودية الضمير لغير الله من الأشخاص والأهواء والقيم والأوضاع والتقاليد والعادات . . .
وكانت فرقاناً بين هذا الحق وهذا الباطل في الواقع الظاهر كذلك . . فرقانا بين العبودية الواقعية للأشخاص والأهواء ، وللقيم والأوضاع ، وللشرائع والقوانين ، وللتقاليد والعادات . . . وبين الرجوع في هذا كله لله الواحد الذي لا إله غيره ولا متسلط سواه ولا حاكم من دونه ، ولا مشرع إلا إياه . . فارتفعت الهامات لا تنحني لغير الله ؛ وتساوت الرؤوس لا تخضع إلا لحاكميته وشرعه ؛ وتحررت القطعان البشرية التي كانت مستعبدة للطغاة . .
وكانت فرقانا بين عهدين في تاريخ الحركة الإسلامية : عهد الصبر والمصابرة والتجمع والانتظار . وعهد القوة والحركة والمبادأة والاندفاع . . والإسلام بوصفه تصورا جديدا للحياة ، ومنهجا جديدا للوجود الإنساني ، ونظاما جديداً للمجتمع ، وشكلاً جديداً للدولة . . بوصفه إعلاناً عاماً لتحرير " الإنسان " في " الأرض " بتقرير ألوهية الله وحده وحاكميته ، ومطاردة الطواغيت التي تغتصب ألوهيته وحاكميته . . الإسلام بوصفه هذا لم يكن له بد من القوة والحركة والمبادأة والاندفاع ، لأنه لم يكن يملك أن يقف كامناً منتظراً على طول الأمد . لم يكن يستطيع أن يظل عقيدة مجردة في نفوس أصحابه ، تتمثل في شعائر تعبدية لله ، وفي أخلاق سلوكية فيما بينهم . ولم يكن له بد أن يندفع إلى تحقيق التصور الجديد ، والمنهج الجديد ، والدولة الجديدة ، والمجتمع الجديد ، في واقع الحياة ؛ وأن يزيل من طريقها العوائق المادية التي تكبتها وتحول بينها وبين التطبيق الواقعي في حياة المسلمين أولاً ؛ ثم في حياة البشرية كلها أخيراً . . وهي لهذا التطبيق الواقعي جاءت من عند الله . .
وكانت فرقاناً بين عهدين في تاريخ البشرية . . فالبشرية بمجموعها قبل قيام النظام الإسلامي هي غير البشرية بمجموعها بعد قيام هذا النظام . . هذا التصور الجديد الذي انبثق منه هذا النظام . وهذا النظام الجديد الذي انبثق من هذا التصور . وهذا المجتمع الوليد الذي يمثل ميلاداً جديداً للإنسان . وهذه القيم التي تقوم عليها الحياة كلها ويقوم عليها النظام الاجتماعي والتشريع القانوني سواء . . هذا كله لم يعد ملكاً للمسلمين وحدهم منذ غزوة بدر وتوكيد وجود المجتمع الجديد . إنما صار - شيئا ًفشيئا - ملكاً للبشرية كلها ؛ تأثرت به سواءفي دار الإسلام أم في خارجها ، سواء بصداقة الإسلام أم بعداوته ! . . والصليبيون الذين زحفوا من الغرب ، ليحاربوا الإسلام ويقضوا عليه في ربوعه ، قد تأثروا بتقاليد هذا المجتمع الإسلامي الذي جاءوا ليحطموه ؛ وعادوا إلى بلادهم ليحطموا النظام الإقطاعي الذي كان سائدا عندهم ، بعد ما شاهدوا بقايا النظام الاجتماعي الإسلامي ! والتتار الذين زحفوا من الشرق ليحاربوا الإسلام ويقضوا عليه - بإيحاء من اليهود والصليبيين من أهل دار الإسلام ! - قد تأثروا بالعقيدة الإسلامية في النهاية ؛ وحملوها لينشروها في رقعة من الأرض جديدة ؛ وليقيموا عليها خلافة ظلت من القرن الخامس عشر إلى القرن العشرين في قلب أوربا ! . . وعلى أية حال فالتاريخ البشري كله - منذ وقعة بدر - متأثر بهذا الفرقان في أرض الإسلام ، أو في الأرض التي تناهض الإسلام على السواء .
وكانت فرقاناً بين تصورين لعوامل النصر وعوامل الهزيمة . فجرت وكل عوامل النصر الظاهرية في صف المشركين ؛ وكل عوامل الهزيمة الظاهرية في صف العصبة المؤمنة ، حتى لقال المنافقون والذين في قلوبهم مرض : ( غر هؤلاء دينهم ) . . وقد أراد الله أن تجري المعركة على هذا النحو - وهي المعركة الأولى بين الكثرة المشركة والقلة المؤمنة - لتكون فرقاناً بين تصورين وتقديرين لأسباب النصر وأسباب الهزيمة ؛ ولتنتصر العقيدة القوية على الكثرة العددية وعلى الزاد والعتاد ؛ فيتبين للناس أن النصر للعقيدة الصالحة القوية ، لا لمجرد السلاح والعتاد ؛ وأن أصحاب العقيدة الحقة عليهم أن يجاهدوا ويخوضوا غمار المعركة مع الباطل غير منتظرين حتى تتساوى القوى المادية الظاهرية ، لأنهم يملكون قوة أخرى ترجح الكفة ؛ وأن هذا ليس كلاماً يقال ، إنما هو واقع متحقق للعيان .
وأخيراً فلقد كانت بدر فرقاناً بين الحق والباطل بمدلول آخر . ذلك المدلول الذي يوحي به قول الله تعالى في أوائل هذه السورة :
( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ) .
لقد كان الذين خرجوا للمعركة من المسلمين ، إنما خرجوا يريدون عير أبي سفيان واغتنام القافلة . فأراد الله لهم غير ما أرادوا . أراد لهم أن تفلت منهم قافلة أبي سفيان [ غير ذات الشوكة ] وأن يلاقوا نفير أبي جهل [ ذات الشوكة ] وأن تكون معركة وقتال وقتل وأسر ؛ ولا تكون قافلة وغنيمة ورحلة مريحة ! وقال لهم الله - سبحانه - إنه صنع هذا :
( ليحق الحق ويبطل الباطل ) . .
