وإذا انتهت مقولاتهم ، وفندت أباطيلهم ، وكشفت الدوافع الكامنة وراء أضاليلهم ، يتجه الخطاب إلى رسول الله [ ص ] يبين له وظيفته ، ويحدد له تبعاته ، ويكشف له عن حقيقة المعركة بينه وبين اليهود والنصارى ، وطبيعة الخلاف الذي لا حل له إلا بثمن لا يملكه ولا يستطيعه ! ولو أداه لتعرض لغضب الله مولاه ؛ وحاشاه !
إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ، ولا تسأل عن أصحاب الجحيم . ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم . قل : إن هدى الله هو الهدى ، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير . الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته . أولئك يؤمنون به . ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون . .
( إنا أرسلناك بالحق ) . . وهي كلمة فيها من التثبيت ما يقضي على شبهات المضللين ، ومحاولات الكائدين ، وتلبيس الملفقين . وفي جرسها صرامة توحي بالجزم واليقين .
( بشيرا ونذيرا ) . . وظيفتك البلاغ والأداء ، تبشر الطائعين وتنذر العصاة ، فينتهي دورك .
( ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ) . . الذي يدخلون الجحيم بمعصيتهم ، وتبعتهم على أنفسهم .
ثم ذكر تعالى بعض آية موجزة مختصرة جامعة للآيات الدالة على صدقه صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء به فقال : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا } فهذا مشتمل على الآيات التي جاء بها ، وهي ترجع إلى ثلاثة أمور :
الأول : في نفس إرساله ، والثاني : في سيرته وهديه ودله ، والثالث : في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة .
فالأول والثاني ، قد دخلا في قوله : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ } والثالث دخل في قوله : { بِالْحَقِّ }
وبيان الأمر الأول وهو - نفس إرساله - أنه قد علم حالة أهل الأرض قبل بعثته صلى الله عليه وسلم وما كانوا عليه من عبادة الأوثان والنيران ، والصلبان ، وتبديلهم للأديان ، حتى كانوا في ظلمة من الكفر ، قد عمتهم وشملتهم ، إلا بقايا من أهل الكتاب ، قد انقرضوا قبيل البعثة .
وقد علم أن الله تعالى لم يخلق خلقه سدى ، ولم يتركهم هملا ، لأنه حكيم عليم ، قدير رحيم ، فمن حكمته ورحمته بعباده ، أن أرسل إليهم هذا الرسول العظيم ، يأمرهم بعبادة الرحمن وحده لا شريك له ، فبمجرد رسالته يعرف العاقل صدقه ، وهو آية كبيرة على أنه رسول الله ، وأما الثاني : فمن عرف النبي صلى الله عليه وسلم معرفة تامة ، وعرف سيرته وهديه قبل البعثة ، ونشوءه على أكمل الخصال ، ثم من بعد ذلك ،
قد ازدادت مكارمه وأخلاقه العظيمة الباهرة للناظرين ، فمن عرفها ، وسبر أحواله ، عرف أنها لا تكون إلا أخلاق الأنبياء الكاملين ، لأن الله تعالى جعل الأوصاف أكبر دليل على معرفة أصحابها وصدقهم وكذبهم .
وأما الثالث : فهو معرفة ما جاء به صلى الله عليه وسلم من الشرع العظيم ، والقرآن الكريم ، المشتمل على الإخبارات الصادقة ، والأوامر الحسنة ، والنهي عن كل قبيح ، والمعجزات الباهرة ، فجميع الآيات تدخل في هذه الثلاثة .
قوله : { بَشِيرًا } أي لمن أطاعك بالسعادة الدنيوية والأخروية ، { نَذِيرًا } لمن عصاك بالشقاوة والهلاك الدنيوي والأخروي .
{ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ } أي : لست مسئولا عنهم ، إنما عليك البلاغ ، وعلينا الحساب .
ولما تضمن هذا السياق الشهادة بصحة رسالته صلى الله عليه وسلم وأنه ليس عليه إلا البيان صرح بالأمرين في قوله{[4697]} مؤكداً لكثرة المنكرين{[4698]} { إنا أرسلناك } {[4699]}هذا على أن يكون المراد بذلك جميع الأمم ، أما إذا أريد هذه الأمة فقط فيكون المعنى : قد بينا الآيات الدالات{[4700]} على طريق الحق بأعظم برهان وبالإخبار عن دقائق لا يعلمها إلا حُذّاق أهل الكتاب لقوم يحق عليهم الإيقان لما وضح لهم من الأدلة ، ثم علل ذلك لقوله : { إنا أرسلناك } إرسالاً ملتبساً { بالحق }{[4701]} أي{[4702]} بالأمر الكامل الذي يطابقه الواقع في كل جزئية يخبر بها .