وكانت هذه إشارة لتقرير حقيقة كبيرة . . إن الحق لا يحق ، وإن الباطل لا يبطل - في المجتمع الإنساني - بمجرد البيان " النظري " للحق والباطل . ولا بمجرد الاعتقاد " النظري " بأن هذا حق وهذا باطل . . إن الحق لا يحق ولا يوجد في واقع الناس ؛ وإن الباطل لا يبطل ولا يذهب من دنيا الناس . إلا بأن يتحطم سلطان الباطل ويعلو سلطان الحق ، وذلك لا يتم إلا بأن يغلب جند الحق ويظهروا ، ويهزم جند الباطل ويندحروا . . فهذا الدين منهج حركي واقعي ، لا مجرد " نظرية " للمعرفة والجدل ! أو لمجرد الاعتقاد السلبي !
ولقد حق الحق وبطل الباطل بالموقعة ؛ وكان هذا النصر العملي فرقاناً واقعياً بين الحق والباطل بهذا الاعتبارالذي أشار إليه قول الله تعالى في معرض بيان إرادته - سبحانه -من وراء المعركة ، ومن وراء إخراج الرسول [ ص ] من بيته بالحق ؛ ومن وراء إفلات القافلة [ غير ذات الشوكة ] ولقاء الفئة ذات الشوكة . .
ولقد كان هذا كله فرقاناً في منهج هذا الدين ذاته ، تتضح به طبيعة هذا المنهج وحقيقته في حس المسلمين أنفسهم . . وإنه لفرقان ندرك اليوم ضرورته ؛ حينما ننظر إلى ما أصاب مفهومات هذا الدين من تميع في نفوس من يسمون أنفسهم مسلمين ! حتى ليصل هذا التميع إلى مفهومات بعض من يقومون بدعوة الناس إلى هذا الدين !
وهكذا كان يوم بدر ( يوم الفرقان يوم التقى الجمعان )بهذه المدلولات المنوعة الشاملة العميقة . .
وفي هذا اليوم مثل من قدرته على كل شيء . . مثل لا يجادل فيه مجادل ، ولا يماري فيه ممار . . مثل من الواقع المشهود ، الذي لا سبيل إلى تفسيره إلا بقدرة الله . وأن الله على كل شيء قدير .
الأولى - قوله تعالى " واعلموا أنما غنمتم من شيء " الغنيمة في اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة بسعي ، ومن ذلك قول الشاعر :
وقد طوفت في الآفاق حتى *** رضيتُ من الغنيمة بالإياب
ومطعم الغُنْمِ يوم الغنم مُطْعَمُه *** أنَّى توجَّه والمحروم محروم
والمغنم والغنيمة بمعنى ، يقال : غنم القوم غنما . واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله تعالى : " غنمتم من شيء " مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر . ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص على ما بيناه{[7680]} ، ولكن عرف الشرع قيد اللفظ بهذا النوع . وسمى الشرع الواصل من الكفار إلينا من الأموال باسمين : غنيمة وفيئا . فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف{[7681]} الخيل والركاب يسمى غنيمة . ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفا . والفيء مأخوذ من فاء يفيء إذا رجع ، وهو كل مال دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف . كخراج الأرضين وجزية الجماجم وخمس الغنائم . ونحو هذا قال سفيان الثوري وعطاء بن السائب . وقيل : إنهما واحد ، وفيهما الخمس ؛ قاله قتادة . وقيل : الفيء عبارة عن كل ما صار للمسلمين من الأموال بغير قهر . والمعنى متقارب .
الثانية - هذه الآية ناسخة لأول السورة ، عند الجمهور . وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله : " يسألونك عن الأنفال " [ الأنفال : 1 ] وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين ، على ما يأتي بيانه . وأن قوله : " يسألونك عن الأنفال " نزلت في حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر ، على ما تقدم أول السورة .
قلت : ومما يدل على صحة هذا ما ذكره إسماعيل بن إسحاق قال : حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان قال حدثني محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس قال : ( لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا ) وكانوا قتلوا سبعين ، وأسروا سبعين ، فجاء أبو اليسر بن عمرو بأسيرين ، فقال : يا رسول الله إنك وعدتنا من قتل قتيلا فله كذا ، وقد جئت بأسيرين . فقام سعد فقال : يا رسول الله ، إنا يمنعنا زيادة في الأجر ولا جبن عن العدو ولكنا قمنا هذا المقام خشية أن يعطف المشركون ، فإنك إن تعطي هؤلاء لا يبقى لأصحابك شيء . قال : وجعل هؤلاء يقولون وهؤلاء يقولون فنزلت " يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم " [ الأنفال : 1 ] فسلموا الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ) ثم نزلت " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه " الآية . وقد قيل : إنها محكمة غير منسوخة ، وأن الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليست مقسومة بين الغانمين ، وكذلك لمن بعده من الأئمة . كذا حكاه المازري عن كثير من أصحابنا ، رضي الله عنهم ، وأن للإمام أن يخرجها عنهم . واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين . وكان أبو عبيد يقول : افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة ومن على أهلها فردها عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها عليهم فيئا . ورأى بعض الناس أن هذا جائز للأئمة بعده .
قلت : وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى : " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه " والأربعة الأخماس للإمام ، إن شاء حبسها وإن شاء قسمها بين الغانمين . وهذا ليس بشيء ، لما ذكرناه ، ولأن الله سبحانه أضاف الغنيمة للغانمين فقال : " واعلموا أنما غنمتم من شيء " ثم عين الخمس لمن سمى في كتابه ، وسكت عن الأربعة الأخماس ، كما سكت عن الثلثين في قوله : " وورثه أبواه فلأمه الثلث{[7682]} " [ النساء : 11 ] فكان للأب الثلثان اتفاقا . وكذا الأربعة الأخماس للغانمين إجماعا ، على ما ذكره ابن المنذر وابن عبدالبر والداودي والمازري أيضا والقاضي عياض وابن العربي . والأخبار بهذا المعنى متظاهرة ، وسيأتي بعضها . ويكون معنى قوله : " يسألونك عن الأنفال " الآية ، ما ينفله الإمام لمن شاء لما يراه من المصلحة قبل القسمة . وقال عطاء والحسن : هي مخصوصة بما شذ من المشركين إلى المسلمين ، من عبد أو أمة أو دابة ، يقضي فيها الإمام بما أحب . وقيل : المراد بها أنفال السرايا أي غنائما ، إن شاء خمسها الإمام ، وإن شاء نفلها كلها . وقال إبراهيم النخعي في الإمام يبعث السرية فيصيبون المغنم : إن شاء الإمام نفله كله ، وإن شاء خمسه . وحكاه أبو عمر عن مكحول وعطاء . قال علي بن ثابت : سألت مكحول وعطاء عن الإمام ينفل القوم ما أصابوا ، قال : ذلك لهم . قال أبو عمر : من ذهب إلى هذا تأول قول الله عز وجل : " يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول " [ الأنفال : 1 ] أن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم يضعها حيث شاء . ولم ير أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه " . وقيل : غير هذا مما قد أتينا عليه في كتاب ( القبس في شرح موطأ مالك بن أنس ) . ولم يقل أحد من العلماء فيما أعلم أن قوله تعالى " يسألونك عن الأنفال " الآية ، ناسخ لقول : " وأعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه " بل قال الجمهور على ما ذكرنا : إن قوله : " ما غنمتم " ناسخ ، وهم الذين لا يجوز عليهم التحريف ولا التبديل لكتاب الله تعالى . وأما قصة فتح مكة فلا حجة فيها لاختلاف العلماء في فتحها . وقد قال أبو عبيد : ولا نعلم مكة يشبهها شيء من البلدان من جهتين : إحداهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الله قد خصه من الأنفال والغنائم ما لم يجعله لغيره ، وذلك لقوله : " يسألونك عن الأنفال " [ الأنفال : 1 ] الآية ، فنرى أن هذا كان خاصا له والجهة الأخرى أنه سن لمكة سننا ليست لشيء من البلاد . وأما قصة حنين فقد عوض الأنصار لما قالوا : يعطي الغنائم قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم ! فقال لهم : ( أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيوتكم ) . خرجه مسلم وغيره . وليس لغيره أن يقول هذا القول ، مع أن ذلك خاص به على ما قاله بعض علمائنا . والله أعلم .
الثالثة - لم يختلف العلماء أن قوله : " واعلموا أنما غنمتم من شيء " ليس على عمومه ، وأنه يدخله الخصوص ، فمما خصصوه بإجماع أن قالوا : سلب المقتول لقاتله إذا نادى به الإمام . وكذلك الرقاب ، أعني الأسارى ، الخيرة فيها إلى الإمام بلا خلاف ، على ما يأتي بيانه . ومما خص به أيضا الأرض . والمعنى : ما غنمتم من ذهب وفضة وسائر الأمتعة والسبي . وأما الأرض فغير داخلة في عموم هذه الآية ، لما روى أبو داود عن عمر بن الخطاب أنه قال : ( لولا آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ) . ومما يصحح هذا المذهب ما رواه الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( منعت العراق قفيزها ودرهمها ومنعت الشام مدها ودينارها ) الحديث . قال الطحاوي : " منعت " بمعنى ستمنع ، فدل ذلك على أنها لا تكون للغانمين ، لأن ما ملكه الغانمون لا يكون فيه قفيز ولا درهم ، ولو كانت الأرض تقسم ما بقي لمن جاء بعد الغانمين شيء . والله تعالى يقول : " والذين جاؤوا من بعدهم{[7683]} " [ الحشر : 10 ] بالعطف على قوله : " للفقراء المهاجرين " [ الحشر :8 ] . قال : وإنما يقسم ما ينقل من موضع إلى موضع . وقال الشافعي : كل ما حصل من الغنائم من أهل دار الحرب من شيء قل أو كثر من دار أو أرض أو متاع أو غير ذلك قسم ، إلا الرجال البالغين فإن الإمام فيهم مخير أن يمن أو يقتل أو يسبي . وسبيل ما أخذ منهم وسبي سبيل الغنيمة . واحتج بعموم الآية . قال : والأرض مغنومة لا محالة ، فوجب أن تقسم كسائر الغنائم . وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما افتتح عنوة من خيبر . قالوا : ولو جاز أن يدعى الخصوص في الأرض جاز أن يدعى في غير الأرض فيبطل حكم الآية . وأما آية " الحشر " فلا حجة فيها ؛ لأن ذلك إنما هو في الفيء لا في الغنيمة . وقول : " والذين جاؤوا من بعدهم " [ الحشر : 10 ] استئناف كلام بالدعاء لمن سبقهم بالإيمان لا لغير ذلك . قالوا : وليس يخلو فعل عمر في توقيفه الأرض من أحد وجهين : إما أن تكون غنيمة استطاب أنفس أهلها ، وطابت بذلك فوقفها . وكذلك روى جرير أن عمر استطاب أنفس أهلها . وكذلك صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبي هوازن ، لما أتوه استطاب أنفس أصحابه عما كان في أيديهم . وإما أن يكون ما وقفه عمر فيئا فلم يحتج إلى مراضاة أحد . وذهب الكوفيون إلى تخيير الإمام في ، قسمها أو إقرارها وتوظيف الخراج عليها ، وتصير ملكا لهم كأرض الصلح : قال شيخنا أبو العباس رضي الله عنه : وكأن هذا جمع بين الدليلين ووسط بين المذهبين ، وهو الذي فهمه عمر رضي الله عنه قطعا ، ولذلك قال : لولا آخر الناس ، فلم يخبر بنسخ فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا بتخصيصه بهم ، غير أن الكوفيين زادوا على ما فعل عمر ، فإن عمر إنما وقفها على مصالح المسلمين ولم يملكها لأهل الصلح ، وهم الذين قالوا للإمام أن يملكها لأهل الصلح .