قال الحرالي : والحق{[4703]} التام المكمل بكلمة " أل " هو استنطاق الخلق عن أمر الله فيهم على وجه{[4704]} أعلى لرسالته العلية الخاصة به عن عموم مّا وقعت به رسالة المرسلين من دون هذا الخصوص ، وذلك " حق " منكر ، كما تقدم أي عند قوله :{ وهو الحق مصدقاً لما معهم }[ البقرة : 91 ] لأن ما أحق غيباً{[4705]} مما أنزله الله فهو " حق " حتى السحر ، وما أظهر غيب القضاء والتقدير وأعلن بإبداء حكمة الله على ما أبداها من نفوذ مشيئته في متقابل ما أبداه من خلقه فهو " الحق " الذي خلقت به السماوات والأرض ابتداء وبه ختمت الرسالة انتهاء لتطابق{[4706]} الأول والآخر كمالاً ، حال كونك { بشيراً ونذيراً } وقال الحرالي{[4707]} : لما أجرى الله سبحانه من الخطاب عن أهل الكتاب والعرب نبّأ{[4708]} ردهم لما أنزل أولاً وآخراً ونبأ ما افتروه مما{[4709]} لا شبهة فيه دعواه أعرض بالخطاب عن الجميع وأقبل به على النبي صلى الله عليه وسلم تسلية له وتأكيداً لما أعلمه به{[4710]} في أول السورة من أن الأمر مجرى على تقديره وقسمته{[4711]} الخلق بين مؤمن وكافر ومنافق ، فأنبأه تعالى أنه ليس مضمون رسالته أن يدعو الخلق إلى غير ما جبلوا عليه ، وأن مضمون رسالته أن يستظهر خبايا الأفئدة والقلوب على الألسنة والأعمال ، فيبشر المهتدي والثابت على هدى سابق ، وينذر{[4712]} الأبيّ{[4713]} والمنكر لما سبق إقراره به قبل ، فعم بذلك الأولين والآخرين من المبشرين والمنذرين - انتهى - أي{[4714]} فليس عليك إلا ذلك فبشر وأنذر فإنما عليك البلاغ وليس عليك خلق الهداية في قلوب أهل النعيم { ولا تسأل }{[4715]} ويجوز أن يكون حالاً من { أرسلناك } أو من { بشيراً }{[4716]} { عن أصحاب الجحيم } والمراد بهم من ذكر في الآية السابقة من الجهلة ومن قبلهم ، أي عن أعمالهم لتذهب نفسك عليهم{[4717]} حسرات لعدم إيمانهم ، كما قال{[4718]} تعالى{ ولا تسألون عما كانوا يعملون }[ البقرة : 141 ] أي{[4719]} فحالك مستو بالنسبة إلينا وإليهم . لأنك إن بلغتهم جميع ما أرسلت به إليهم لم نحاسبك بأعمالهم ، وإن تركت بعض ذلك محاسنة{[4720]} لهم لم يحبّوك ما دمت على دينك فأقبل على أمرك ولا تبال بهم ، وهو معنى قراءة{[4721]} نافع { ولا تسأل } على النهي ، أي احتقرهم فإنهم أقل من أن{[4722]} يلتفت إليهم ، فبلغهم جميع الأمر فإنهم لا يحبونك{[4723]} إلا إذا{[4724]} انسخلت مما{[4725]} أنت عليه ؛ وفي الحكم بكونهم أصحابها إثبات لما نفوه عن أنفسهم بقوله :{ لن تمسنا النار } الآية{[4726]} [ البقرة : 80 ] ونفى لما خصصوا به أنفسهم في قولهم :{ لن يدخل الجنة } الآية{[4727]} [ البقرة : 111 ] ، والجحم قال الحرالي : انضمام الشيء وعظم فيه ، ومن معنى حروفه الحجم وهو التضام وظهور المقدار إلا أن الحجم فيما ظهر كالأجسام والجحم - بتقديم الجيم - فيما يلطف{[4728]} كالصوت والنار .