الرابعة - ذهب مالك وأبو حنيفة والثوري إلى أن السلب ليس للقاتل ، وأن حكمه حكم الغنيمة ، إلا أن يقول الأمير : من قتل قتيلا فله سلبه ، فيكون حينئذ له . وقال الليث والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد والطبري وابن المنذر : السلب للقاتل على كل حال ، قاله الإمام أو لم يقله . إلا أن الشافعي رضي الله عنه قال : إنما يكون السلب للقاتل إذا قتل قتيلا مقبلا عليه : وأما إذا قتله مدبرا عنه فلا . قال أبو العباس بن سريج من أصحاب الشافعي : ليس الحديث ( من قتل قتيلا فله سلبه ) على عمومه ، لإجماع العلماء على أن من قتل أسيرا أو امرأة أو شيخا أنه ليس له سلب واحد منهم . وكذلك من ذفف{[7684]} على جريح ، ومن قتل من قطعت يداه ورجلاه . قال : وكذلك المنهزم لا يمتنع في انهزامه ، وهو كالمكتوف{[7685]} . قال : فعلم بذلك أن الحديث إنما جعل السلب لمن لقتله معنى زائد ، أو لمن في قتله فضيلة ، وهو القاتل في الإقبال ، لما في ذلك من المؤنة . وأما من أثخن فلا{[7686]} . وقال الطبري : السلب للقاتل ، مقبلا قتله أو مدبرا ، هاربا أو مبارزا إذا كان في المعركة . وهذا يرده ما ذكره عبد الرزاق ومحمد بن بكر عن ابن جريج قال سمعت نافعا مولى ابن عمر يقول : لم نزل نسمع إذا التقى المسلمون والكفار فقتل رجل من المسلمين رجلا من الكفار فإن سلبه له إلا أن يكون في معمعة القتال ؛ لأنه حينئذ لا يدري من قتل قتيلا . فظاهر هذا يرد قول الطبري لاشتراطه في السلب القتل في المعركة خاصة . وقال أبو ثور وابن المنذر : السلب للقاتل في معركة كان أو غير معركة ، في الإقبال والإدبار والهروب والانتهار ، على كل الوجوه ، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : ( من قتل قتيلا فله سلبه ) . قلت : روى مسلم عن سلمة بن الأكوع قال : ( غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن فبينا نحن نتضحى{[7687]} مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه ، ثم انتزع طلقا من حقبه{[7688]} فقيد به الجمل ، ثم تقدم يتغدى مع القوم ، وجعل ينظر ، وفينا ضعفة ورقة في الظهر{[7689]} ، وبعضنا مشاة ، إذ خرج يشتد{[7690]} ، فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل ، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء{[7691]} . قال سلمة : وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة ، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل ، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته ، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل فندر{[7692]} ، ثم جئت بالجمل أقوده ، عليه رحله وسلاحه ، فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه فقال : ( من قتل الرجل ) ؟ قالوا : ابن الأكوع . قال : ( له سلبه أجمع ) . فهذا سلمة قتله هاربا غير مقبل ، وأعطاه سلبه . وفيه حجة لمالك من أن السلب لا يستحقه القاتل إلا بإذن الإمام ، إذ لو كان واجبا له بنفس القتل لما احتاج إلى تكرير هذا القول . ومن حجته أيضا ما ذكره أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا أبو الأحوص عن الأسود بن قيس عن بشر بن علقمة قال : بارزت رجلا يوم القادسية فقتلته وأخذت سلبه ، فأتيت سعدا فخطب سعد أصحابه ثم قال : هذا سلب بشر بن علقمة ، فهو خير من اثني عشر ألف درهم ، وإنا قد نفلناه إياه . فلو كان السلب للقاتل قضاء من النبي صلى الله عليه وسلم ما احتاج الأمر أن يضيفوا ذلك إلى أنفسهم باجتهادهم ، ولأخذه القاتل دون أمرهم . والله أعلم . وفي الصحيح أن معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء ضربا أبا جهل بسيفيهما حتى قتلاه ، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أيكما قتله ) ؟ فقال كل واحد منهما : أنا قتلته . فنظر في السيفين فقال : ( كلاكما قتله ) وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح ، وهذا نص على أن السلب ليس للقاتل ، إذ لو كان له لقسمه النبي صلى الله عليه وسلم بينهما . وفي الصحيح أيضا عن عوف بن مالك قال : خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ، ورافقني مددي{[7693]} من اليمن . وساق الحديث ، وفيه : فقال عوف : يا خالد ، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ؟ قال : بلى ، ولكني استكثرته . وأخرجه أبو بكر البرقاني بإسناده الذي أخرجه به مسلم ، وزاد فيه بيانا أن عوف بن مالك قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يخمس السلب ، وإن مدديا كان رفيقا لهم في غزوة مؤتة في طرف من الشام ، قال : فجعل رومي منهم يشتد على المسلمين وهو على فرس أشقر وسرج مذهب ومنطقة ملطخة وسيف محلى بذهب . قال : فيغري بهم ، قال : فتلطف له المددي حتى مر به فضرب عرقوب فرسه فوقع ، وعلاه بالسيف فقتله وأخذ سلاحه . قال : فأعطاه خالد بن الوليد وحبس منه ، قال عوف : فقلت له أعطه كله ، أليس قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( السلب للقاتل ) ! قال : بلى ، ولكني استكثرته . قال عوف : وكان بيني وبينه كلام ، فقلت له : لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال عوف : فلما اجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عوف ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لخالد : ( لم لم تعطه ) ؟ قال فقال : استكثرته . قال : ( فادفعه إليه ) فقلت له : ألم أنجز لك ما وعدتك ؟ قال : فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( يا خالد لا تدفعه إليه هل أنتم تاركون لي أمرائي{[7694]} ) . فهذا يدل دلالة واضحة على أن السلب لا يستحقه القاتل بنفس القتل بل برأي الإمام ونظره . وقال أحمد بن حنبل : لا يكون السلب للقاتل إلا في المبارزة خاصة .
الخامسة - اختلف العلماء في تخميس السلب ، فقال الشافعي : لا يخمس . وقال إسحاق : إن كان السلب يسيرا فهو للقاتل ، وإن كان كثيرا خمس . وفعله عمر بن الخطاب مع البراء بن مالك حين بارز المرزبان فقتله ، فكانت قيمة منطقته وسواريه ثلاثين ألفا فخمس ذلك . أنس عن البراء بن مالك أنه قتل من المشركين مائة رجل إلا رجلا مبارزة ، وأنهم لما غزوا الزارة{[7695]} خرج دهقان الزارة فقال : رجل ورجل ، فبرز البراء فاختلفا بسيفيهما ثم اعتنقا فتوركه البراء فقعد على كبده ، ثم أخذ السيف فذبحه ، وأخذ سلاحه ومنطقته وأتى به عمر ، فنفله السلاح وقوم المنطقة بثلاثين ألفا فخمسها ، وقال : إنها مال . وقال الأوزاعي ومكحول : السلب مغنم وفيه الخمس . وروي نحوه عن عمر بن الخطاب . والحجة للشافعي ما رواه أبو داود عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في السلب للقاتل ولم يخمس السلب .
السادسة - ذهب جمهور العلماء إلى أن السلب لا يعطى للقاتل إلا أن يقيم البينة على قتله . قال أكثرهم : ويجزئ شاهد واحد ، على حديث أبي قتادة . وقيل : شاهدان أو شاهد ويمين . وقال الأوزاعي : يعطاه بمجرد دعواه ، وليست البينة : شرطا في الاستحقاق ، بل إن اتفق ذلك فهو الأولى دفعا للمنازعة . ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أبا قتادة صلب مقتول من غير شهادة ولا يمين . ولا تكفي شهادة واحد ، ولا يناط بها حكم بمجردها . وبه قال الليث بن سعد .
قلت : سمعت شيخنا الحافظ المنذري الشافعي أبا محمد عبدالعظيم يقول : إنما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم السلب بشهادة الأسود بن خزاعي وعبدالله بن أنيس . وعلى هذا يندفع النزاع ويزول الإشكال ، ويطرد الحكم . وأما المالكية فيخرج على قولهم أنه لا يحتاج الإمام فيه إلى بينة ، لأنه من الإمام ابتداء عطية ، فإن شرط الشهادة كان له ، وإن لم يشترط جاز أن يعطيه من غير شهادة .
السابعة - واختلفوا في السلب ما هو ؟ فأما السلاح وكل ما يحتاج للقتال فلا خلاف أنه من السلب ، وفرسه إن قاتل عليه وصرع عنه . وقال أحمد في الفرس : ليس من السلب . وكذلك إن كان في هميانه{[7696]} وفي منطقته دنانير أو جواهر أو نحو هذا ، فلا خلاف أنه ليس من السلب . واختلفوا فيما يتزين به للحرب ، فقال الأوزاعي : ذلك كله من السلب . وقالت فرقة : ليس من السلب . وهذا مروي عن سحنون رحمه الله ، إلا المنطقة فإنها عنده من السلب . وقال ابن حبيب في الواضحة : والسواران من السلب .
الثامنة - قوله تعالى : " فأن لله خمسه " قال أبو عبيد : هذا ناسخ لقوله عز وجل في أول السورة " قل الأنفال لله والرسول " [ الأنفال :1 ] ولم يخمس رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم بدر ، فنسخ حكمه في ترك التخميس بهذا . إلا أنه يظهر من قول علي رضي الله عنه في صحيح مسلم " كان لي شارف{[7697]} من نصيبي من المغنم يوم بدر ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا من الخمس يومئذ " الحديث - أنه خمس ، فإنه كان هذا فقول أبي عبيد مردود . قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون الخمس الذي ذكر علي من إحدى الغزوات التي كانت بين بدر وأحد ، فقد كانت غزوة بني سليم{[7698]} وغزوة بني المصطلق وغزوة ذي أمر وغزوة بحران ، ولم يحفظ فيها قتال ، ولكن يمكن أن غنمت غنائم . والله أعلم .
قلت : وهذا التأويل يرده قول علي يومئذ ، وذلك إشارة إلى يوم قسم غنائم بدر ، إلا أنه يحتمل أن يكون من الخمس إن كان لم يقع في بدر تخميس ، من خمس سرية عبد الله بن جحش فإنها أول غنيمة غنمت في الإسلام ، وأول خمس كان في الإسلام ، ثم نزل القرآن " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه " . وهذا أولى من التأويل الأول . والله أعلم .
التاسعة - " ما " في قوله : " ما غنمتم " بمعنى الذي والهاء محذوفة ، أي الذي غنمتموه . ودخلت الفاء لأن في الكلام معنى المجازاة . و " أن " الثانية توكيد للأولى ، ويجوز كسرها ، وروي عن أبي عمرو . قال الحسن{[7699]} : هذا مفتاح{[7700]} كلام ، الدنيا والآخرة لله ، ذكره النسائي . واستفتح عز وجل الكلام في الفيء والخمس بذكر نفسه ، لأنهما أشرف الكسب ، ولم ينسب الصدقة إليه لأنها أوساخ الناس .
العاشرة - واختلف العلماء في كيفية قسم الخمس على أقوال ستة :
الأول : قالت طائفة : يقسم الخمس على ستة ، فيجعل السدس للكعبة ، وهو الذي لله . والثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم . والثالث لذوي القربى . والرابع لليتامى . والخامس للمساكين ، والسادس لابن السبيل . وقال بعض أصحاب هذا القول : يرد السهم الذي لله على ذوي الحاجة .
الثاني : قال أبو العالية والربيع : تقسم الغنيمة على خمسة ، فيعزل منها سهم واحد ، وتقسم الأربعة على الناس ، ثم يضرب بيده على السهم الذي عزله فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة ، ثم يقسم بقية السهم الذي عزله على خمسة ، سهم للنبي صلى الله عليه وسلم ، وسهم لذوي القربى ، وسهم لليتامى ، وسهم للمساكين ، وسهم لابن السبيل .
الثالث : قال المنهال بن عمرو : سألت عبد الله بن محمد بن علي وعلي بن الحسين عن الخمس فقال : هو لنا . قلت لعلي : إن الله تعالى يقول : " واليتامى والمساكين وابن السبيل " فقال : أيتامنا ومساكيننا .
الرابع : قال الشافعي : يقسم على خمسة . ورأى أن سهم الله ورسوله واحد ، وأنه يصرف في مصالح المؤمنين ، والأربعة الأخماس على الأربعة الأصناف المذكورين في الآية .
الخامس : قال أبو حنيفة : يقسم على ثلاثة : اليتامى والمساكين وابن السبيل . وارتفع عنده حكم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بموته ، كما ارتفع حكم سهمه . قالوا : ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر ، وبناء المساجد ، وأرزاق القضاة والجند ، وروي نحو هذا عن الشافعي أيضا .
السادس : قال مالك : هو موكول إلى نظر الإمام واجتهاده ، فيأخذ منه من غير تقدير ، ويعطي منه القرابة باجتهاد ، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين . وبه قال الخلفاء الأربعة ، وبه عملوا . وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم ) . فإنه لم يقسمه أخماسا ولا أثلاثا ، وإنما ذكر في الآية من ذكر على وجه التنبيه عليهم ، لأنهم من أهم من يدفع إليه . قال الزجاج محتجا لمالك : قال الله عز وجل : " يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل{[7701]} " [ البقرة : 215 ] وللرجل جائز بإجماع أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك . وذكر النسائي عن عطاء قال : خمس الله وخمس رسوله واحد ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل منه ويضعه حيث شاء ويصنع به ما شاء .
الحادية عشرة - قوله تعالى : " ولذي القربى " ليست اللام لبيان الاستحقاق والملك ، وإنما هي لبيان المصرف والمحل . والدليل عليه ما رواه مسلم أن الفضل بن عباس وربيعة بن عبد المطلب أتيا النبي صلى الله عليه وسلم ، فتكلم أحدهما فقال : يا رسول الله ، أنت أبر الناس ، وأوصل الناس ، وقد بلغنا النكاح فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات ، فنؤدي إليك كما يؤدي الناس ، ونصيب كما يصيبون . فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه ، قال : وجعلت زينب تلمع{[7702]} إلينا من وراء الحجاب ألا تكلماه ، قال : ثم قال : ( إن الصدقة لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس ادعوا لي محمية{[7703]} - وكان على الخمس - ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب ) قال : فجاءاه فقال لمحمية : ( أنكح هذا الغلام ابنتك ) - للفضل بن عباس - فأنكحه . وقال لنوفل بن الحارث : ( أنكح هذا الغلام ابنتك ) يعني ربيعة بن عبد المطلب . وقال لمحمية : ( أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا ) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم ) . وقد أعطى جميعه وبعضه ، وأعطى منه المؤلفة قلوبهم ، وليس ممن ذكرهم الله في التقسيم ، فدل على ما ذكرناه ، والموفق الإله .
الثانية عشرة - واختلف العلماء في ذوي القربى على ثلاثة أقوال : قريش كلها ، قاله بعض السلف ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صعد الصفا جعل يهتف : ( يا بني فلان يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب يا بني كعب يا بني مرة يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار ) الحديث . وسيأتي في " الشعراء{[7704]} " . وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور ومجاهد وقتادة وابن جريج ومسلم بن خالد : بنو هاشم وبنو عبد المطلب ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني عبد المطلب قال : ( إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد ) وشبك بين أصابعه ، أخرجه النسائي والبخاري . قال البخاري : قال الليث حدثني يونس ، وزاد : ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل شيئا . قال ابن إسحاق : وعبد شمس وهاشم والمطلب إخوة لأم ، وأمهم عاتكة بنت مرة . وكان نوفل أخاهم لأبيهم . قال النسائي : وأسهم النبي صلى الله عليه وسلم لذوي القربى ، وهم بنو هاشم وبنو المطلب ، بينهم الغني والفقير . وقد قيل : إنه للفقير منهم دون الغني ، كاليتامى وابن السبيل - وهو أشبه القولين بالصواب عندي . والله أعلم - والصغير والكبير والذكر والأنثى سواء ، لأن الله تعالى جعل ذلك لهم ، وقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم . وليس في الحديث أنه فضل بعضهم على بعض . الثالث : بنو هاشم خاصة ، قاله مجاهد وعلي بن الحسين . وهو قول مالك والثوري والأوزاعي وغيرهم .
الثالثة عشرة - لما بين الله عز وجل حكم الخمس وسكت عن الأربعة الأخماس ، دل ذلك على أنها ملك للغانمين . وبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : ( وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ورسول ثم هي لكم ) . وهذا ما لا خلاف فيه بين الأمة ولا بين الأئمة ، على ما حكاه ابن العربي في ( أحكامه ) وغيره . بيد أن الإمام إن رأى أن يمن على الأسارى بالإطلاق فعل ، وبطلت حقوق الغانمين فيهم ، كما فعل النبي صلى بثمامة بن أثال وغيره ، وقال : ( لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى{[7705]} - يعني أسارى بدر - لتركته له ) أخرجه البخاري . مكافأة له لقيامه في شأن نقض الصحيفة{[7706]} . وله أن يقتل جميعهم ، وقد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط من بين الأسرى صبرا{[7707]} ، وكذلك النضر بن الحارث قتله بالصفراء{[7708]} صبرا ، وهذا ما لا خلاف فيه . وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم كسهم الغانمين ، حضر أو غاب . وسهم الصَّفِيّ ، يصطفي سيفا أو سهما أو خادما أو دابة . وكانت صفية بنت حيي من الصفي من غنائم خيبر . وكذلك ذو الفقار{[7709]} كان من الصفي . وقد انقطع بموته ، إلا عند أبي ثور فإنه رآه باقيا للإمام يجعله مجعل سهم النبي صلى الله عليه وسلم . وكانت الحكمة في ذلك أن أهل الجاهلية كانوا يرون للرئيس ربع الغنيمة . قال شاعرهم :
لك المِرْبَاعُ منها والصَّفَايا *** وحكمك والنَّشِيطةُ والفُضُول{[7710]}
منا الذي رَبَعَ الجيوش ، لصلبه *** *** عشرون وهو يُعَدُّ في الأحياء
يقال : ربع الجيش يربعه رباعة إذا أخذ ربع الغنيمة . قال الأصمعي : ربع في الجاهلية وخمس في الإسلام ، فكان يأخذ بغير شرع ولا دين الربع من الغنيمة ، ويصطفي منها ، ثم يتحكم بعد الصفي في أي شي أراد ، وكان ما شذ منها وما فضل من خرثي{[7711]} ومتاع له . فأحكم الله سبحانه الدين بقوله : " واعلموا أنما غنمتم من شي - فأن لله خمسه " . وأبقى سهم الصفي لنبيه صلى الله عليه وسلم وأسقط حكم الجاهلية . وقال عامر الشعبي : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم يدعى الصفي إن شاء عبدا أو أمة أو فرسا يختاره قبل الخمس ، أخرجه أبو داود . وفي حديث أبي هريرة قال : فيلقى العبد فيقول : ( أي فل{[7712]} ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع ) الحديث . أخرجه مسلم . " تربع " بالباء الموحدة من تحتها : تأخذ المرباع ، أي الربع مما يحصل لقومك من الغنائم والكسب . وقد ذهب بعض أصحاب الشافعي رضي الله عنه إلى أن خمس الخمس كان النبي صلى الله عليه وسلم يصرفه في كفاية أولاده ونسائه ، ويدخر من ذلك قوت سنته ، ويصرف الباقي في الكراع{[7713]} والسلاح . وهذا يرده ما رواه عمر قال : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب ، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، فكان ينفق على نفسه{[7714]} منها قوت سنة ، وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله . أخرجه مسلم . وقال : ( والخمس مردود عليكم ) .
الرابعة عشرة - ليس في كتاب{[7715]} الله تعالى دلالة{[7716]} على تفضيل الفارس على الراجل ، بل فيه أنهم سواء ، لأن الله تعالى جعل الأربعة أخماس لهم ولم يخص راجلا من فارس . ولولا الأخبار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم لكان الفارس كالراجل ، والعبد كالحر ، والصبي كالبالغ . وقد اختلف العلماء في قسمة الأربعة الأخماس ، فالذي عليه عامة أهل العلم فيما ذكر ابن المنذر أنه يسهم للفارس سهمان ، وللراجل سهم . وممن قال ذلك مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة . وكذلك قال الأوزاعي ومن وافقه من أهل الشام . وكذلك قال الثوري ومن وافقه من أهل العراق . وهو قول الليث بن سعد ومن تبعه من أهل مصر . وكذلك قال الشافعي رضي الله عنه وأصحابه . وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور ويعقوب ومحمد . قال بن المنذر : ولا نعلم أحدا خالف في ذلك إلا النعمان فإنه خالف فيه السنن وما عليه جل أهل العلم في القديم والحديث . قال : لا يسهم للفارس إلا سهم واحد .
قلت : ولعله شبه عليه بحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفارس سهمين ، وللراجل سهما . خرجه الدارقطني وقال : قال الرمادي كذا يقول ابن نمير قال لنا النيسابوري : هذا عندي وهم من ابن أبي شيبة أو من الرمادي ، لأن أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن بشر وغيرهما رووه عن ابن عمر{[7717]} رضي الله عنهما بخلاف هذا ، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم ، سهما له وسهمين لفرسه ، هكذا رواه عبد الرحمن بن بشر عن عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ، وذكر الحديث . وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما . وهذا نص . وقد روى الدارقطني عن الزبير قال : أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أسهم يوم بدر ، سهمين لفرسي وسهما لي وسهما لأمي من ذوي القرابة . وفي رواية : وسهما لأمه سهم ذوي القربى . وخرج عن بشير بن عمرو بن محصن قال : أسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لفرسي أربعة أسهم ، ولي سهما ، فأخذت خمسة أسهم . وقيل إن ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام ، فينفذ ما رأى . والله أعلم .
الخامسة عشرة - لا يفاضل بين الفارس والراجل بأكثر من فرس واحد ، وبه قال الشافعي . وقال أبو حنيفة : يسهم لأكثر من فرس واحد ، لأنه أكثر عنا وأعظم منفعة ، وبه قال ابن الجهم من أصحابنا ، ورواه سحنون عن ابن وهب . ودليلنا أنه لم ترد رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسهم لأكثر من فرس واحد ، وكذلك الأئمة بعده ، ولأن العدو لا يمكن أن يقاتل إلا على فرس واحد ، وما زاد على ذلك فرفاهية وزيادة عدة ، وذلك لا يؤثر في زيادة السهمان ، كالذي معه زيادة سيوف أو رماح ، واعتبارا بالثالث والرابع . وقد روي عن سليمان بن موسى أنه يسهم لمن كان عنده أفراس ، لكل فرس سهم .
السادسة عشرة - لا يسهم إلا للعتاق من الخيل ، لما فيها من الكر والفر ، وما كان من البراذين والهجن بمثابتها في ذلك . وما لم يكن كذلك لم يسهم له . وقيل : إن أجازهم الإمام أسهم لها ، لأن الانتفاع بها يختلف بحسب الموضع ، فالهجن والبراذين تصلح للمواضع المتوعرة كالشعاب والجبال ، والعتاق تصلح للمواضع التي يتأتى فيها الكر والفر ، فكان ذلك متعلقا برأي الإمام . والعتاق : خيل العرب . والهجن والبراذين : خيل الروم .
السابعة عشرة - واختلف علماؤنا في الفرس الضعيف ، فقال أشهب وابن نافع : لا يسهم له ، لأنه لا يمكن القتال عليه فأشبه الكسير . وقيل : يسهم له لأنه يرجى برؤه . ولا يسهم للأعجف إذا كان في حيز ما لا ينتفع به ، كما لا يسهم للكسير . فأما المريض مرضا خفيفا مثل الرهيص{[7718]} ، وما يجري مجراه مما لا يمنعه المرض عن حصول المنفعة المقصودة منه فإنه يسهم له . ويعطى الفرس المستعار والمستأجر ، وكذلك المغصوب ، وسهمه لصاحبه . ويستحق السهم للخيل وإن كانت في السفن ووقعت الغنيمة في البحر ، لأنها معدة لنزول إلى البر .
الثامنة عشرة - لا حق في الغنائم للحشوة{[7719]} كالأجراء والصناع الذين يصحبون الجيش للمعاش ، لأنهم لم يقصدوا قتالا ولا خرجوا مجاهدين . وقيل : يسهم لهم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( الغنيمة لمن شهد الوقعة ) . أخرجه البخاري . وهذا لا حجة فيه لأنه جاء بيانا لمن باشر الحرب وخرج إليه ، وكفى ببيان الله عز وجل المقاتلين وأهل المعاش من المسلمين حيث جعلهم فرقتين متميزتين ، لكل واحدة حالها في حكمها ، فقال : " علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله{[7720]} " [ المزمل : 20 ] إلا أن هؤلاء إذا قاتلوا لا يضرهم كونهم على معاشهم ، لأن سبب الاستحقاق قد وجد منهم . وقال أشهب : لا يستحق أحد منهم وإن قاتل ، وبه قال ابن القصار في الأجير : لا يسهم له وإن قاتل . وهذا يرده حديث سلمة بن الأكوع قال : كنت تبيعا لطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه وأحسه{[7721]} وأخدمه وأكل من طعامه ، الحديث . وفيه : ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين ، سهم الفارس وسهم الراجل ، فجمعهما لي . خرجه مسلم . واحتج ابن القصار ومن قال بقول بحديث عبد الرحمن بن عوف ، ذكره عبد الرزاق ، وفيه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن : ( هذه الثلاثة الدنانير حظه{[7722]} ونصيبه من غزوته في أمر دنياه وآخرته ) .
التاسعة عشرة - فأما العبيد والنساء فمذهب الكتاب أنه لا يسهم لهم ولا يرضخ{[7723]} . وقيل : يرضخ لهم ، وبه قال جمهور العلماء . وقال الأوزاعي : إن قاتلت المرأة أسهم لها . وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم للنساء يوم خيبر . قال : وأخذ المسلمون بذلك عندنا . وإلى هذا القول مال ابن حبيب من أصحابنا . خرج مسلم عن ابن عباس أنه كان في كتابه إلى نجدة{[7724]} : تسألني هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء ؟ وقد كان يغزو بهن فيداوين الجرحى ويحذين{[7725]} من الغنيمة ، وأما بسهم فلم يضرب لهن .
وأما الصبيان فإن كان مطيقا للقتال ففيه عندنا ثلاثة أقوال : الإسهام ونفيه حتى يبلغ ، لحديث ابن عمر ، وبه قال أبو حنيفة والشافعي . والتفرقة بين أن يقاتل فيسهم له أو يقاتل فلا يسهم له . والصحيح الأول ، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة أن يقتل منهم من أنبت ويخلي منهم من لم ينبت . وهذه مراعاة لإطاقة القتال لا للبلوغ . وقد روى أبو عمر في الاستيعاب عن سمرة بن جندب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عليه الغلمان من الأنصار فيلحق من أدرك منهم ، فعرضت عليه عاما فألحق غلاما وردني ، فقلت : يا رسول الله ، ألحقته ورددتني ، ولو صارعني صرعته قال : فصارعني فصرعته فألحقني . وأما العبيد فلا يسهم لهم أيضا ويرضخ لهم .
الموفية عشرين - الكافر إذا حضر بإذن الإمام وقاتل ففي الإسهام له عندنا ثلاثة أقوال : الإسهام ونفيه ، وبه قال مالك وابن القاسم . زاد ابن حبيب : ولا نصيب لهم . ويفرق في الثالث - وهو لسحنون - بين أن يستقل المسلمون بأنفسهم فلا يسهم له ، أو لا يستقلوا ويفتقروا إلى معونته فيسهم له . فإن لم يقاتل فلا يستحق شيئا . وكذلك العبيد مع الأحرار . وقال الثوري والأوزاعي : إذا استعين بأهل الذمة أسهم لهم . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يسهم لهم ، ولكن يرضخ لهم . وقال الشافعي رضي الله عنه : يستأجرهم الإمام من مال لا مالك له بعينه . فإن لم يفعل أعطاهم سهم النبي صلى الله عليه وسلم . وقال في موضع آخر : يرضخ للمشركين إذا قاتلوا مع المسلمين . قال أبو عمر : اتفق الجميع أن العبد ، وهو ممن{[7726]} يجوز أمانه ، إذا قاتل لم يسهم له ولكن يرضخ ، فالكافر بذلك أولى ألا يسهم له .
الحادية والعشرون - لو خرج العبد وأهل الذمة لصوصا وأخذوا مال أهل الحرب فهو لهم ولا يخمس ، لأنه لم يدخل في عموم قوله عز وجل : " واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه " أحد منهم ولا من النساء . فأما الكفار فلا مدخل لهم من غير خلاف . وقال سحنون . لا يخمس ما ينوب العبد . وقال ابن القاسم : يخمس ، لأنه يجوز أن يأذن له سيده في القتال ويقاتل على الدين ، بخلاف الكافر . وقال أشهب في كتاب محمد : إذا خرج العبد والذمي من الجيش وغنما فالغنيمة للجيش دونهم .
الثانية والعشرون - سبب استحقاق السهم شهود الوقعة لنصر المسلمين ، على ما تقدم . فلو شهد آخر الوقعة استحق . ولو حضر بعد انقضاء القتال فلا . ولو غاب بانهزام فكذلك . فإن كان قصد التحيز إلى فئة فلا يسقط استحقاقه . روى البخاري وأبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبان بن سعيد على سرية من المدينة قبل نجد ، فقدم أبان بن سعيد وأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد أن فتحها ، وإن حزم خيلهم ليف ، فقال أبان : اقسم لنا يا رسول الله . قال أبو هريرة : فقلت{[7727]} لا تقسم لهم يا رسول الله . فقال أبان : أنت بها يا وبرا{[7728]} تحدر علينا من رأس ضال{[7729]} . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اجلس يا أبان ) ولم يقسم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
الثالثة والعشرون - واختلف العلماء فيمن خرج لشهود الوقعة فمنعه العذر منه كمرض ، ففي ثبوت الإسهام له ونفيه ثلاثة أقوال : يفرق في الثالث ، وهو المشهور ، فيثبته إن كان الضلال قبل القتال وبعد الإدراب{[7730]} ، وهو الأصح ، قاله ابن العربي . وينفيه إن كان قبله . وكمن بعثه الأمير من الجيش في أمر من مصلحة الجيش فشغله ذلك عن شهود الوقعة فإنه يسهم له ، قاله ابن المواز . ورواه ابن وهب وابن نافع عن مالك . وروي لا يسهم له بل يوضخ له لعدم السبب الذي يستحق به السهم ، والله أعلم . وقال أشهب : يسهم للأسير وإن كان في الحديد . والصحيح أنه لا يسهم له ، لأنه ملك مستحق بالقتال ، فمن غاب أو حضر مريضا كمن لم يحضر .
الرابعة والعشرون - الغائب المطلق لا يسهم له ، ولم يسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لغائب قط إلا يوم خيبر ، فإنه أسهم لأهل الحديبية من حضر منهم ومن غاب ، لقول الله عز وجل : " وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها{[7731]} " [ الفتح : 20 ] ، قاله موسى بن عقبة . وروي ذلك عن جماعة من السلف . وقسم يوم بدر لعثمان ولسعيد بن زيد وطلحة ، وكانوا غائبين ، فهم كمن حضرها إن شاء الله تعالى . فأما عثمان فإنه تخلف على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره من أجل مرضها . فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره ، فكان كمن شهدها{[7732]} . وأما طلحة بن عبيد الله فكان بالشام في تجارة فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره ، فيعد لذلك في أهل بدر . وأما سعيد بن زيد فكان غائبا بالشام أيضا فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره . فهو معدود في البدريين . قال ابن العربي : أما أهل الحديبية فكان ميعادا من الله اختص به أولئك النفر فلا يشاركهم فيه غيرهم . وأما عثمان وسعيد وطلحة فيحتمل أن يكون أسهم لهم من الخمس ، لأن الأمة مجمعة على أن من بقي لعذر فلا يسهم له .
قلت : الظاهر أن ذلك مخصوص بعثمان وطلحة وسعيد فلا يقاس عليهم غيرهم . وأن سهمهم كان من صلب الغنيمة كسائر من حضرها لا من الخمس . هذا الظاهر من الأحاديث والله أعلم . وقد روى البخاري عن ابن عمر قال : لما تغيب عثمان عن بدر فإنه كان تحته ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه ) .
الخامسة والعشرون - قوله تعالى : " إن كنتم آمنتم بالله " قال الزجاج عن فرقة : المعنى فاعلموا أن الله مولاكم إن كنتم ، ف ( إن ) متعلقة بهذا الوعد . وقالت فرقة : إن ( إن ) متعلقة بقوله " واعلموا أنما غنمتم " . قال ابن عطية : وهذا هو الصحيح ؛ لأن قوله " واعلموا " يتضمن الأمر بالانقياد والتسليم لأمر الله في الغنائم ، فعلق ( إن ) بقوله : " واعلموا " على هذا المعنى ، أي إن كنتم مؤمنين بالله فانقادوا وسلموا لأمر الله فيما أعلمكم به من حال قسمة الغنيمة .
قوله تعالى : " وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان{[7733]} " ( ما ) في موضع خفض عطف على اسم الله " يوم الفرقان " أي اليوم الذي فرقت فيه بين الحق والباطل ، وهو يوم بدر . " يوم التقى الجمعان " حزب الله وحزب الشيطان .